اتفاقاً نووياً يطيح بالجامعة العربية

تابعنا على:   14:22 2013-12-09

مروان صباح

بهدوء نابع من تعقل يبتعد قليلاً عن الضجيج الواقع الآن وبالتالي يتيح للمرء الإبصار من موقع سوء التفاهم لا الفهم بعد ما اُسدلت الستائر وأُسقطت الأقنعة بضربة واحدة لا اثنتين ، حيث بات العمل السياسي الدولي يحاك على الطاولة أمام عدسات الكاميرات دون استئذان أو اخذ خاطر لحليف أو تابع قطيع ، وبقرار أمريكي كان مرتقب ، تعيد إدارة اوباما علاقاتها مع إيران الثورة ، القوة الإقليمية ، لا العالمية ، وبحسابات دقيقة من كلا الطرفين ، تُمَّتَ الصفقة بغاية من الحنكة السياسية وفي ظل تشابك يتسم برعونة وتخبط ، إلا أنه يظهر عمق الخصومة التى ترتفع مؤشرها يومياً ، تارةً تُسجل ضمن اختلاف قومي ، وآخر مذهبي ، لكن ، ما نقلته السجادة الحمراء ، تدلل مدى ارتياح من وقف وفوقها عندما اعادوا إيران إلى الحضن الدولي أو بالأحرى إلى بيت الطاعة الأمريكي ، كارهةً ، دون أي مشاكسة يسجلها الإتحاد الروسي ، والملفت ، ليس فقط الانتباه ، بل ، يرّسم الآن دائرة حول فسحة التقييم عما يجري من تبادل للأدوار التى أعادت إيران ، الجمهورية الإسلامية إلى عام 1957 م عندما أُعلن عن اتفاق بين واشنطن وطهران الشاه ، بخصوص الطاقة الذرية تحت برنامج عُرّف في حينها باسم ايزنهاور ، الذرة من أجل السلام ، حيث قام الشاه محمد رضا بإنشاء أول مركز نووي بقدرة 5 ميغاوط والتى غذتها الولايات المتحدة ليس سواها بيورانيوم عالي التخصيب وألحقتها باتفاق يحقق غايات نووية على امتداد الجغرافيا طولاً وعرضاً من خلال بناء محطات عدة تصل ل 23 محطة نووية مع نهاية عام 2000 م ، لم تكن علاقة إيران قبل اتفاق اليوم أفضل حال في عهد رضا البهلوي مع المربع الغربي المسمى بالحلفاء ، إلا بعد ، الغزو البريطاني الروسي عام 1941 م ، لإيران كاملاً ، والذي وضع حد تقارب الشاه رضا بألمانيا عندما اطاح التدخل بالأب ليتيح للابن محمد رضا ، أمريكي الهوا تولي المنصب بعد نفي والده للخارج ، حيث ، أطلق رصاصة الظهر اتجاه هتلر والانتقال للوقوف بصراحة مع الحلفاء في حربهم العالمية الثانية ، وحتى نهاية الحرب أو بعدها بقليل ظلت الأرض الإيرانية مقسمة بين القوات البريطانية التى تمركزت بالجزء الجنوبي مقابل القوات السوفيتية التى بسطت سيطرتها على شمال البلاد ، كونها دخلت بجيوشها من جبهة القوقاز .

اعاد الامام الخميني بعد أن أغلق ابواب المفاعل النووية ، بحجة ، الإسلام يُحرمها ، فتحها تدريجياً ، لكنها شهدت تسارع ونقلات كبيرة بعد غياب الإمام عن المشهد السياسي ، حيث استفادة المؤسسة الإرشادية من سنوات التشابك بين الولايات المتحدة والنظام البعثي في العراق من جهة وأفغانستان والقاعدة من جهة اخرى ، الذي مكنها ايجاد فسحة عريضة في إعادة انتاج القوة العسكرية التى تتمتع بها اليوم مغايراً لما حدث للعرب ، رغم الحصار الخانق ، شهدت المرحلة القصيرة ، تطوير البرنامج النووي بتقنية روسية غامضة النوايا ، لكنها أوفت بالعقود رغم ضخامة الضغوط الدولية التى قادتها الدولة العبرية على وجه الخصوص ، وقد يتقدم سؤال على النحو التالي ، رغم تعتقه ، أليس موافقة إيران ، العودة إلى تخصيب اليورانيوم ب 15 درجة أقل بعد وصولها إلى 20 ميغواط ما هي إلا ، بداية تراجعات يتبعها سلسلة شبيهة من التنازلات ، لكن ، في مواقع أخرى ، الذي عبر عنها التاريخ بعد تسجيله لها عندما قام محمد رضا بحركة براغماتية بنقد تحالفه مع هتلر ألمانيا ، مستبدلاً إياها بعلاقات أكثر وطادةً مع الحلفاء ، مما أدى إلى تغاضي فاضح عن سلوكياته اتجاه الخليج العربي إلى أن وصلت في عام 1971 م ، استيلائه على الجزر الثلاثة للإمارات العربية ، الذي اتاح لإيران اليوم أن تُحّكم قبضتها على دخول وخروج لمضيق هرمز ، دون أن يستفز الولايات المتحدة والغرب ذلك ، تماماً مغايراً ، لما جاء من تعامل ، قاسم ، للعراق عندما تدخل صدام حسين بالكويت عسكرياً وأعلنها تابعة للمحافظة التاسعة عشر ، وفي سياقات الظاهرة الذي انّتجهُ التاريخ من الاستعمارين البريطاني والسوفيتي لإيران ثم الفاصل الذي اتاح للإمبراطورية الأمريكية الصعود بعدئذ ، سعى الغرب على الدوام ضمن تبادل الأقنعة في حفلات تنكرية لا تعرف النوم ، إلى نفخ المربعين وتعزيزهما بنقاط التخاصم عبر قنوات تبدو بالية للمرء ، إلا أن في واقعها ، كما تشير الأحداث المتقطعة ، انها للأسف متأصلة وتتفوق على أي خلاف اخر أو نزاع عند شعوب المنطقة ، ولا تحتاج ، إلا ، كما جاء في التعبير الشعبي المصري ، انكش تولع .

عندما قال شيراك الرئيس الفرنسي الأسبق ، أن العالم لن يتأثر بوجود قنبلة إيرانية إضافية على هذا الكوكب ، كانت رسالة واضحة ، ف ، المسألة ليست أكثر من عمليات ترويضية تحتاج إلى فترة زمنية تعيد توجيه البوصلة إلى الاتجاه المحدد ، استطاعت فعلاً ، بعد أن ظنّ الإيرانيون باستيلائهم على العراق ، ضمن تواطؤ عربي قبل أن يكون أمريكي ، الذي كشف بشكل جليّ عن ملامح اتفاق سري توصلت الاطراف في مساء ليلةُ العيد باتخاذ قرار سياسي بتعليق صدام حسين على حبل المشنقة وإقامة نظام طائفي بديل عن الدكتاتوري ، قائم على القتل والتنكيل وسلب الثروات وتغيير التوازن الديمغرافي من خلال دفع المواطنين إلى الهجرة خوفاً من المجهول ، بأن الانقضاض نحو ما تركه الأمريكي من فتات ، سيكون امتلاكه سهلاً ، دون دفع الفاتورة ، بل تبين أنها فاتورة باهظة الاستحقاق يريدها المستعمر .

القتال الجاري في سوريا منذ ثلاثة سنوات وبعيداً عن التكلفة المجنونة واقتراباً من استقراء بسيط ، لكنه عصي على الخداع ، حين يتورط المربع الايراني ويملأ الفضاء بصيحات ، من النظام السوري مروراً بحزب الله ، إلى المالكي في المنطقة الخضراء ، زاعمين على لسان الغرب ، أنهم باتوا يعترفوا على استحياء وبشكل واضح في الغرف المغلقة بأن القاعدة كتنظيم مسلح ، يسيطر على اليوميات الثورة السورية ، ويزداد وضوحاً لتلك الإرادة الحقيقية للقاعدة بإنشاء الدولة الاسلامية على غرار ما حصل في العراق مع فارق الامكانيات وتدفق الأفراد نحو معركة يعتبرها المنخرط فيها أنها نصرة للشعب المظلوم ، مقابل اعتقاد انقاذي لمربع المقاومة ، كأن الولايات المتحدة ومن يقف إلى جانبيها ، انقسمت إلى جزأين ، تستوعب كلاهما دون تمييز ، رغم أنها ، لا تُفلّت واقعة دون استنكار ، لخطورة الجماعات التى تتبنى فكر أبن تيمية وتفاقمها ، باستثناء التدخل العسكري لحزب الله ، التى تعامت عنه بقصد كما تعامت عن فتح الحدود المجاورة لجغرافية سوريا ، تماماً حصل ذلك في العراق في ظل التواجد الأمريكي ألاستخباراتي الإيراني عندما تصاعد اسم القاعدة ، ليصبح التنظيم دولة داخل الدولة يقابلها دوليات تقودها مثيلة بالتكوين من احزاب شيعية ، مسلحة هي أخرى ، فيما تنهال الاعترافات من الجانب الأمريكي بضرورة القضاء على ارهاب القاعدة وتبرم الاتفاقيات مع المالكي في وقت تأتي نتائجها عكسية ، كأن كل ما يقال أمام الإعلام من تصريحات يُناقض ما يجرى على الأرض ، حيث بات الموت قضية أكثر من عادي ، والعداّد القتل عاجز عن تقديم ارقام صحيحة .

قبول إيران ، الآن توقيع اتفاق بشروط الأمس ، يعنى أمر واحد ، أنها تنازلت عن استحقاقها الإستراتيجي بعد ما تنازل النظام السوري عن قوته التوازنية ، السلاح الكيميائي ، مما يكشف عن حقيقة تحقيق الأهداف الكبرى ، ما هي إلا مناورات السياسية تصب في قنوات قومية بحته ، رغم قدسيتها ، مقابل التمسك بنظام باتت جغرافيته مطاطية ومصيره مجهول ، لهذا ، فضل الجانبين اعتماد اتفاق محدد بفترة زمنية ، تجريبي ، يجرب كل طرف الآخر مدى جديته بتنفيذ بنود الاتفاق ، وعلى تلك الاسس ينتقل الجميع دون العرب إلى اتفاق أشمل ينهي قطيعة دبلوماسية عاشت على مصطلحات متبادلة ، كالاستكبار والشيطان الأكبر ، مقابل الشر وداعم الإرهاب ، وعلى ساحة أخرى ، يراهن الطرف الإيراني للمتغيرات التى يمكن لحزب الله بصحبة كتائب ابو الفضل العباسي احرازها بحسم معركة سوريا ، تماماً ، كما يراهن شريك اليوم عدو البارحة ( الأمريكي ) على استمرار المعارك ، بل ، توسيعها وإحداث انقسامات اعمق بعد ما مهدت الجامعة العربية لذلك من خلال تجميد عضوية النظام السوري دون أن تحرز اسقاطه كما كانت تتوقع الاطراف الراغبة بذلك ، حيث بات يتشكل بهدوء محور عربي اقليمي مضاد للتجمع الخليج اقليمي ، يُبدي بكل صراحة مخاوفه من تفاقم الجماعات المسلحة الاسلامية ، خصوصاً ، داخل الدول التى سقطت انظمتها في السنوات الأربع الأخيرة وتحولت إلى دوائر إستقطابية للفكر الاسلام الجهادي ، تهدد بشكل مباشر أنظمة مترنحة مقطوعة التواصل مع الجماهير ، هذا يقدم باختصار ملامح لتجمعات قد تنشأ في أي لحظة ، يعيد النظر بالجامعة العربية برمتها ، الذي يستدعي في وقت قريب ، وقف قنوات المالية المتدفقة من جهة دون الاخريات ، مازالت قادرة على اسنادها بالوقوف على قدميها المرتكزتيّن لعكاكيز ضربهم السوس منذ زمن بعيد ، لكن ، ينتظر المشهد لأول خلاف جذري يفجرّ المكبوت ، كأنه الإبرة التى تفقأ الدمل لإسقاطها ثم اغلاقها ، حيث ، يُنّجز الخلاف الأخير ، القسمة الكاملة للتجمعات القائمة ويتيح بسلاسة لتلك التى في طور التشكل ، بإعلان استقلاليتها والتبرؤ من جغرافية لم تعد قادرة على تحمل اعبائها وتداعيات كونها أصبحت مياهها الراكدة تُخرجّ ما يفوق من امكانية المعالجة .

وهكذا ، للشرق أوسطي أن يهيأ نفسه وعلى التحديد العربي لاقتلاع أخر مسمار في نعشه بعد صبح قادم لا محالة ، فإيران ، باعتراف الغرب قبل العرب ، استطاعت ان تجد لنفسها مكان تحت الشمس الإمبراطورية الأمريكية ، رغم ثورتها المتأخرة عن ثورة العرب بفارق 27 سنة ، لأنها كانت أكثر جدية في استثمار عائداتها للنفط ، وجعلت جميع امكانياتها تصب في قنوات رفع مكانتها اقليمياً الذي اعطها احترام دولي .

العربي يقف على مفترق طرق للمرة الأخيرة ، إما اعادة انتاج ذاته من خلال نهضة تشمل جميع الأصعدة وبترتيب سريع لمسألة النووي بعيداً عن الردح والبكاء أو ، لعله ، ينتزع ما تبقى من مبدئية وتعويضها بكامل البراغماتية الخالية من أي مبدئية كي يستطيع التأقلم مع المتغيرات القادمة من تحولات جذرية في المواقف ، حيث سيكون العدو حليف والحليف الطبيعي ، عدو .

والسلام