شجاعة حزبية هل تتكرر؟

تابعنا على:   22:11 2013-12-10

محمد نجيب الشرافي

في خطوة تتسم بالشجاعة والحكمة, أعلن القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "جميل المجدلاوي" تخليه ومجموعة من قيادات الجبهة - من بينهم نائب الأمين العام عبد الرحيم ملوح - عن مواقعهم القيادية لصالح قيادات شابة يتم انتخابها في المؤتمر السابع.

هي سابقة ونموذج فريد سبقهم اليها مؤسس الجبهة "جورج حبش" الذي تخلى عن موقعه طواعية. لم يكن منصب أيا من تلك المجموعة حقاً دائماً وثابتاً. بل هو حق مكتسب يتم من خلال ترشيح الشخص لعضوية اللجنة المركزية أولا ثم يتم انتخاب نخبة منهم لعضوية المكتب السياسي لفترة تستمر حتى انعقاد المؤتمر التالي.

أما وان أعلنوا عدم ترشيحهم فذاك يعني زهدهم في المناصب ورغبة في ضخ دماء شبابية جديدة لتتبوأ مكانهم وتحمل المسؤولية.

لكن هناك من يعتقد أن المناضل لا يستقيل ولا ينبغي له أن يتخلى عن موقعه القيادي حتى الشهادة أو النصر. هذا الفهم تبريري وقاصر لخصه "المجدلاوي" في أن "قدرة وإمكانية ابن الثلاثين عاما أكبر وأوسع من شيخ قارب السبعين, فضلا عن أن الموقع ليس ملكاً حصرياً لنا, وسنظل أعضاء ملتزمين بقرارات جبهتنا".

رسميا,عدا السوداني "سوار الذهب" الذي أطاح بالرئيس "جعفر النميري" لم يشهد التاريخ العربي المعاصر تخلي شخصية رسمية عن موقعها طواعية دون أن يطعن في أهليته للحكم أو أن يطاح به بالقوة كما حدث للرئيسين بورقيبة وزين العابدين بن علي, فنحن مجتمع نمتلك فن التبرير وتحويل الهزيمة الى انتصار حتى لو ذبح نصف الشعب ودمرت البيوت على رؤوس أصحابها وقطعت رواتبهم وعاش الناس بلا مياه نظيفة أو كهرباء أو مصدر رزق كريم وبلا حرية, سيخرج علينا من يقول أننا انتصرنا وأن القضية بأيد أمينة !؟

خلاف ذلك, تبدو ثقافة الاعتذار والاستقالة في المجتمعات الغربية عادية جدا، وليس أمرا مستغرباً أن يخرج وزير أو رئيس حكومة ويعلن استقالته من منصه,لأسباب شخصية أو مهنية وأنه لم يتمكن من انجاز المهمة التي وكل بها.

ليس في ذلك عيب أو نقصان من مكانته, مثلما ليس بالضرورة أن كل من يتولى منصبا هو أهل له أوان لديه الإمكانيات والقدرات التي تؤهله لتلك المهمة. فمن يعتذر عن منصب يمكن أن يكون مبدعا ومتميزاً في مجال أخر, ومن يعتذر لا يعني بحال أنه فاشل, إنما أراد طواعية أن يتيح للآخرين فرصة تحقيق ما عجز - أو يمكن أن يعجز- عنه, أو اعتقد أن غيره يمكن أن ينجزه بسهولة. ذاك من يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الأخرون.

أنها شجاعة, بل وجرأة, فمن كان لديه قدرة الاعتذار إنما يفرض احترامه عند الآخرين ويصبح قدوة لأنه يمتلك قدرا من الصراحة والشفافية والكفاءة.

إذا طبقنا ما نقول ونؤمن به فلسطينيا سنجد أنفسنا كمن يحرث في البحر, فما أن يشاع أن تعديلا وزاريا في إحدى الحكومتين حتى يصبح لدى صاحب القرار ما أصبح يعرف بـ "بنك أسماء" من المرشحين الذين يجدون في أنفسهم القدرة والكفاءة, كل منهم يرى في نفسه الأصلح والرجل الوحيد المناسب لهذا المنصب وحتى لما هو أرفع منه, مع أن الشعب الفلسطيني ينام ويصحو على أمل أن تقدم الحكومتان له خبراً مفرحا باستقالتهما.

رئيس سابق لوكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"

اخر الأخبار