أمطار غزة وموقد جدتي

08:47 2013-12-13

د.كامل خالد الشامي

لم تفارقنا الأمطار منذ يومين تقريبا, وقد امتلأت البرك والحفر وارتوت الأرض وجرت الأودية وغرقت بعض البيوت وبعض الناس, وانهارت مبان وجدران, كل هذا يسير بهدوء في غياب الكهرباء لساعات طويلة تزيد عن 18 ساعة في اليوم, وما زال المنخفض الجوي مستمرا بأمطاره ورياحه ورعدة وبردة , غزة بحاجة إلي الأمطار بعد غياب طال أمده , الشوارع شبة خالية من المارة ومن السيارات,إلا من سيارات الإسعاف التي تشق طريقها بصعوبة وسط الفيضانات لنقل المرضي وإسعاف الغرقى, والمياه تتجمع في بعض مناطق الطرق وتغرقها وتمنع الحركة عليها وحتى الطريق الجديد تتجمع في بعض مناطقه مياه الأمطار وتعيق الحركة علية.
الأمطار في هذه المرة أظهرت عيوب الطرق القديمة والمتهرئة والجديدة, لكن المشكلة سوف تنتهي حتما بعد توقف سقوط الأمطار وتسرب المياه شيئا فشيئا
كنت أستنير بضوء الشمعة الخافت وابحث عن الحروف التي اكتب بها هذه المقالة وأحاول أن أسرع وأن أستمطر أفكاري قبل أن تنفذ بطارية الحاسب المحمول كما نفذت بطارية هاتفي النقال ,حتى لا أصبح منقطعا عن العالم الذي تعودت أن أكون علي تواصل معه , ولو أنني اشعر أنه خذلني
توقفت لبرهة قصيرة وأنا أكتب مجازفا ببطارية الحاسب, وتذكرت ما كانت تفعله جدتي عندما كانت تسقط الأمطار في الشتاء ,لم يكن لدينا كهرباء وكنا ننقل الماء علي ظهور البهائم وكانت جدتي توقد النار في الموقد من خشب اللوز والزيتون والحمضيات, كنا نجلس حول الموقد وكانت تحدثنا عن أبو زيد الهلالي وقصصه الممتعة , ثم تغفوا وننام حتى الصباح, لم تكن جدتي تعرف المختار أو الحاكم أو مدير الشرطة أو أي مسئول ولم تكن تعرف الكهرباء ولم تكن تعرف سوي جيرانها, كانت مستقلة في كل شيء, وأكثر ما كان بهمها أنها كانت تذهب لزيارة الأضرحة المباركة وتوزع الحلوى والتمر علي حفظة القرآن المتواجدين هناك,وكانت تدخل إلي الضريح وتقرأ الفاتحة ثم تسأل الضريح أن يعيد لها ابنها المسافر وهو أبي وكانت هذه الوسيلة الوحيدة التي كانت تربطها بأبي وهو مسافر, فلم يكن لديها جوال أو هاتف.
غادرت جدتي إلي دار الآخرة ولم تعد توقد النار, ونحن كبرنا وأصبحنا مستقلين كل في مسكنة ولم نفكر أن نوقد النار في موقد جدتي.
بالأمس تعبت من الظلام ومن طول انتظار الكهرباء فنمت , ورأيت جدتي في المنام تسألني عن الجيران التي كانت تهتم بهم عندما كانت تعيش بيننا, فقلت لها إن الجيران منهمكين في أعمال عديدة: فمنهم من يحاول إبعاد مياه الوادي عن بيته حتى لا يغرق ومنهم من ذهب مبكرا إلي طابور الإغاثة ومنهم من يحاول الانضمام إلي طابور الإغاثة ومنهم من امتطي حماره وذهب ليصلي في مسجد أخر لأن المسجد القريب لم يعد يروق له, ومنهم من تحول إلي كاتب تقارير كيدية, وانأ يا جدتي أعيش همومي ساعة بساعة ولا استطيع أن أساعد حتى نفسي فالمشاكل اكبر مني بكثير وعلي أن انتظر حتى يمن الله علينا بالفرج, واختفت جدتي من دون أن تعلق, صحوت من نومي وما زال الظلام سيد الموقف في المنزل تحسست هاتفي النقال حتى أضيئ الكشاف ولكن البطارية خانتني ثانية فقد كانت فارغة, وأعرف أن لا شمع في البيت فقد أحرقناه حتى آخر شمعة ثم بدأت أتحسس طريقي وسط الظلام وفتحت الباب الخارجي , إلا أن الحظ لم يحالفني فقد كانت القبة ملبدة تماما .
عدت إلي سريري وحاولت أن أغفوا ولكن همومي حاصرتني ثانية,وعدت أفكر في التيار الكهربائي الذي أصبحت حياتنا مقترنة به تماما ويصعب علينا أن نعيش من دونه, ولو افترضنا اليوم إننا سوف نعيش مثلما عاشت جدتي من دون كهرباء فسوف تتوقف جميع مناحي الحياة وننعزل عن العالم تماما وسوف تكون نهايتنا.
بعد أن انتهيت من كتابه هذا المقال المتواضع ونظرت إلي كاس الشاي الأخضر أمامي والبخار يتصاعد منه يداعب ضوء الشمعة, لكني أقول لكم " لقد فقدت الشمعة رومانسيتها في قطاع غزة

 أستاذ جامعي وكاتب مستقل جامعة غزة

[email protected]

اخر الأخبار