"كونفدرالية" العمل الفلسطيني

تابعنا على:   10:38 2013-12-10

د.احمد جميل عزم

هناك ملاحظة يسهل التنبه إليها في مؤتمر "قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"، إلى درجة إمكانية القول إنّ هناك هاجسا وتساؤلا ملحّا يجمع عددا متزايدا من الفلسطينيين.ينعقد المؤتمر في الدوحة، بتنظيم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وبحضور كبير، وربما غير مسبوق، من حيث عدد الكتّاب والناشطين الفلسطينيين والمتضامنين العالميين والعرب معهم.الملاحظة هي أنّ هناك مصارحة وشعورا (خصوصا خارج إطار قيادات الفصائل) بأنّ مأزق "مشروع الدولة" على حدود العام 1967، لا يتضمن فقط حالة التعثر في هذا المشروع، ولكن طول التركيز على هذا الخيار بات يُعرقِل ويعقد كثيرا من أوجه العمل الفلسطيني، ويُقصي شرائح متزايدة من الشعب الفلسطيني. يمكنني القول إنني لاحظت تيارا متناميا (بين الباحثين والناشطين، خصوصا من خارج المستوى القيادي في الفصيلين الرئيسيين "فتح" و"حماس") يدعو للخروج من فكرة "الدولة"، إلى التركيز على فكرتي "الشعب" و"الوطن". الأصل في الحركات السياسية والوطنية والقومية، أنّها تتضمن مجموعة من الناس تعرف نفسها، وتعطي ولاءها وانتماءها لهوية ما، وتطالب بتعبير سياسي يأخذ شكل دولة أو "كيان" يعبر عنها. وبهذا المعنى، فإنّ الهوية الوطنية هي العامل الثابت أو المستقل، والتعبير الكياني (الدولة) هي العامل المتغير. أي إنّ الدولة وتجلياتها هي انعكاس وترجمة للهوية والحركة الوطنية. وما ألاحظه، وأعتقد أنّ كثيرا من الكتاب والباحثين والناشطين الفلسطينيين بات يؤمن به بشكل أو بآخر، هو أنّ الدولة في حدود 1967، باتت هي العامل الثابت، ويراد أن تصبح الحركة الوطنية (والهوية) هي المتغير؛ بكلمات أخرى، إعادة تعريف الشعب وهويته بما يتلاءم مع هذه الدولة، ما يعني الإهمال، شبه المطلق، على المستويات الفصائلية والرسمية الفلسطينية، لشرائح مثل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة العام 1948. فالبنى التنظيمية لهذه الفصائل، ومشاريعها السياسية والعملية، لا تتضمن حيزا لهؤلاء. سألتُ في محاضرة الافتتاح أسامة حمدان، القيادي في "حماس"، عن كيفية التوفيق لدى "حماس" بين رفع شعار تحرير كامل فلسطين، وعدم وجود عمل سياسي أو تنظيمي لفصيله، داخل الأراضي المحتلة العام 1948. وأجاب أنّه لا يجب اختزال الشعب الفلسطيني بالفصائل، وأنّ هناك مقاومة وصمودا وعملا من أنواع أخرى في هذه الأراضي. وأعتقد أنّ غالبية "النشطاء" الفلسطينيين تتفق مع حمدان، ولكني أتساءل: في هذه الحال، ألا يجب توفير آلية لسماع صوت هؤلاء، وسماع صوت كل من هو خارج الفصائل، وِفق قاعدة تمثيل مناسبة، وبصيغ خلاقة؟تثير فكرة تمثيل الجميع (بمن فيهم فلسطينيو الأراضي المحتلة العام 1948) قلقا. وسيكون الرد أنّه لا بد من مراعاة خصوصية الوضع. وباعتقادي أنّ هذا لا يحول دون التفكير غير التقليدي؛ بإيجاد حراك قوامه تمثيل لكل الفلسطينيين بلا استثناء أبداً، في أطر موحدة مع مراعاة الخصوصيات. أو كما قال متحدث لبناني: "بوتقة واحدة تجمع (وليس بالضرورة تصهر) أجندات متعددة". تعني الكونفدرالية السماح بدرجة عالية من الخصوصية والاستقلالية ضمن مكونات سياسية متعددة في إطار واحد. وأعتقد أنّ إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة تشكل العمل الفلسطيني على هذا الأساس، أمر ضروري؛ بمعنى أنّ يتجاوز تشكيلٌ جديدٌ للمنظمة "الفصيلين" والفصائل، لتمثيل الناس والمستقلين، وحركات المقاومة الشعبية، وفي كل فلسطين والشتات. ولكن بصيغ قانونية ومؤسسية حذرة، تضمن عدم التخلي عن سماع "كامل الصوت الفلسطيني". على مستوى أقل من منظمة التحرير، لماذا لا تجمع هيئات، مثل اتحادات ونقابات العمال والمهنيين والكتاب ورجال الأعمال والطلبة وغيرهم، كل مكونات العمل الفلسطيني؟ لماذا، مثلا، لا يتباحث الأطباء أو المهندسون أو الكتّاب الفلسطينيون في أجندات مشتركة في كل مكان، تخدم كل الشعب في مجال كل تخصص، بحيث يتشكل نوع من الوحدة التي لا تلغي التعددية؟ فالعودة إلى تعامل الفلسطينيين مع أنفسهم على أنّهم شيء واحد، له معنى استراتيجي في تشكل الحركة السياسية لتعبر عن الهوية الوطنية بدقة، حتى لو تقرر القبول بحلول جزئية ومرحلية وبأولويات (ربما منها دولة في حدود 1967، إذا قرر الشعب هذا)؛ لأنّ ذلك يعني أن لا يُضحى بجزء من الشعب ومستقبله، لصالح أفكار ومشاريع سياسية جزئية.عن الغد الاردنية

اخر الأخبار