الأسرى المسمار الأخير في نعش المفاوضات

تابعنا على:   03:43 2013-12-12

د. تحسين الاسطل

كشفت المعلومات التي نقلتها بعض وسائل الإعلام ، وطلب "جون كيري" وزير الخارجية الأمريكية  من "نتنياهو" بتأجيل الإفراج عن الدفعة الثالثة من الأسرى القدامى،  عن الدور التكاملي بين دولة الاحتلال والولايات المتحدة الراعي الحصري لمسلسل القمع وانتهاك الحريات لآخر احتلال في العصر الحديث.

كيري بطلبه هذا يكون استخدم الورقة الأكثر تأثيرا على الفلسطينيين ، لأنه يعرف أن القيادة الفلسطينية والرئيس عباس قبلت أصلا العودة إلى المفاوضات من اجل الأسرى القدامى ، فهم الشهداء الأحياء في سجون الاحتلال ، وكان الإفراج عنهم الإنجاز الوحيد الذي يمكن أن تحققه المفاوضات ، فكل القرائن والأحداث والإجراءات التي تقوم بها حكومة "نتنياهو" المتطرفة ، تعمل من اجل تدمير المفاوضات وعملية السلام برمتها ، وإطلاق العنان لموجة جديدة من العنف بالمنطقة.

والمتابع لتحركات كيري منذ رعايته للمفاوضات ، وبعض المواقف التي ظهرت بعد مدة من استئناف المفاوضات ، والتي أدت إلى أزمة كبيرة  بها واستقالة الوفد المفاوض ، يتضح له أن طلب كيري جاء بعد تنسيق مع الحكومة الإسرائيلية، التي ترى أنها أعطت إنجاز كبير للرئيس عباس في الإفراج عن الأسرى دون أن يقدم أي تنازل عن الثوابت الفلسطينية ، وتريد أن تستخدم ورقة الأسرى القدامى في المفاوضات التي تقف مكانها ولا تحقق أي تقدم أمام التعنت الإسرائيلي .

بعد الإفراج عن الدفعة الثانية من الأسرى القدامى تبقى في سجون الاحتلال 52 أسيرا ، ناضلوا من اجل الحرية ، وكان يجب على دولة تزعم الديمقراطية والدفاع عنها أن تمنحهم أوسمة الحرية ، لا أن تطلب من دولة الاحتلال الإبقاء عليهم في السجون للضغط على الرئيس عباس للقبول بالشروط الإسرائيلية المرفوضة فلسطينيا والتي لا يمكن القبول بها بأي حال من الأحوال.

ومن المعروف ان الدافع القوى الذي شجع الرئيس عباس والقيادة الفلسطينية العودة إلى المفاوضات هو إنجاز الإفراج عن الأسرى ، لان الرئيس عباس هو أكثر الناس معرفتاً بعقلية الحكومة الإسرائيلية ، التي لا يمكن التوصل معها إلى اتفاق سلام عادل وشامل بالمنطقة ، فحكومة ترفق كل جولات التفاوض بالإعلان على نشاطات استيطانية جديدة ، وتطلق العنان للمتطرفين والشواذ الصهاينة لتدنيس المسجد الأقصى المبارك ، لا يمكن أن تكون حكومة سلام أو ترغب في تنفيذ السلام .

وعند عودة المفاوضات كان الاتفاق بالإفراج عن الأسرى على دفعات خلال المفاوضات التي وضع لها سقف زمني حدد بتسعة اشهر ، وفي اعتقادي أن هذان الأمران جعلا الرئيس عباس يوافق على استئناف المفاوضات ، فالفلسطينيون لا يتحملون مجرد الجلوس مع الاحتلال ، إن لم يكن هناك إنجاز في الإفراج عن الأسرى القدامى ، وإذا حققت المفاوضات تقدما لابد أن يتوج بالإفراج عن جميع الأسرى الذين اقتربوا إلى خمسة آلاف أسير،  كما لا يمكن أن تستمر المفاوضات إلى ما لا نهاية أو سقف زمني ، لان "نتنياهو"  كان يريد للمفاوضات أن تستمر دون توقف وبدون أي سقف أو مرجعية ، وإفراغها من محتواها ولا يريد أن يقدم أي استحقاق للمفاوضات من الحقوق المسلوبة للشعب الفلسطيني .

وفي اعتقادي أن الإدارة الأمريكية وراعي المفاوضات وزير خارجيتها كيري قد كتبت شهادة وفاة للمفاوضات الحالية ، ودقت المسمار الأخير في نعشها ، لأنها بذلك تكشف بشكل فض عن الانحياز الأمريكي لإسرائيل ، وأنها لا تقوم بدور الوسيط النزيه في المفاوضات بين الطرفين ، والفلسطينيون لا يمكن أن يقبلوا بهذا الاستخفاف بما اتفق علية بين الجانبين خاصة في قضية الأسرى القدامى ، القابعين في سجون الاحتلال منذ الانتفاضة الأولى ، وكان من المفترض أن يتم الإفراج عنهم أكثر من مرة سابقا ورفضت إسرائيل الإفراج عنهم، ويتم الآن استخدام قضيتهم الإنسانية كورقة ضغط لأهداف سياسية للإدارة الأمريكية ودولة الاحتلال.

المطلوب فلسطينيا وعربيا استخدام كل عناصر الضغط الشعبية والرسمية ، وتوحيد الخطاب الفلسطيني في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية خاصة ونحن مقبلون على مرحلة مهمة في الصراع سيترتب عليها خارطة جديدة يراد تنفيذها ، ويتم استغلال الانقسام الفلسطيني والخلافات العربية في تنفيذها .

وعلنا فلسطينيا وأمام ما يراد لقضيتنا العادلة أن نعمل من اجل إنهاء الانقسام والبدء في خطوات عملية على الأرض لإنهاء كل أشكاله ، ومواجهة المرحلة المقبلة التي تريد تهويد القدس والأراضي الفلسطينية ، والإبقاء على الأسرى في سجون الاحتلال ، والإقلاع عن خطاب التخوين لأهداف سياسية ، لان الفلسطيني الجيد بالنسبة للاحتلال وقادته هو الفلسطيني الميت ، وعلى الفلسطينيين أن يمنحوا الحياة لأنفسهم من خلال إنهاء الانقسام ، خاصة أن المفاوضات لن تأتي باى نتائج على الأرض .

وخلاصة القول أن النتائج التي يمكن أن تحققها المفاوضات تتمثل في ثلاث نقاط لا رابع لها ، الإفراج عن الأسرى وتم الإفراج عن جزء منهم ، ونحن في انتظار بقية الأسرى الأبطال ، والنتيجة الثانية هي انكشاف عورة الغطرسة الإسرائيلية التي لا تقبل بالسلام بأي حال من الأحوال ، والنتيجة الثالثة انكشاف عورة انحياز الإدارة الأمريكية للاستيطان والغطرسة الإسرائيلية ، وعجزها في لعب دور الراعي النزيه في المفاوضات والتوسط بين الطرفين ، وبالتالي تصبح الأبواب مشرعة أمام القيادة الفلسطينية استكمال إجراءات قبول دولة فلسطين في مؤسسات الأمم المتحدة، وصولا لتجسيد الدولة الفلسطينية واقعا على الأرض ، ومطالبة المجتمع الدولي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لدولة فلسطين.