ليلة فجرها إنتفاضة

تابعنا على:   04:46 2013-12-09

حسن حسين الوالي

 

في 29 أكتوبر 1987م شهدت جامعة بيت لحم مواجهات عنيفة خضناها ضد قوات الإحتلال في ذكرى مذبحة كفر قاسم و إستشهد الشهيد / إسحاق أبو سرور من مخيم عايدة وعلى أثرها أغلقت قوات الإحتلال الجامعة لمدة 3 شهور هي فترة طويلة ووقت ثمين فعدت إلى غزة وحاولت أن أستغل هذا الوقت في العمل لتوفير جزء من مصاريف الجامعة لإعانة والدى رحمة الله عليه .عملت في مذبحة ضخمة للطيور " هود أفاز" وتعني العبرية " الحبش والأوز " .. متواجدة في منطقة القسطينة المحتلة من أراضى و طننا السليب ..مازالت تلك اللحظات والمشاهد لتلك الليلة محفورة بذاكرتي بكل تفاصيلها ودقائقها , في جوف الليل وبين أنوار السيارات الكاشفة المارقة حيناً والمتزاحمة أحياناً ..على طريق العودة إلى قطاع غزة وقبل الوصول إلى حاجز " إيرز" كنت مستلقي في الكرسى الخلفي لسيارة " البيجو " مع أربع أخرين بالإضافة إلى السائق الخامس .. ما كان يلفت إنتباهي بأن سائق السيارة كان مهتم بسيارته من ناحية المظهر والكماليات مما يمنح الإنسان إحساس رائع بالراحة يعينه على الخروج من حالة التعب و الإرهاق المتراكم عبر يوم شاق من العمل ...لم يكن في رحلة عودتنا على طريق المجدل دير سنيد بيت حانون أي شيئ غير عادي فالمشهد نفس المشهد المتكرر لهؤلاء المعذبين العائدين من شقاء العمل إلى شقاء التزاحم على دور المرور عبر حاجز " إيرز " ليتسني لهم فرصة الجلوس مع اولادهم إذا أكرمهم الله بان يصلوا البيت وهم مستيقظون ...و قبل الوصول للحاجز بحوالي 3 كيلو متر عند جسر " دير سنيد " بدأ يتضح بأن هناك شيئ غير عادي يحدث على " الحاجز" فهناك عملية تسهيل غير معتادة لعملية مرور السيارات خلال المعبر , علامات إستفهام كبيرة حاولنا أن نجد عليها إجابة في النظر حولنا في وجوه جنود الإحتلال الذين كانوا بعصبية و نزق يشيروا للسيارات بالمرور السريع ولكن لم نتمكن من الحصول على إجابات .. بعد مغادرة المعبر كان يقف شرطي مرور كنا نمقته كظاهرة عامة تتعلق بموقفنا من الشباب الفلسطيني الذي بعمل في الشرطة في ظل وجود الإحتلال ونمقته كشخص كان بذيق السائقين والناس ويلات سطوته و جبروته .. ولكن اليوم هناك شيئ غير طبيعي إستثنائي جعل ذلك الشرطي بتخلى عن عادته في التضييق على الناس بحيث أخذ بساعد السيارات على المرور ويحول خط سيرها بإتجاه الشرق لتسلك طريق العودة عبر مدينة بيت حانون بدل أن تظل مباشرة على طريق صلاح الدين الذي كان مغلق أمام السيارات بحاجز للجيش والشرطة ...إنعطفت سيارتنا تجاه الشرق ولكن ظلت عيوننا معلقة ناحية الغرب حيث كان يظهر على شارع صلاح الدين تجمع للأنوار الكاشفة لسيارات عديدة وجلبة و انوار حمراء لسيارات الإسعاف و زرقاء لسيارات الشرطة وخضراء لسيارات الجيش تومض لتملأ السماء بمشهد مهيب بدلل على هناك أمر غير عادي حصل ...لما أكد أنهي طعام العشاء في المنزل فإذا بأصوات التكبير و هتافات " بالروح بالدم نفديك يا شهيد " تعلو في أجواء المخيم فعلى الفور تركت عشائي وخرجت إلى الشارع الرئيسي " شارع الترنس" الحركة في الشارع كانت حركة متعارف عليها عندنا " حركة على المركز" والتي فيها يندفع كل المخيم نحو مركز جيش الإحتلال بطوفان بشري نمارس فيه المقاومة ...فقد كان سلوكنا اليومي تجاه هذا القدرينبع من تربيتنا الدينية والعقائدية وما تشربنا به من التاريخ وحكايا الجدة والأم عن أبطال نتخيلهم عمالقة يلثمون وجوههم بالكوفية ويحملون "البارودة " أو "الكارلو" لهم المخيم في الليل , وهو لجنود الإحتلال في النهار ،وتشربناه من حالة الرفض العامة والإستنكار لهؤلاء الجنود الراطنين بلغة لا نعرفها وعندما عرفناها لم نستوعبها أو جنود أخرين يرطنون بلغة عربية لم نعتاد عليها لغة حذفت مفردات الكرامة والعزة والإباء منها وأحلت محلها مفردات الخنوع والإستسلام والذل والعمالة .كما وأن هذا السلوك تجذرفينا كحالة طبيعية للدفاع عن الذات المادية والمعنوية تجاه غاصب حاقد إستهدف فينا كل شيئ بيوتاً و أرواحاً وحتى احلام طفولة .على المركز إندفعت متماهي مع ذلك السياق بكل ما يحمل من دلالات إنسانية و تاريخية أو إنفعالية وتجربة ..ثم بعد ذلك وصلت الفكرة بأن هناك "صهيوني" متعصب إرتكب مجزرة بحق مجموعة من العمال العائدين إلى بيوتهم حبث صعد بشاحنته الضخمة على سيارتهم وهي تسير على الطريق قرب معبر "إيرز" ...جريمة فجرت الإحتقان المتراكم في قلوبنا وعقولنا و دمائنا ...فهجمنا على المركز بصورة كانت تأخذ شكل جديد من جميع النواحي التوقيت وكانت ليلة إحتفالية تليق بليلة الإعلان عن الشرارة الأولى للإنتفاضة ،الرصاص في كل مكان في الجو وبين البيوت وفوق الرؤوس والغضب يصرخ ويدوي في كل مكان مع ازيز الرصاص ودوي القنابل وفجأة هدأ كل شيئ كما بدأ ولكنه هدؤ كان ينذر بأن صباح يوم غد لن يكون كأصباح الأيام الماضية نعم نام المخيم محتضناً في صدره الإنتفاضة .وإستيقظ المخيم في الصباح المبكر و أطلق من حنين الماضي وألم الحاضر وأمل المستقبل الطائر الأسطوري ليحلق في سماء العالم معلناً عن ان هناك في في فلسطين "إنتفاضة "...كعادتهم "طلبة المدرارس فيتيان وفتيات .. توجهوا لمدارسهم ليس للتعلم بل للتجمع و الإنطلاق في المواجهات التي إشتعلت في كل أرجاء المخيم وخصوصاً تلك المنطقة المحيطة بمركز الجيش حيث أقيم ... مواجهات حاول أن يقمعها جيش الإحتلال بكل قوة و جلب تعزيزات مما يعرف" بحرس الحدود " " مشمار قفول" أصحاب الصيت السيئ في الشراسة والوقاحة والقمع على مدى سنين من التصدى والقمع لكافة أشكال المقاومة والإحتجاجات لشعبنا في مواجهة الإحتلال الغاصب على أرضنا ...في موقع من مواقع المواجهات سجل المنتفضون إنتصاراً ميدانياً على قوات الجيش الغاصب بحيث أجبروه من شدة المواجهة على الهروب والفرار وترك جيبه العسكرى وعليه سلاح رشاش أتوماتيكي ...ذلك الرشاش الذي لم يسغف الشباب صغر سنهم وقلة تجربتهم ... رغم محاولات عديدة لمحاولة إنتزاعه ... سقط على أثرها الشهيد / حاتم السيسي مضرجاً بدمه الطاهر ... رمال المخيم الطاهرة ...من الناحية الشرقية لشارع "الترنس " كان خشبة النعش على أكتاف مجموعة من الرجال يتهادي عليها جثمان ملفوف بالكوفية السمراء و الهتافات تعلوا في عنان السماء " بسم الله الله أكبر " " بالروح بالدم نفديك يا شهيد " وكل مندفع ككتلة واحدة متوحدة الرجال الغاضبون والكلمات الثائرة وجثمان الشهيد / حاتم السيسي المسجى على أخشاب النعش ... هرولت مسرعاً بتلقائية وبدون تفكير وأنضممت للمشهد وتوحدت مع الحالة و تماهيت مع الجميع و أسندت خشب النعش على كتفي و رأسي لا يكاد يفصله شيئ عن عبق الشهادة التي تفوح من الجسد الطاهر القريب من وجهي ورأسي ...إندفعنا بقوة وبتلقائية في شارع الترنس بإتجاه مقبرة المخيم في منطقة " الفالوجا " وقبل الوصول لها كان علينا ان نجتاز الشارع الملاصق " لمركز الجيش" والذي كان يغص بتعزيزات من " حرس الحدود" ... إندفعنا بعظيمة وإصرار و غضب و تكبير جعل "زعران" حرس الحدود يتقهقروا و يفسحوا لنا الطريق و لا يحتكوا بنا ..حتى وصلنا مقبرة المخيم ... لنواري جثمان الشهيد تحت الثرى بذرة مباركة لشجرة مباركة إسمها الإنتفاضة ...

 

اخر الأخبار