الجنزورى يروى لأول مرة.. «سنوات الحلم والصدام والعزلة» (الحلقة الأولى)

تابعنا على:   13:55 2013-12-10

إعداد ــ إسماعيل الأشول

عن سنوات النشأة والكفاح والانتقال من القرية إلى القاهرة مرورًا بسنوات الدراسة ونهاية بتولى المناصب المرموقة حتى نهاية حكومته الأولى عام 1999، تدور أحداث الكتاب الذى بين أيدينا، والصادر حديثا عن دار «الشروق»، (طريقى .. سنوات الحلم .. والصدام .. والعزلة .. من القرية إلى رئاسة مجلس الوزراء ) للدكتور كمال الجنزورى، رئيس وزراء مصر الأسبق.

الجنزورى، بحسب مقدمة «الناشر»، من أبرز من جلسوا على مقعد رئاسة الوزراء فى مصر، من أول نوبار باشا عام 1878 وحتى د.حازم الببلاوى. فالرجل «واحد من أسماء قليلة، تركت بصمة واضحة فى عملها، وهو من بين قلائل جدًّا من الذين تولوا المنصب وخرجوا منه ثم عاد من جديد، فقد تولى الجنزورى، منصب المحافظ فى عهد أنور السادات ثم الوزارة، ورئاسة الحكومة فى عهد مبارك، وكذلك فى عهد المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى الفترة الانتقالية الأولى التى سبقت وصول جماعة الإخوان إلى الحكم». «أسرد فى هذا الكتاب خواطرى عن مشوار طويل قطعته فى حب مصر» هكذا يقدم الجنزورى لكتابه، ثم يطرح رؤيته عن عمله قائلا: «لا إنجاز بغير علم.. ولا تطور بغير تخطيط.. وإدراك ظروف العصر، وتقلبات المواقف فيه ومن حوله».

يضيف الجنزورى: «إذا كان العلم، ضرورة، فإن التخصص الدقيق، يصبح أدعى أوجه الضرورات فيه، حين يتعلق الأمر بتطوير وطن ورفع مستوى حياة شعب يتطلع إلى مكانته الطبيعية وسط الأمم الراقية. وحين يقترن العلم بالتخطيط، مع شريان رئيسى آخر للنجاح هو الخبرة، فإن اجتماع الاثنين معا، العلم المتخصص والتجربة الموثقة، يقود خطى القائد الإدارى أو التنفيذى أو السياسى إلى مراتب النجاح والرضا الشعبى. ذلك كان طموحى.. وكان أدائى.. وكان طريقى».

امتدت تجربة الدكتور كمال الجنزورى، العملية، لأكثر من أربعة عقود، بدأت من وظيفة فى بدايات السلم الوظيفى، لتتدرج إلى سلسلة من الوظائف المسئولة تمثلت فى: أستاذ مساعد بمعهد التخطيط القومى ثم خبير للتخطيط بهيئة الأمم المتحدة لدى هيئة التخطيط السعودى، ثم وكيل لوزارة التخطيط، وتطورت المسئولية إلى تولى منصب «محافظ» لمحافظتين، ثم العودة إلى معهد التخطيط القومى مديرًا ونائبًا لوزير التخطيط.

• شاب أمريكى للرئيس «جونسون»: «أنت رجل قذر» .. والرئيس يرد: «قد تكون محقـًا فأنا أعمل فى مهنة قذرة»

يتابع الجنزورى متحدثا عن نفسه: «أصبحت المسئولية أكبر عبئًا عندما شرُفت بالإشراف على وزارتى التخطيط والتعاون الدولى وزيرًا، ثم نائبًا لرئيس الوزراء مع الاحتفاظ بالوزارتين، ومحافظًا لمصر لدى البنك الدولى لعقد ونصف، حتى بلغت المسئولية أقصاها، حين تم تكليفى رئيسا لمجلس الوزراء والإشراف على عدة وزارات وأجهزة. كما انتخبت نائبًا بمجلس الشعب عن إحدى دوائر المنوفية لدورتين متتاليتين خلال ثمانينيات القرن الماضى».

ترسخت لدى الجنزورى، عدة قناعات على مدى مشواره الطويل، مفادها أن العمل الوطنى الصحيح فى بلد كمصر بكل ظروفها وأحداثها، لابد أن ينطلق فى إطار من التخطيط المتكامل، للإعداد والمتابعة لضمان حسن استغلال الموارد الوطنية المادية والبشرية. وأن تحقيق الطموحات التى تتضمنها الخطط القومية، يستلزم تنفيذًا صحيحًا وسياسات وإجراءات غير مباشرة حافزة للقطاع الخاص، ومتابعة فعالة، فى إطار توقيتات محددة، لتوفير المناخ المناسب للجوانب الإنتاجية والخدمية.

ويرى الجنزورى، أن الشعب جميعه، هو الذى يقع عليه عبء التنمية، فهو المحرك لها العامل على إنجاحها، ومن ثم فلابد أن يظل بجميع فئاته المستفيد من عائداتها، بتعهده بالتعليم المستنير والمعرفة والرعاية الصحية الكاملة وتوفير سبل العيش الكريم والآمن.

ويتابع: «كان الحرص، على الالتزام بأن المال العام ملك للناس أجمعين، وأن الإنفاق العام يجب أن يبتعد عن الإسراف، وأن يوجه بكليته إلى ما يعود بالنفع على الغالبية من أفراد الشعب، وأن يأخذ فى حسبانه مصالح الأجيال القادمة من أبناء هذا الوطن، ويقدم للشباب القدوة الصالحة والقادرة. ولقد ظل هذا التزامًا، لا يهتز ولا يتغير مهما تفاقمت الأحداث وتشعبت، مما أشاع فى نفسى رضا ذاتى بلا حدود، وحتى عندما بلغت مسيرة المسئولية الرسمية منتهاها فى تلك المدة الأولى من 4 يناير 1996 إلى 5 أكتوبر 1999، ولا أكتم سرًّا، إذا قلت إن هذا الالتزام، هو الذى أملى علىّ إخراج هذا الكتاب إلى النور، وذلك إيمانًا منِّى بأن سرد التجربة بكل محتوياتها ـ وإن كانت موجزة ـ قد يفيد أبناء الوطن، فى التعرف على ما جرى وأن يظل الهدف دائمًا مصر ومصالحها ومواطنيها».

• مشوارى بدأ من «كُتَّاب» الشيخ سليمان.. وكنت أبدو طالبًا جامعيًا وأنا فى الثانية عشرة من عمرى

أول المشوار

كانت البداية فى كُتاب القرية، ومعلمنا ومحفظنا القرآن الكريم الشيخ سليمان بيومى ... وفى المدرسة الإلزامية، وناظرها الشاعر الجليل الأستاذ عبدالحميد العيسوى.. ثم كان الانتقال إلى المدرسة الابتدائية بالباجور حيث يطلق على ناظرها عبود بك، وأستاذ اللغة العربية الشيخ عبدالله أبو العطا، والد المهندس عبدالعظيم أبوالعطا وزير الرّى الأسبق.

ولا يفوتنى هنا، ذكر عم أحمد فراش المطعم، وطالب فذ، لا يُنسى أبدًا، حكمت عليه ظروفه أن يعمل بالثانوية العامة، وشاهدته موظفًا فى سكرتارية وزارة الزراعة، وتلقيته بالأحضان، وأنا نائب رئيس الوزراء، وطلبت منه أن يزورنى فى أى وقت يشاء، لكن عزة نفسه منعته ولم أقابله مرة أخرى.

ولا أنسى أن سعادتى كانت تكتمل عند الجلوس مع الكبار فى القرية مع الوالد وأصدقائه، أستمع إلى ما يدور من أحاديث، تتناول الشأن الداخلى فى مصر بل تتعداه إلى الساحة الدولية، حيث كانت أخبار الحرب العالمية الثانية تشغل عقول الناس، فشدت انتباهى وملأت خاطرى، وفضلتها على ملاعب الطفولة والصبا، إذ كنت أستمع بإمعان إلى ما يقال، مقدرًا بالفطرة أهميته ومستفيدًا من حكمة الكبار. ومن هنا تشكلت لديّ سمة أساسية انطبعت عليها ولازمتنى طوال عمرى، وهى أن أنصت طويلا وأفكر قبل أن أتكلم.

• تعلمت الإنصات من أحاديث الكبار عن الحرب العالمية.. وفضلت مجالستهم على اللعب فى الطفولة

«النادى السعدى» و«مصر الفتاة»

أتيت إلى القاهرة فى الثانية عشرة من عمرى لألتحق بالمدرسة الثانوية، وتلك كانت نقلة نوعية هائلة بمعيار تلميذ صغير، نشأ بين أهله فى القرية ليعيش بعيدًا، عنهم وعنها فى المدينة مع زوج الأخت وزوج ابنة العم والعم، بين كبار، أصغرهم يكبرنى بنحو خمسة عشر عامًا... كانوا جميعًا ينتمون إلى حزب الوفد، شغلهم وشغلنى معهم أحاديثهم عن قدراته ونشاطاته امتدت بين الليل والنهار. وكما استمعت إلى الكبار بالقرية من قبل، استمعت إليهم وصاحبتهم مرارًا فى المدينة إلى النادى السعدى. ولأنى فى ذلك الوقت كنت أوحى بعمر أكبر، اعتقد الكثير أنى طالب بالجامعة فارتفع مستوى المعاملة والحديث معى إلى ما تجاوز العمر إلى المظهر.

زرت أيضًا مرارًا مقر حزب مصر الفتاة فى الشارع الخلفى الموازى للنادى السعدى، وكان زعيمه آنذاك السيد أحمد حسين، الذى استمعت إليه كثيرًا. وذهبت إلى جمعية الشبان المسلمين لفترات طويلة.

إلا أن رد فعلى الأول عن هذه الأحزاب والهيئات والمؤسسات، كان أقل قدرًا، إذ اختلف فى بعض الأحيان ما قيل فى الاجتماعات عن واقع الحركة والتصرف فى الشارع. مرت سنوات التعليم الثانوى بنجاح، التحقت بعدها بالجامعة، وأحسست بنقلة أخرى، لأنه إذا كانت حياة المدينة غير حياة الريف فحياة الجامعة تختلف جذريًّا عما قبلها.

• أول وظيفة تقلدتها «خبير غلال» فى شون طنطا.. وبعدما أهاننى مديرى استقلت.. وقابلته بعد 32 عامًا وأنا نائب لرئيس الوزراء

خبير غلال

تخرجت فى كلية الزراعة فى يونيو سنة 1957، وكان من المنتظر أن ألتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية فى أكتوبر من ذات السنة، لأبقى سنة ونصف السنة، لزم أن يقضيها مواليد عام ميلادى بالكامل، على غير ما سبقها أو تلاها حيث كانت ومازالت مدة التجنيد لذوى المؤهلات العليا عامًا فقط. لهذا أسرعت فى البحث عن عمل قبل التحاقى مجندًا بالجيش، وعينت فى وظيفة اسمها أفضل كثيرًا من ميزاتها واختصاصاتها.. وهى خبير الغلال فى فرع لبنك الائتمان الزراعى بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، وكان زميلى فى التعيين والمكان السيد محمود دبور، الذى وصل فيما بعد وكيلًا لمجلس الشعب.

انحصر اختصاصى فى أن أمر على شون البنك فى المنطقة، لأسجل أن الموجود بها سليم ومراقب ومحافظ عليه من التلف. واستمر ذلك فترة قصيرة، حدث بعدها خلاف مع مدير الفرع، بسبب مطلب رأيته من حقى وحرصت كل الحرص فى النقاش على أن أظل فى حدود مقتضياته وألا أتعدى بالقول ــ كطبعى دائمًا ــ إلا أنه للأسف تفوه ببعض ألفاظ اعتبرتها مهينة، مما دعانى إلى الاعتراض عليها. ولم يتقبل الرجل ذلك من شاب جديد، فرأيت الاستقالة. وحينما ذهبت إلى المقر الرئيسى للبنك لأقدمها علمت من مدير شئون الموظفين أن مدير الفرع طلب إبعادى عن العمل بالفرع.

حرصت على إيضاح هذه الواقعة لأنه حدث أن جاءنى فى سنة 1989 السيد سيف الدين القبانى مدير الفرع، أى بعد اثنتين وثلاثين سنة. حيث كان مستشارًا لإحدى الشركات، وكنت نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للتخطيط، وأدرك الرجل من أول وهلة، أن من يراه هو ذاته، الذى كان يرأسه منذ أكثر من ثلاثة عقود، وسألنى عما إن كنت عملت أو عمل أخ لى فى بنك الائتمان الزراعى بالمحلة الكبرى، صمتُ قليلًا، لكنه بادرنى، بأنه رأى «ذات حركات اليد وذات الصوت»، واستمر صمتى. المهم، وتم اللقاء بكل تقدير من جانبى، وحمدت الله، على ما بلغته من مكانة، وودعته إلى الخارج. دون إجابة منِّى عن... هل كنت أنا أم لا؟

جندى فى سلاح الإشارة

وفى أبريل سنة 1958، جُندت بسلاح الإشارة. واختلفت تلك الفترة كل الاختلاف عما سبقها أو لحقها، فالحياة المدنية تحفل بالكثير ولكن تختلف فى كل جوانبها عن الحياة العسكرية.

قضيت المدة الأولى، التى يطلق عليها مدة الأساس بسلاح الإشارة، التى تمتد إلى نحو 50 يومًا. أقمت خلالها فى خيام تسع كل منها نحو سبعة أو ثمانية أفراد. وشاءت المصادفة أن أقيم فى خيمة كان من بين أفرادها ابن وزير سابق، السيد سليمان غنام، وآخر هو ابن السيد حافظ عفيفى رئيس الديوان الملكى قبل الثورة، وغيرهما أذكرهم جميعًا بالتقدير. إلا أن الشاويش الصارم طمام الذى تولى أمرنا.. كان تقديره وثقته أقل فيمن ينتمون إلى مثل هذه الفئة، فأطلق عليهم «العساكر الدلوعة». ورغم أنى كنت معهم وحسبوا على أو حسبت عليهم، ورغم ذلك إلا أن النظرة والمعاملة اختلفتا.

بعد مدة الأساس وزّعونا على الأسلحة المختلفة أو الجهات التى لها علاقة بالجيش، فكنت من الموزعين على الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، الذى كان يقع فى شارع التحرير بالدقى فى عمارتين كبيرتين.

كان به عدد كبير من الضباط وصف الضباط والعساكر، رأسه فى ذلك الوقت اللواء أمين الشريف، الذى نقل بعد فترة قصيرة إلى أسوان، ليكون ضمن الكتيبة التى تعمل فى بناء السد العالى، مديرًا للشئون الإدارية. وحل محله نائبه آنذاك العميد جمال عسكر، وكان رجلا مهيب الطلعة والمظهر، صارمًا وحازمًا مع كل من يعمل معه. كنّا نخشاه ونخافه فى حركته وسكونه وخاصة عند قيامه بالتفتيش الدورى.

الفريق. كمال عسكر

• فى فترة التجنيد كنت أخشى من القائد «العميد عسكر».. ودارت الأيام وأصبحت رئيسه فى «التعبئة والإحصاء» بعدما صار «فريقًا»

رئيس لرؤسائى!

يصح هنا أن أقف عند أمرين، الأمر الأول يتعلق بالعميد جمال عسكر الذى حصل فيما بعد على رتبة فريق ورئيس الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، والذى تكرر معه بعد ثلاثين عامًا من تجنيدى أى فى سنة 1988 موقف مشابه ـ مع الفارق ـ لما حدث مع السيد سيف الدين القبانى، إذ صدر قرار جمهورى بتبعية الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لوزير التخطيط، وكنت حينذاك نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للتخطيط. جاءنى الفريق جمال عسكر، ليعرض على بعض شئون الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء. ولم أنس أبدًا أنه كان يومًا قائدًا للجهاز، وكنت مجرد جندى بسيط. فظل بالنسبة لى زميلًا احترمته كل الاحترام، رغم ما كنت وما أصبحت عليه. هذا سلوك تفضل الله على به، وطبعت عليه طوال عمرى.

كنت أيضًا موظفًا بوزارة التخطيط، وعندما أصبحت رئيسًا للوزراء قابلنى الكثير من الزملاء الذين كانوا فى يوم ما رؤسائى، ومرت الأيام لأكون رئيسًا لهم. كنت أتعامل معهم بذات الطريقة التى تعاملت بها معهم من قبل... الحب والاحترام والتقدير، هذا ما حرصت عليه وتمنيت دومًا أن يكون نهجًا عامًّا لكل من علا منصبه... أن يظل خاشعًا يخشى الله.

الأمر الثانى، أنه ظهر إعلان عن منحتين لدراسة الماجستير فى الولايات المتحدة الأمريكية فى الشهور الأخيرة من التجنيد. وتقدمت والدكتور يحيى محيى الدين ـ شقيق السيد زكريا محيى الدين عضو مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الجمهورية ـ لهاتين المنحتين. ووقع الاختيار على كلينا، ولكن قبل السفر بفترة وجيزة، طُلب منّى ما يثبت أداء الخدمة العسكرية، التى لم أكن انتهيت منها بعد. وتقدمت بالتماس لرئيس جهاز التعبئة العامة والإحصاء ليسمح لى بالسفر للدراسة، وطلبت فى المقابل أن أجند عامًا ونصف العام بدلًا من الثلاثة شهور المتبقية، ومع ذلك رُفض الالتماس، فقلت، هذه إرادة الله. وتذكرت أنه لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع.. وتشاء الأقدار بتعويض ما فاتنى إذ مرت بضع سنوات، سافرت بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى مارس عام 1963 فى منحة دراسية للدكتوراه، وحصلت عليها عام 1967.

هذا الأمر أعطانى درسًا ظل معى طوال عملى الوظيفى، هو ألا أسعى إلى منصب أو جاه أو مال، وعلىّ أن أعمل بجد وصدق ووفاء، وأتعامل مع الكل بإخلاص واحترام مع الزملاء والرؤساء والمرءوسين. ثم حينما أحصل على منصب أو مال، فما علىّ إلا أن أحمد الله عليه، وإن لم يأت فشكر الله واجب لأنه لو كان فيه الخير لأتى.

انتهت فترة الخدمة العسكرية، ثم بدأ العمل المدنى بوزارة الزراعة بمصلحة الاقتصاد والإحصاء بقسم التسويق، وكان رئيسى السيد عبد الرحمن موسى. واستمر عملى فى تلك المصلحة شهورًا قليلة، إذ صدر فى أوائل سنة 1960 قرار جمهورى بإنشاء وكالة للتخطيط والمتابعة بكل وزارة لتكون المسئولة، عن إعداد الخطة القومية بدءًا بالخطة الخمسية الأولى 1960 ـ 1965 وكان وزير الزراعة فى ذلك الوقت الدكتور أحمد المحروقى، وكان مدير مكتبه السيد عبد العزيز محيى الدين، الأخ للسيد زكريا محيى الدين.

ووقع الاختيار على قلة، كنت منهم للعمل بمكتب التخطيط والمتابعة بوكالة وزارة الزراعة الملحقة بمكتب الوزير. وبهذا أراد الله لى أن أعمل فى مهنة التخطيط منذ البداية، عندما أُعِّدت الخطة الخمسية الأولى 1960 ـ 1965، بإشراف السيد عبد اللطيف البغدادى نائب رئيس الجمهورية ووزير التخطيط.

الزواج وأمريكا.. والدكتوراه

وفى سبتمبر 1962، تزوجت من السيدة رأفت أبوالذهب فرغلى، السيدة الفاضلة، التى ظلت لى صاحبة وسكنًا وفى قلبى لها مقام علا علوًّا لا يدانيه إلا مقام الأم. جاهدت معى موظفًا بسيطًا بوزارة الزراعة ووزارة التخطيط، فمدرسًا وأستاذًا مساعدًا بمعهد التخطيط القومى، فوكيلًا لوزارة التخطيط، فمحافظًا للوادى الجديد، فمحافظًا لبنى سويف، فنائبًا لوزير التخطيط ومديرًا لمعهد التخطيط، فوزيرًا للتخطيط ونائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للتخطيط، وأخيرًا رئيسًا للوزراء ووزيرًا للتخطيط. ظلت معى نعم الزوجة المحبة الوفية الصابرة والصديقة، والصاحبة ملأت حياتى بالهدوء والرضا، لم تبخل بجهد وعطاء وإخلاص ووفاء.. لها الدور الأول والقدير فى رعاية بناتى والسهر على تربيتهن صغارًا، ورعايتهن وأبنائهن كبارًا دون ملل أو وهن وعلى خير وجه، فكان ولا يزال فضل الله بها علىّ عظيمًا.

أعود إلى بداية سنة 1963، حيث تقرر إيفادى إلى الولايات المتحدة فى مهمة علمية، فلقد أعلنت وزارة التخطيط عن بعثة لدراسة الاقتصاد فى الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه، فزت بها والحمد لله.

سافرت وزوجتى، فى 31 من مارس سنة 1963، حيث بدأت الرحلة من القاهرة مرورًا بلندن وكوبنهاجن وواشنطن لتبلغ غايتها إلى مدينة لا نسينج عاصمة ولاية ميتشجان، حيث جامعة ميتشجان.

• تعلمت ألا أسعى خلف منصب أو مال.. إن جاء فالحمد لله

• وإن لم يأت فشكر الله واجب فلو كان فيه الخير لأتى

ولانسينج مدينة صغيرة، لا يزيد تعداد سكانها على 150 ألف نسمة، تقع الجامعة فى شرقها فيما يطلق عليه إيست لا نسينج. وتعتبر هذه الجامعة فى مجال الاقتصاد، ضمن جامعات القمة العشر فى الولايات المتحدة فى التخصص الذى ذهبت من أجله للحصول على الدكتوراه. ونظام الدراسة بها، نظام الكوارتر أى كل ثلاثة أشهر وهو غير نظام السمستر، كل نصف سنة الشائع بين الجامعات الأخرى فى الولايات المتحدة.

عند وصولى، كان على أن أذهب إلى المشرف العام، الذى اختير لى خلال فترة الدراسة، وكان أستاذًا فاضلًا هو الأستاذ الدكتور لورانس ويت، وحددت معه المواد التى أدرسها كل ثلاثة شهور. ورغم أن العادة جرت على قصرها على ثلاث مواد، إلا أننى حرصت على أن أختار أربع أو خمس مواد فى بعض الفترات (ثلاثة شهور) لأتمكن من الانتهاء من الدراسة فى أسرع وقت والعودة إلى بلدى. ولذلك تجاوزت الدراسة شهور الشتاء والربيع والخريف، إلى فترة الصيف، التى غالبًا ما يترك خلالها الطلبة الجامعة للذهاب إلى الجنوب، للعمل وكسب بعض الأموال، ثم العودة بعدها ومعهم ما يعينهم على مواجهة تكاليف المعيشة ورسوم الجامعة.

عند تحديد المواد التى درستها خلال السنوات اللازمة للتأهيل لإعداد رسالة الدكتوراه، طلبت من المشرف أن أُحَصل قدرًا زائدًا من مواد إضافية فى الاقتصاد والإحصاء لتساعدنى على إعداد الرسالة وتدعمنى فى تخصصى فى مجال الاقتصاد. حددت بعض المواد التى تدرس فى مستوى الكليات وليست فى المستوى فوق الجامعى، وكانت هذه المواد مشابهة لما يدرس فى كليات التجارة أو الاقتصاد والعلوم السياسية فى مصر. وكان على أن أحضر هذه المواد مع شباب أقل من سنّى بعشر سنوات تقريبًا، فهم فى أعمار تسعة عشر أو عشرين سنة وكنت فى الثلاثين.

• حكيت لأصدقائى فى مصر ما قيل فى أمريكا عن هزيمتنا .. فنصحنى أحدهم: لا تتكلم عن الحرب فـ«الأجهزة» علمت ما قلته

• اكتشفت «فى جامعة ميتشجان أن مدرس الإحصاء» إسرائيلى .. فشعرت بالقق وطلبت تأجيل المادة

مدرس الإحصاء «إسرائيلى»!

وفى مادة الإحصاء كان أستاذ الإحصاء، شابًّا فى مقتبل العمر، وكان من عادة أى من الأساتذة فى الحصة الأولى قراءة الأسماء للتعرف على الطلبة، الذين لم يتجاوز عددهم فى العادة عشرين طالبًا، وقال هل اسمك اَلجنزورى بفتح الألف ـ أو اِلجنزورى بكسر الألف، قلت له ما الفارق، قال حين أعلم هذا أعرف من أين أتيت، إذا بدأ الجنزورى بحرف (A) مثل الراوى فأنت من العراق، أما إن بدأ بحرف (E) فأنت من مصر.

هذا الأمر أقلقنى. وحين انتهى الدرس، سألت أحد الطلبة وهو عراقى بالصدفة... من هذا الرجل وما هى جنسيته، قال إنه إسرائيلى، ألم بى القلق لأنى تركت مصر منذ شهور وأحمل فى نفسى الخوف والقلق تجاه هذا الشأن. فشئت ألا تكون البداية بالرسوب فى تلك المادة، وذهبت للمشرف العام لأخبره بتخوفى، طالبًا تأجيل المادة إلى فصل قادم مع أستاذ آخر.

للأسف لم ينصحنى المشرف العام النصيحة الواجبة أو المناسبة إذ بدلا من طمأنتى، ألمح إلى أن الأمر يتعدى اختصاصه إلى عميد الكلية أو مدير الجامعة للبت فيه. سألت الزملاء فقالوا، إن مقابلة مدير الجامعة ليست بالأمر الصعب أو العسير.

ذهبت إلى سكرتارية مدير الجامعة، التى حددت لى موعدًا وقابلته. وشرحت له الأمر فابتسم وقال يا بنى هذا حقك أن تخاف وحقك أن تترك الجامعة وتعود لبلدك، وإن بقيت فإن الخوف سيصاحبك فى أى مكان آخر فى الولايات المتحدة، خاصة وأننى لن أمنحك توصية للالتحاق بجامعة أخرى، ولهذا فأنت بين أحد خيارين لا ثالث لهما، أن تستمر فى هذه المادة مع هذا الأستاذ، أو تعود لبلدك. لم أجد مخرجًا وامتثلت للاستمرار فى الدراسة وسهرت واستكملت هذه المادة مع ذلك الأستاذ، وعندما انتهت وأديت الامتحان، حصلت على الدرجة النهائية، فذهبت إليه كمصرى وعربى، لأشكره على حصولى على الدرجة النهائية، فابتسم قائلًا لقد أجبت إجابة ممتازة فلماذا الشكر.

سارت الدراسة بعدها على نمط واحد، أذهب صباحًا إلى الجامعة ومساء إلى المكتبة التى تحتوى على قدر هائل من الكتب.

صرتُ والدًا

فى 6 يوليو سنة 1963، استقبلنا ـ زوجتى وأنا ـ المولودة الأولى سوزان. كان الأمر بالنسبة لى صعبًا لأسباب مالية حيث كنت أحصل على راتب شهرى لا يتجاوز 260 دولارًا، وكانت تكلفة السكن مائة دولار تقريبًا، والباقى يكفى بالكاد نفقات المعيشة من المأكل والملبس والعلاج. ومن ثم لم يبق شىء لمواجهة تكلفة الولادة، فذهبت إلى المشرف، الذى أشار علىَّ بأن أذهب إلى مستشفى إسبارو، وهو الأكبر فى هذا البلد، فطمأننى بمعاملتى معاملة المواطن لوجودى بصفة شرعية وهى الدراسة.

ذهبنا إلى المستشفى وعلمت أن دخوله يقتصر على الزوجة دون مرافق أو زيارة. وبعد ثلاثة أيام خرجت زوجتى تاركة طفلتنا سوزى تحت الرعاية ثلاثة أسابيع ـ لأنها ولدت أقل من الوزن الطبيعى مما زاد التكلفة إلى نحو 820 دولارًا. كان مبلغًا كبيرًا فى ذلك الوقت يتجاوز قدرتى ولم يكن لى دخل آخر!

طلبت إدارة المستشفى أن أسجل اسمى ورقمى الجامعى، الذى ما زلت أذكره (359106) رغم مرور أكثر من خمسة عقود، وأعطونى وزوجتى هدية للمولودة الجديدة، على أن ندفع المبلغ بالتقسيط على فترة تصل إلى عام. وخلال تلك الفترة، احتجت بالطبع إلى سيارة باعتبارها أساسية للحياة هنا، واشتريتها ـ ماركة فورد موديل 1958 ـ بمبلغ زهيد نحو مائتى دولار، ولكنها توقفت بعد فترة بسبب الظروف المناخية وسقوط الثلج، مما أثر على صلاحيتها واضطرنى الأمر لشراء سيارة أخرى.

أذكر مثل هذه القصص التى قد تبدو بسيطة، لأبين مدى العناية بالطلبة والتيسير عليهم. وإذا كان الشىء بالشىء يذكر، فإنى أشير إلى أمر آخر وهو الندوات التى تعقدها الجامعة كل شهرين أو ثلاثة على الأكثر، والتى يدعى إليها بعض المفكرين فى مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، وعلى من يرغب من الطلبة حضور تلك الندوات تسديد دولار أو اثنين على الأكثر لإثبات الجدية والاهتمام. وكنت حريصًا كل الحرص على حضورها، لأستزيد من المعرفة عن مجالات تختلف عما أدرس أو أقرأ فى المكتبة، ولأعرف كيف يفكر النخبة، وكيف يحاضرون ويتناقشون، وللتعود على التعامل كطالب مع العلماء والمفكرين الكبار.

حرصت على أن أحضر كل ما نظم من ندوات، ولاحظت أن بعض الأفراد فى القاعة، يتابعون مناقشات الطلبة خاصة من تميز منهم عن غيره فى توجيه الأسئلة وطرح بعض الأفكار الجديدة. كانت تلك اللقاءات مجالا خصبًا لالتقاط من يصلح منهم كنواة لقيادة سياسية فى البرلمان، أو فى العمل الحزبى، أو فى المؤسسات الحاكمة، أو المتصلة بالأداء الاقتصادى أو الاجتماعى.

مهنة السياسة «القذرة»

فى نوفمبر سنة 1963، أغتيل الرئيس جون كنيدى، وكان رئيسًا محبوبًا، وقد لا حظت ذلك مما شاهدته فى كل وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية. وتولى بعده نائبه ليندون جونسون، وأذكر فى يوم توليه أنه خرج ليتحدث على الهواء للصحافة، فتقدم منه أحد الشباب ليقول له أنت Dirty guy (أى أنت رجل قذر). لم أصدق أذنى أو أتصور أن يخاطب رئيس الجمهورية بمثل هذه العبارة، وبهذا الأسلوب بعيدًا عن كل الأخلاقيات، ولكن رد الرئيس الجديد الذى لم يفقد الابتسامة قائلًا: قد تكون على حق فأنا أعمل منذ فترة طويلة فى مهنة قذرة وهى مهنة السياسة، وانتهى الأمر.

ذكرت من قبل أننى حضرت بعض المواد فى بداية الدراسة، وكان معى بعض الطلبة وبينهم من يصغرنى بعدة سنوات. وكانوا عادة ما يتركون الجامعة فى فصل الصيف، إلى ولايات الجنوب كولاية تكساس أو ولاية أريزونا، لمساعدة المزارعين فى جمع الفاكهة خلال فترة شهرين أو ثلاثة على الأكثر، يحصلون خلالها على نحو ألف دولار لمواجهة تكلفة الدراسة والمعيشة عند عودتهم إلى الجامعة.

حفيد هنرى فورد

ولكن كان عجبى أن شابًّا يدعى فورد لم يبلغ العشرين من عمره، كان من بين من درس معى مادة أو اثنتين، وعلمت أنه حفيد هنرى فورد صاحب المصانع الكبرى للسيارات، وعندما قابلته بعد العودة من تكساس سألته لماذا تذهب إلى الجنوب، فقال لأجمع بعض المال، فسألته ولماذا لا تلجأ إلى أبيك أو جدك، قال لا لابد أن أعتمد على نفسى، وفيما بعد ربما أرث ما تبقى من هذا المال الكثير، وهذا ما اتبعه أبى وجدى وجد أبى من قبل ... لابد أن نعتمد على أنفسنا وبما يدعم الشخصية فى مسلكها فى دروب الحياة. قد لا نسلك أو نعتاد مثل هذا الأمر فى حياتنا الشرقية، ولكن ذلك ينشئ فردًا معتمدًا على نفسه.

جمعية المصريين فى أمريكا

لا أنسى أنه فى نهاية العام الأول، رأت الحكومة المصرية أن تشكل ما يسمى بجمعية المصريين فى الولايات المتحدة، وكان المستشار الثقافى حينذاك، الدكتور مصطفى طلبة، الذى عمل وكيلًا لوزارة التعليم العالى فيما بعد، ثم رئيسًا لمنظمة البيئة التابعة لهيئة الأمم لسنوات طويلة. كنا فى تلك الفترة ما يقرب من ألف وخمسمائة مصرى، يدرسون فى الولايات المختلفة للحصول على درجة الدكتوراه. وتم عن طريق الانتخاب اختيار سبعة لتمثيل كل الولايات، ورغم أنى كنت حديث العهد فى الولايات المتحدة، إذ لم يتجاوز وجودى العام، فقد فزت عن منطقة شمال شرق الولايات المتحدة، وفاز آخرون معى أذكر منهم الدكتور سعد الدين إبراهيم، والدكتور محمد عبدالهادى الذى عمل فيما بعد رئيسًا لهيئة الاستشعار عن بعد، والدكتور أسامة الباز الذى عين مستشارًا قانونيًّا لهذه الجمعية. غير أن اللقاءات كانت محدودة والهدف منها تحقيق تواصل المواطن المصرى أو الدارس المصرى فى أمريكا مع ما يدور فى مصر. عمومًا لم تعش هذه الجمعية طويلًا، ولم تحقق ما استهدفته من ربط الطلبة المصريين فى الولايات المتحدة مع ما يدور فى مصر.

وأذكر أيضًا أنه بعد العام الأول، قررت إدارة الكلية تعيينى باحثًا، وأسعدنى هذا الأمر، لأنه زاد من تجربتى الدراسية، بالإضافة إلى منحى أربعمائة دولار شهريًّا، وهو مبلغ كبير فى ذلك الوقت، أى نحو مرة ونصف راتبى الشهرى.

• دفعت لمستشفى أمريكى تكاليف ولادة طفلتى الأولى «بالتقسيط».. وميلاد طفلتى «منى» منحنى إعفاءً من الضرائب

طفلتى منى.. وإعفاء من ضريبة الدخل

مضت الحياة بى على خير ما يرام خلال سنوات الدراسة، وحظيت بمناسبة طيبة أخرى فى 30 ديسمبر سنة 1966، إذ كان على أن أصطحب زوجتى مرة أخرى إلى مستشفى إسبارو، لنستقبل الطفلة الثانية «منى» فى اليوم التالى مباشرة، وهى طفلة جميلة كأختها سوزى. وكما حدث فى المرة الأولى كان المطلوب فقط أن أسجل رقمى فى الجامعة وأدفع بالتقسيط تكاليف المستشفى، لمدة سنة ونصف السنة أو سنتين تنخفض إلى سنة واحدة لغير الطلبة.

وأذكر فى مساء يوم 31 ديسمبر، حينما علم بعض من كان معنا بالمستشفى من الأمريكان بأننا رزقنا بطفلة، قالوا إننا أسرة محظوظة، وهو ما لم يحدث عندما رزقنا بطفلتنا الأولى سوزى، وسألت لماذا هذا الترحيب الذى بلغ حد التصفيق، فتبين أن كل من يولد مساء يوم 31 ديسمبر. تتمتع أسرة الأب والأم بالإعفاء من ضريبة الدخل لمدة خمس سنوات، فابتسمت قائلًا هذا فضل من الله، وتوجهت له بالدعاء أن يوفقنى لأعود خلال شهور إلى بلدى.

 

الدكتوراه... والبكاء

بعد هذا دخلنا فى العام الأخير للدراسة بأمريكا عام 1967، وكان علىّ أن أسرع الخطى للانتهاء من المواد الباقية قبل نهاية شهر مارس من ذاك العام، وفى نفس الوقت أستعد لامتحان فى غاية الأهمية وهو الامتحان الأخير، وإن نجحت فيه تحريريًّا وشفويًّا يحق لى أن أتقدم برسالة الدكتوراه لمناقشتها والتى بدأت فى إعدادها منذ عامين.

انتهيت من المواد وانتهى مارس، وبدأت أعد العدة للامتحان الذى تصادف أن تقرر فى يوم 5 يونيو 1967!! وأديت الامتحان التحريرى ثم الشفوى. وأُعلنت النتيجة فى نهاية اليوم، كنا ثلاثة أجانب وأربعة أمريكان، الأجانب هم النيجيرى جون أبولو الذى أصبح وزيرًا للمالية بنيجيريا فيما بعد، وفرانسس فانجيج أرجنتينى وأصبح وزيرًا للاقتصاد فى بلده فيما بعد، وأنا الثالث. أما الأربعة فأولهم بن ديفيد إسرائيلى وتعمدت ألا أقول أجنبى بل أمريكى شأنه شأن الثلاثة الأمريكان الآخرين.

وكنا فى الجامعة خلال ذلك اليوم، فأعلن نجاحى وجون أبولو وفرانسس فانجيج، ورسوب الأربعة الآخرين الإسرائيلى والأمريكان الثلاثة. سجدت لله حمدًا على بلوغى ما سعيت وجاهدت من أجله منذ خروجى من بلدى مصر وتحقق بفضل الله.

عدت سريعًا إلى منزلى، لأخبر زوجتى وأحتضن طفلتىّ، لكننى فوجئت أن البعض يرقص أمام شقتى والشقة المجاورة، رقصة الدبكة الشهيرة فى بلاد الشام، ولاحظت أن بينهم بن ديفيد الإسرائيلى الذى رسب فى الامتحان.

تركتهم ودخلت إلى شقتى وأغلقت الباب، واستمعت إلى التليفزيون، وكان المذيع هو المعلق الشهير وولتر كرونكايت، يعلن أن الحرب بين إسرائيل والعرب بقيادة مصر، بدأت وانتهت خلال ست ساعات بهزيمة العرب ومصر وانتصار إسرائيل. وأن الجيش المصرى بدأ فى الانسحاب عشوائيًّا، تاركا سيناء.

لم أصدق، فقد تركت مصر، ولدىّ اليقين أنها قادرة على مواجهة إسرائيل، وبكيت كما لم أبك من قبل، ولاحظت أن ابنتى سوزان وزوجتى تبكيان لما بدا علىّ من حزن. وعندما خرجت مرة أخرى وجدت الشبان الإسرائيليين مازالوا يرقصون، وابتعدت عنهم، فسمعت صوتًا يتصاعد عاليًا من بعيد حيث يقيم بعض العرب فى مساكن قريبة هو صوت أم كلثوم، فبدا لى أنه لم يبلغ علمهم بعد نتيجة الحرب. وعندما سمعت شدو أم كلثوم فى تلك اللحظة بكلمات «مصر التى فى خاطرى»، بكيت وبكيت وبقيت نحو خمس ساعات فى الخارج عدت بعدها للمنزل بعد منتصف الليل، بعدما تأكدت أن الإسرائيليين قد غادروا المنطقة.

ومرت الأيام بعد ذلك حزينة كئيبة، حتى اليوم التاسع من يونيو سنة 1967، لأسمع الرئيس عبدالناصر يعلن التنحى، وبدا لى أن كل شىء ضاع، كيف يترك القائد موقعه، هل انتهى كل شىء. نسيت أمر رسالة الدكتوراه التى كان علىّ أن أقدمها خلال أسبوعين أو ثلاثة على الأكثر، وأخذت أتابع ما يقال عن مصر فى كل وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة.

 

القونى فى مجلس الأمن

بعد أيام قليلة شاهدت جلسة لمجلس الأمن على الهواء، وكان مندوب مصر حينذاك لدى هيئة الأمم المتحدة السفير العظيم محمد القونى، الذى وقف يعلن ـ حينما اتخذ المجلس قرارًا بوقف إطلاق النار ـ أن مصر ترفضه بشكل قاطع، مما أشعرنى أننا مازلنا فى موقع يسمح لنا بالدفاع والاستمرار. غير أنه لم تمر إلا دقائق قليلة حتى دخل أحد الأفراد ليعطى السفير القونى ورقة، قرأها ولم يتمكن من الوقوف، وأعلن بصوت خفيض قبول مصر وقف إطلاق النار بدون شروط.

وللأسف وقف أبا إيبان وزير الخارجية الإسرائيلية يجلجل بصوته فى القاعة عن الهزيمة للعرب والنصر لإسرائيل، ويوضح كيف انتصرت إسرائيل، وكيف انهزم العرب، ووصلت به الجرأة والمغالطة، فقال انتصر الحق وانهزم الباطل، وتحقق الأمن والأمان لإسرائيل.

كان يومًا تعيسًا حزينًا لن أنساه أبدًا، فمازلت أذكر يوم 5 يونيو 1967 وسأذكره كدرس مستفاد لابد من الحرص دائمًا ألا يتكرر.

كان علىّ أن أنهى إعداد الرسالة وأقدمها للمناقشة فى الأسبوع الأول من يوليو، وتم ذلك فعلا، وتمت المناقشة فى الوقت المحدد، وحصلت بحمد الله على درجة الدكتوراه، ثم بدأت أعد للعودة إلى مصر.

 

العودة إلى الوطن

وصلنا ميناء الإسكندرية صباح اليوم الثانى من أغسطس 1967، لأجد فى استقبالى والدى وأخوالى وأعمامى وأولاد العم وأولاد الخال.. ولاحظت أول ما لاحظت الشيبة التى تخللت أو علت الشعر وانعكست آثارها على الوجوه. تركنا الميناء واتجهنا بالسيارة إلى القاهرة، انظر من حولى وأمامى فلا أجد ابتسامة على الوجوه.

عدت إلى بلدى الحبيب لأستعيد السعادة، فلم أجدها.. الكل حزين مكتئب. ووصلنا إلى منزلى فى شبرا بالقاهرة مساء، واجتمعت مع الأهل والأصدقاء. ودار النقاش حول ما سمعته عن الحرب فى الخارج، وذكرت ما رأيته خاصة الطريقة التى تم بها الانسحاب، كما أوضحه وزير الخارجية الإسرائيلى فى مجلس الأمن. وانتهت الليلة، وفى الصباح التقيت صديقًا هو زوج أخت أحد رجال الثورة السيد كمال الدين حسين، وقال لى: يا كمال لا داعى أن تتكلم عما دار فى الحرب أو بعد الحرب، إذ نقل ما قلته بالأمس إلى الأجهزة.

شعرت بالألم رغم أن ما قلته كان صدى لما دار خارج مصر، ومن حق الجميع معرفته، فإخفاء الحقائق لا يفيد، ولعله كان من أهم أسباب ما حدث.

 

الشروق المصرية

اخر الأخبار