رسالتان عن عرفات بين مانديلا وفريدمان

تابعنا على:   14:03 2013-12-09

توفيق أبو شومر

سيكتب كثيرون عن مناقب الراحِلِين، وأبرزهم  هذه الأيام نيلسون مانديلا ، الذي قضى يوم 6/12/2013 ، وسيقولون عنه:

 إنه بطلُ المقاومة، وبطل الحريات، وعبقريٌ في استقطاب الجماهير، غير أن كثيرين لم يستفيدوا من بطولاته في حياته، ولم يستثمروا إنجازاته، في المناهج التربوية، والثقافة الجماهيرية، والتحليلات السياسية، وهي لا تُعدُّ ولا تُحصى، ليخلدوه ثقافة ووعيا، وليس اسما فقط.

وما أكثر الذين يستخدمون الراحلين سلالمَ، يصعدون فوقها، ليُبرزوا أنفسَهم، ويُعلوا صورَهم في وسائل الإعلام، ويكونُ توظيفُ تراثِ الراحلين في الدراسات والتحليلات، آخرَ همهم ! وما أكثر مَن يستغلون رحيل العظماء، لكي يلفقوا لهم القصص والأحاديث، لكي يشيروا إلى صداقتهم المزعومة مع هؤلاء العظماء!

ها قد بدأتْ موجةُ جديدة من المقالات والتحليلات، بوفاة الزعيم مانديلا، ومما لاحظتُه في فلسطين، أننا عدنا مرةً أخرى، لاستخدام المصطلحات العربية التقليدية الخطابية في تأبين الزعماءِ والراحلين، حتى أنني قرأتُ في سطرين فقط من مقال لكاتبٍ مشهور تعبيراتِ المبالغة  التاليةَ:

" عمَّ الحزنُ فلسطينَ، وظهرتُ الغُصَّةُ على وجوه الناس، وارتسمت الفجيعةُ على الوجوه، بفقدان الزعيم مانديلا"!!

سأظلُّ أحلم، بأن نعثرَ في سيرةِ الأبطال، ما يستحقٌّ أن يوضع ضمن مقررات أبنائنا الدراسية، لنتمكن من إيصال الرسائل النضالية والفكرية والثقافية لهم، فنحن نحتاجُ من العباقرة السالفين، أكثرَ من مجرد  تخليدِ أسمائهم في شوارعنا، فنحن نحتاج إلى تخليد أفكارهم وتراثهم وسيرتهم ونضالهم.

ما أزال أتذكر حادثة عام 2001 للراحل مانديلا، الذي كان يحملُ فلسطين، هَمَّا نضاليا، وواجبا وطنيا على كتفيه، فقد زار فلسطين عام 1999 والتقى الرئيس الراحل ياسر عرفات في غزة، وأثاره مقالٌ قرأه في صحيفة نيويورك تايمز  يوم 27/3/2001  كتبه توماس فريدمان ،وكان مقال فريدمان على شكل رسالةٍ، موجَّهة للزعيم الراحل ياسر عرفات، كتبها فريدمان باسم الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، وقال توماس فيها:

(( عزيزي ياسر، أعرف أنك مشتاقٌ لزيارة واشنطن سريعا، ولكن قبل أن نُحدد لك موعدا، يجب عليك أن تعرف بماذا نفكر، وكيف نبدأ؟

"قال وزير شؤون البرلمان عندك، نبيل عمرو:

نطالب أمريكا أن تلعب دورا نشطا وترعى عملية السلام"

انتبه(نطالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب) !!  أليس ذلك طلبا غريبا، فهو بصيغة الأمر!!

فمنذ ستة شهور، حاول كلينتون أن يجمعك مع إيهود باراك في كامب ديفيد، وعرض عليك عرضا سخيا، نصف القدس، مع دولة فلسطينية، وتبادل أراض، ولكنك رفضت ، ولم تقل شكرا لكلينتون، لأن هذا الاتفاق، لا يضمن عودة ملايين اللاجئين الفلسطينيين ، ممن هاجروا عام 1948 ،ليعودوا إلى إسرائيل,,, !!

واليوم يتجرأ وزيرُك أن (يُطالب) !! أمريكا بأن تلعب دورا في مفاوضات السلام!!!!

أنا يا ياسر أوافق، ولكن بعد أن أقول لك الحقيقة:

لقد أخطأتَ عندما اعطيتَ الضوءَ الأخضر ،لانتفاضة ثانية ضد إسرائيل.

انظر ماذا حلَّ بك اليوم، لقد فقدتَ مصداقيتك، فها أنتَ قد أحضرتَ شارون اليميني المتطرف للحكم بأغلبية كبيرة، وساعدت في هزيمة اليسار الإسرائيلي، وما تزال تطالب أمريكا بأن يكون لها دورٌ في عملية السلام؟!!

يا ياسر... سأظل متمسكا بالدبلوماسية السياسية في الشرق الوسط، ولكن ليس على مذهب كلينتون!!

إذا رغبتَ في دولة، وأن نساعدك في تخفيف الاحتلال عام 1967، فيمكننا أن نفعل ذلك، أما إذا أردتَ أن تعود إلى عام 1948 ، فلن نساعدك.

وكذلك إذا أردتَ أن تُلغيَ وعدَ بلفور عام 1917 الذي نصَّ على تأسيس دولة حضارية ديمقراطية  فسوف نقف ضدك!!

يا ياسر: عندما تحدد موقفك، اتصل بي تليفونيا!!)) انتهت رسالة فريدمان

كانت ردود معظم السياسيين الفلسطينيين على هذا الخطاب -في الغالب- ردودا خطابية بحتة، تتضمن الشجب والاستنكار  ورفض التحيز الأمريكي، ومحاباة إسرائيل، والخضوع لأوامر اللوبي اليهودي في أمريكا، ولم أقرأ ردا، أبلغ من الرد الذي كتبه نيلسون مانديلا على توماس فريدمان، بالنيابة عن الرئيس الراحل ياسر عرفات. كتب نيلسون مانديلا يردُّ على توماس فريدمان:

(( عزيزي توماس، حاربتُ عنصريةَ البيض، وهيمنةَ السود، لأنني أعتنقُ الديمقراطيةَ والحرية والعدالة الاجتماعية، حيث نعيشُ جميعُنا متساوين، لأجل ذلك أنا مستعدٌ لتقديم حياتي ثمنا لهذه المبادئ.

 كان يجب عليك يا توماس، عندما تتحدثُ عن وجهة نظر إسرائيل، أن تعلمَ كيف تبدأ، فمشكلة فلسطين لم تبدأ عام 1967 ،كما ورد في رسالتك إلى ياسر عرفات، إن مشكلة فلسطين، ليست مشكلة احتلال عسكري جرى عام 1967 ، وإسرائيل ليست دولة طبيعية أُسِّست  كالدول الأخرى ، ثم قامت باحتلال دولة أخرى، عام 1967، كما أن الفلسطينيين لا يناضلون لإنشاء دولة، ولكنهم يناضلون لأجل، الحرية والاستقلال والمساواة، مثلما ناضلنا، نحن، في جنوب إفريقية.

تذكَّر يا توماس، أن إسرائيل في عهد حزب العمل[ الذي تبكي على هزيمته في الانتخابات] لم ينسحب من المناطق المحتلة، عام 1967، ولم يُفكك المستوطنات، وظلت القدس تحت سيطرة إسرائيل، ولم تكن هناك دولة فلسطينية مستقلة، بل ظلت فلسطين تحت الاحتلال، وبقي الاحتلال، في البر، والبحر، والجو في عهد حزب العمل.

إسرائيل يا توماس لا تسعى إلا إلى الانفصال، لتبقى دولة يهودية، بدون الأقلية الفلسطينية، فإسرائيل تخشى أن تتحول هذه الأقلية، إلى أغلبية في السنوات القادمة، لتصبح أكثرية في المستقبل، وتحل محلها، كما ان هذه الأكثرية الفلسطينية، يمكن أن تصبح دولة علمانية ديمقراطية، أو ثنائية القومية، وهذا سيزعج إسرائيل.

إذا تابعتَ يا توماس استطلاعات الرأي في إسرائيل، خلال ثلاثين أو أربعين عاما ، فإنك لا تجد سوى العنصرية، وأبرز شعارات هذه العنصرية: (أنا اكره العربَ وأتمنى موتهم)

 أما إذا تابعتَ المنظومة القضائية في إسرائيل، فإنك ستجدها تمارس التمييز، ضد الفلسطينيين، فهناك نظامان قضائيان ، أحدهما للفلسطينيين، والآخر للإسرائيليين، كما أن القضاء، لا يعترف بأرض يملكها الفلسطينيون، بل يقوم بمصادرتها.

أما غزة والضفة، فهما بانتوستانات عرقية، وهذه سياسة متجذرة في النظام العنصري في إسرائيل.

الدولة الفلسطينية ليست منحة من إسرائيل، كما أن يهودية إسرائيل، لا يمكن أن تكون على حساب سلب حقوق غير اليهود. فالفلسطينيون العرب، لا مكان لهم في الدولة اليهودية، كما أن التمييز العنصري جريمة ضد الإنسانية.

لقد جردتْ إسرائيلُ ملايينَ الفلسطينيين  من ممتلكاتهم وحرياتهم، وكرَّستْ التمييزَ  وعدم المساواة، وهي اليوم، تقوم بتعذيب أجيال الفلسطينيين، غير عابئةٍ بقوانين الأمم المتحدة، فهي تشنُّ حربا ضد أطفالهم.

لن أتخلى يا توماس عن قضية الشرق الأوسط، فإذا أردتَ السلامَ والديمقراطية، سأساعدُك في جهودك، أما إذا أردتَ ترسيخ المعازل العنصرية، فلن أكونَ معك.

 وإذا رغبتَ في دعم التمييز العنصري، والتطهير العرقي، فسأقف ضدك.

عندما تكون يا توماس جاهزا، لتحدد موقفك ومسارك، اتصل بي هاتفيا!!) انتهت رسالة مانديلا

أخيرا كتب الصحفي ستيف لند، في صحيفة جورسلم بوست، يوم 6/12/2013 يتذكر آخر لقاء صحفي، مع مانديلا يوم 19/10/1999  وكان اللقاء مع وزير الخارجية الإسرائيلي، دافيد ليفي  في إسرائيل. سأله الصحفيون:

 

لماذا قررت زيارة إسرائيل؟

قال:  "إسرائيل كانت تتعاون مع النظام  العنصري في جنوب إفريقية، وأنا اليوم أعقد صلحا، مع من ذبحوا قومي كالحيوانات.

 صحيح أن إسرائيل دعمتْ النظام العنصري، ولكنها لم تشترك فعليا في قتل شعبي. وأنا سأظل أعارض احتلال إسرائيل لأرض الفلسطينيين ، وأطالب بإرجاع الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة ، كما فعلت مع مصر ، لأجل السلام، فالسلام لا يعني إلا الانسحاب الكامل".

اخر الأخبار