في مؤتمر للموت الفلسطيني...

تابعنا على:   11:19 2013-12-12

جهاد الزين

مدهشةٌ هي هذه الـ "فلسطين"... مدهشةٌ كجثّةٍ ... فبينما تعيش منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي منها تحديداً مناخا من تراجع الاهتمام بالشأن الفلسطيني بل تعيش ما يبدو أنه انطفاءٌ كثيف الرماد من حرائق ملتهبة بعيدا عن فلسطين ولاسيما في سوريا ومصر والعراق وليبيا... إذا بحدثٍ مفاجئٍ يضيء بدلالة ديناميكية عميقة على استمرار الأهميّة الأخلاقية للقضية الفلسطينيّة كأحد أكبر مصادر "الضمير العالمي" المعاصر.

الحدث هو الانكشاف المفاجئ – والعميق أخلاقيا - للعزلة الإسرائيلية في العالم (كل العالم فعلاً) الذي كان يحتشد أمس الأول عبر زعمائه لتكريم الراحل نلسون مانديللا. وحدها إسرائيل ظهرت، ليس فقط أنها لم تشارك في التكريم بفعالية، فقد شاركت عبر رئيس الكنيست بعد تردّد، وإنما ظهرت أنها غير قادرة فعلا على المشاركة المقبولة فتعرّضت بل عرّضت نفسها لإدانة تلقائية صامتة باعتبارها النموذج الوحيد المتبقّي لنظام التمييز العنصري بعد سقوط النظام الأول في جنوب إفريقيا.
تنعزل إسرائيل عن "العالم" ويعزلها العالم فجأة في لحظة تعيش فيها إحدى أكثر مراحلها قوةً منذ تأسيسها. فهي اليوم ليس فقط دولة راسخة وغير مهدَّدة بل هي قوة إقليمية رئيسية مكرسة في ظل الانهيار الذي تعيشه دول النظام العربي السابق سوريا والعراق والانشغال المصري الداخلي حتى أن الخبير الصيني "نيوكسن شون" مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في بكين والمدير السابق لمعهد الدراسات الأميركية الصيني صنّف إسرائيل كواحدة من خمس دول ذات تأثير إقليمي في الشرق الأوسط ودون أي مفاضلة بين أيٍّ منها خلال مداخلته في مؤتمر "قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني" الذي انعقد في الدوحة- قطر أيام 7و8 و9 كانون الأول الجاري بدعوة من "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" الذي أسّسه قبل ثلاثة أعوام الباحث والسياسي الفلسطيني المعروف عزمي بشارة برعاية مباشرة من أميري قطر السابق والحالي. الدول الخمس كما عدّدها الباحث الصيني ببرودة بحثية-سياسيّة كاملة هي: إيران وتركيا ومصر والسعودية وإسرائيل (وستكون لنا عودة إلى رؤية هذا الباحث المرموق في ما يتعلّق بتحوّلات السياسة الصينية).
إذن في ذروة "الموت" السياسي الفلسطيني الذي تخيِّم أجواؤه على النخب العربية والفلسطينية حاليا... حتى أن عضوا فلسطينيا بارزا في وفد المفاوضات مع إسرائيل وصف هذه المفاوضات في الاجتماع الدوري للفصائل الفلسطينية المنضوية في منظمة التحرير يوم 2-12-2013 في رام الله وحسب تقرير حرفي عن الاجتماع بأنها من طريقة السلوك الإسرائيلي لم تعد مفاوضاتٍ حول دولتين بل أصبحت حول "دولة واحدة بنظامين"... في ذروة الموت هذه تأتي نفحة جوهانسبورغ الكاشفة لعمق العزلة الأخلاقية لإسرائيل كنظام تمييز عنصري لكي تكشف أن الجثة السياسية الفلسطينية قادرة ولو في لحظات على استعادة الحياة وفي الصف الأول من الواجهة العالمية.
هي لحظة عابرة سرعان ما ستتلاشى تحت ركام الحقائق القاسية في الشرق الأوسط من حيث أن النظام الإقليمي الجديد يتجه نحو تحويل إسرائيل إلى مركز ثقل "طبيعي" في علاقات المنطقة "غير الطبيعية"؟
التلاشي السياسي هو الأرجح بل الأكثر احتمالاً.
كان مؤتمر الدوحة بما هو جامعٌ لحشد كبير من النخب الفلسطينية (والعربية والآسيوية والأوروبية) مُهمّاً كنادٍ للقاء بين الكوادر الفلسطينية من داخل إسرائيل والضفة الغربية والشتات ويكشف مرة جديدة مستوى الكفاءة العالية للكثير من الكوادر ومستوى المساهمات التي قدّموها. لكنه كان موضوعيا مؤتمراً آخر في الجنازة الفلسطينية... ومما ساهم في ذلك أن منظّم المؤتمر عزمي بشارة بدا ساعيا لغلبة فكرة العودة إلى رؤية إسرائيل كـ"مشروع كولونيالي" مما وجّه بعض الأوراق للبحث في نتائج أي انحلال أو انتهاء لبنية السلطة الوطنية الفلسطينيّة. لم يَدُرْ نقاشٌ كاف حول البدائل... فكان مؤتمرَ تشخيصٍ وليس بحثاً عن حلول. وفي واحدة من أهم "التشخيصات" للبنية الفكرية في إسرائيل قال الباحث الاسرائيلي آلان بابيه المشارك في المؤتمر أن الأيديولوجيا الإسرائيلية الرسميّة انتقلت من إنكار مجازر 1948 الصهيونية إلى تبريرها على أنها سلوك كان ضروريّا في تلك المرحلة التأسيسية. ومعروف أن بعض المثقفين النقديّين الإسرائيليّين، في المجموعة التي كانت تُسمّى "المؤرخون الجدد"، والتي كان بابيه ضمنها، قد تبنّوا هذا التبرير، فيما بابيه ذهب في الاتجاه المعاكس بشكلٍ أكثر راديكاليّة.
لم يكن هناك مدعوّون إيرانيون إلى المؤتمر (علمتُ أن الاستبعاد تمّ لمنع أي احتمال تواصل إيراني مخابراتي يبرع "الإيرانيون" به مع بعض "بيئات" المؤتمر! ولن أسمّي هذه "البيئة"!!). لكن إيران والاتفاق الإيراني الأميركي كانا الأكثر حضورا في صالونات المؤتمر الجانبية وكواليسه. الأسئلة نفسها: النتائج على الأوضاع في المنطقة وخصوصا الخليج. ولهذا استأثر التقرير المفاجئ الذي نشرته "نيوزويك" عن لقاءات باريس بتنظيم صيني فرنسي بين ضباط إيرانيين متقاعدين من الحرس الثوري وبين ضباط إسرائيليين متقاعدين اهتماما إضافيا كمؤشِّر على جدية تحوّل الأجواء في المنطقة. كما أن اعتذار تلفزيون وإذاعة "المنار" والنور" الحزب إلهيّين من البحرين و "توضيح" حزب الله الذي أكّد الخبر ولو في معرض نفي علم قيادته المسبق به (؟) مؤشِّرٌ آخر من مؤشرات كبيرة وصغيرة ومعقّدة ستواصل الظهور في المرحلة الجديدة... في اتجاه مستقبلي بطيء ومتدرّج على ما أسميته في مقالي بعد الاتفاق الإيراني الأميركي "حتمية خروج إيران من الصراع مع إسرائيل إذا كان هذا الاتفاق استراتيجياً" (21-11-2013) ...

عن النهار اللبنانية