الجزائر الغائبة عربيا

تابعنا على:   21:55 2013-12-14

إيمان موسى النمس

القراءة السريعة في تاريخ السياسة الخارجية الجزائرية يبرز انها اتصفت بسمات اثرت بشكل عميق على مكانتها وتواجدها عربيا :اولا انها تنشط في اوقات الازمات عندما تشعر بأنها تواجه وضعا ما يعزلها دوليا فتحاول القيام بالمستحيل لتستعيد وضعها السابق اما في اوقات الاستقرار فإنها تعود الى حالة الركود والجمود ،والثانية تتعلق بدور القيادة السياسية الجلي في بناء اولويات سياستها الخارجية وهو الامر الذي يجعل سياسيتها تتغير من عهد رئيس للأخر،والسمة الثالثة تتعلق بالميل نحو الحياد في كل مواضيع الصراع الدائرة في المنطقة ماعدا تلك المتعلقة بقضايا التحرر وتقرير المصير مثل القضية الصحراوية والفلسطينية ، وأخيرا تفضيلها ان تنضوي تحت مظلة المنظمات الاقليمية والدولية على ان تقوم بأعمال سياسية فردية .
كل هذه الامور جعلت سياساتها تتخذ شكلا متقطعا لا تراكميا ودفاعيا بدل ان يكون مبادرا وباهتا لا يتوازن مع حجم الجزائر ، وفي 15 سنة الاخيرة اصبح المحدد الاكثر اهمية _ حسب رؤية الرئيس بوتفليقة _ في تحديد سياستها الخارجية هو العامل الاقتصادي وربما هو الامر الذي ادى الى تعزيز علاقاتها مع الدول الاوروبية وإيران ، فالنفط والتنمية المستدامة والشراكة الاقتصادية وقضايا الهجرة حلت محل القضايا السياسية الشائكة التي لم تكن المجال المفضل للتورط فيه نظرا لان التكلفة عالية والعائدات مؤجلة ، هذا ما يبرر تجاهل الجزائر تلميحات الفلسطينيين انهم سيقبلون بوساطتها لإقامة صلح بين الفلسطينيين فالانجازات السياسية ليست بأهمية الانجازات الاقتصادية ، مما جعلها تغيب حتى عن القضايا الرئيسة في العالم العربي والتي طالما ناصرتها .
و الامور ازدادت سوءا مع حالة التغيير السياسي الثوري في عدد من البلدان العربية المحيطة خاصة التي تشترك معها في الحدود ، اذ تبنت الجزائر موقفا دفاعيا تجلى في الصمت وعدم التدخل في شؤون الغير بسبب الصدمة ، فلم يكن في الحسبان ان يحدث امر مماثل وان ينتشر في العالم العربي بهذه السرعة ، وهو ما ترك المساحة لوسائل الاعلام ان تقرأ هذا الموقف بعدة اشكال ادت الى توتير العلاقات بينها وبين هذه الدول ،اما بالنسبة الى الثورات التي استمرت ولم تنجح في تحقيق اهدافها فقد كان موقفها محافظا مساندا للنخب الحاكمة وبدى ذلك بشكل واضح في الحالة السورية ، ودافعت عن موقفها بشدة وانتقدت الجامعة العربية ، ربما بسبب العلاقات الشخصية بين رئيسي البلدين ، اضافة الى حسابات اقليمية تتعلق بعلاقتها مع ايران و اخرى دولية بمحاولة التميز عن السياسة الخارجية الفرنسية.
وبغض النظر عن الموقف وماذا كان صائبا ام لا ، فهو يوضح ان الجزائر تواجه مشكلة عويصة في استيعاب حجم التغيرات حولها ونوع تداعياتها عليها كما انها لا تستوعب الرأي العام المتعاطف مع قضايا الشعوب العربية خاصة فالتغيير السياسي الثوري لا يمكن تجاهله ولا يمكن ايقاف عجلته وعدم قدرتها على تقبل فكرته ان لم يؤدي الى عزلها في السنوات السابقة فانه ادى الى اضعافها عربيا و الانتقاص من مكانتها ، هذا اضافة الى احد اهم عوامل تردي سياستها الخارجية عربيا في الفترة الاخيرة هو مرض الرئيس وفكرة شغور المنصب الرئاسي مما جعلها تنزوي الى الداخل وهو ما انعكس على ادارتها وتعاملها مع التحديات الامنية والأوضاع الانسانية التي كانت بمثابة الاثار الجانبية للربيع العربي ، ففي هذا الاطار لا يمكن ان نصف ان الاجراءات التي تتبعها الجزائر كافية ، ففي موضوع بناء الدولة الليبية حاولت ان تقدم الجزائر مساعدة في تدريب قوات الشرطة لكن التنسيق بين الدولتين ما يزال في حدوده الدنيا ولا يتلاءم مع المشاكل الامنية المشتركة ، نفس الامر يمكن ان يقال عن التعامل مع ملف اللاجئين السوريين ، اضافة الى قضايا اخرى .
ولتغيير هذا الوضع لابد ان يتم رسم استراتيجية واضحة وثوابت لا تتغير في التعامل مع القضايا العربية تخرج الجزائر من منطقة ردود الافعال الى المبادرة والتأثير ، مما يؤدي الى تفعيل حضورها عربيا بدل حالة التراجع والغياب التي تعاني منها حاليا .