الموقف الأميركي .. والتحولات في مصر

تابعنا على:   09:50 2013-12-07

حسين عطوي

لا تزال التطورات الحاصلة في مصر، تستقطب الاهتمام لما لها من انعكاسات على توازنات القوى في المنطقة والعالم.

والجديد اللافت في هذا الإطار:

ـ إعلان وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن الإخوان المسلمين سرقوا الثورة المصرية، وأن الجيش المصري أعاد الديمقراطية .

ـ إقدام القاهرة على طرد سفير تركيا بعد استمرار أنقرة في تدخلاتها في شؤون مصر الداخلية .

ـ الهجوم الإرهابي الجديد على الجيش المصري في سيناء، والذي أسفر عن استشهاد نحو 11 جندياً.

وتعكس هذه التطورات دلالات عديدة بشأن التحول في الموقف الأميركي وخلفياته من ناحية، وترسخ الاتجاه الجديد في السياسة المصرية القائمة على ترسيخ نهج استقلالي بعيدا عن التبعية للغرب ورفض التدخل الخارجي في شؤون مصر الداخلية، والحزم في مواجهة الاخوان والجماعات الارهابية التكفيرية من ناحية ثانية.

خلفية التحول في الموقف الأميركي

يعبر اتهام كيري للإخوان، بسرقة الثورة، عن دلالات غاية في الأهمية، فهو يشكل لأول مرة تحولا في الموقف الأميركي تجسد في رفع للغطاء عن الإخوان وتأييد صريح لموقف الجيش المصري في المسار الذي اتخذه في الوقوف الى جانب ثورة 30 يونيو، وما يعنيه ذلك من اعتراف رسمي بالحكم الانتقالي، ويعكس التحول وصول واشنطن إلى قناعة بفشل المراهنة على الإخوان في عرقلة التحول الحاصل في مصر، وأن الاستمرار في سياسة ركوب الرأس سيقود إلى خسارة العلاقة مع القاهرة، ودفع الأخيرة نحو توطيد علاقاتها مع روسيا، خاصة بعد أن انزعجت اميركا كثيراً من مشهد زيارة وزيري الخارجية والدفاع الروسيين إلى القاهرة واجتماعهما مع نظيريهما المصريين وتوقيع اتفاقيات ثنائية تضمنت صفقة سلاح روسية لمصر، وتجديد التعاون العسكري بين البلدين، ما اشر الى عودة النفوذ الروسي إلى مصر، وتراجع النفوذ الأميركي، ولان أميركا براغماتية، ولا تريد تكرار سلوكها الاستفزازي مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قررت الاستدارة قليلاً وتغيير لغتها في التعامل مع مصر.

لكن هل يعيد موقف كيري الجديد الدفء إلى العلاقات المصرية ــ الاميركية؟.

جميع المعطيات تؤشر إلى أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن لن تعود إلى ما كانت عليه في عهد نظام حسني مبارك، أو نظام الإخوان، لان مصر تشهد تحولاً ثورياً متدرجاً في سياساتها، وهذا التحول ينبع من إرادة شعبية تعبر عنها السلطة الجديدة المنبثقة عن ثورة 30 يونيو، والتي عكست موقفا رافضاً وبقوة للسياسة الاميركية الداعمة للإخوان، ودعوة لإنهاء عقود التبعية لأميركا.

غير أن ذلك لن يقود بالمقابل إلى قطيعة في العلاقات المصرية ــ الاميركية طالما أن واشنطن تحترم سيادة واستقلال مصر وخياراتها السياسية، خاصة وأن مصر تسعى إلى تكريس هذه القاعدة في علاقاتها الدولية التي تقوم على قاعدة المصالح التي تتنافى ومنطق الهيمنة والتبعية الذي يحكم سلوك الولايات المتحدة الاميركية في التعامل مع دول العالم، لذلك لا يتوقع أن تعود العلاقات إلى ما كانت عليه في السابق من دفء وتميز جعل من مصر دولة فاقدة لاستقلالها ودورها العربي ، والإسلامي والإفريقي وبات أمنها القومي مهدداً، ويعني ذلك أن مرحلة العسل في العلاقات الاميركية ــ المصرية قد ولت وبدأت مرحلة جديدة سمتها عودة مصر للتطلع إلى استعادة استقلالها ودورها الذي فقدته في ظل الهيمنة الاميركية عليها ولهذا مصر اليوم باتت على قناعة بأن مواقف كيري الجديدة إنما جاءت تحت الإكراه، بعدما شعرت واشنطن أن سياسة الضغط والابتزاز لم تعد تجدي مع مصر وأن الاستمرار فيها سيقود إلى القطيعة بين البلدين، ودفع القاهرة نحو التحالف مع روسيا وتوطيد علاقاتها اكثر مع دول البريكس، ومثل هذه القناعة تجعل مصر اليوم اكثر إصرارا على نهجها الاستقلالي لأنه يجعلها قادرة على استعادة دورها ومكانتها الإقليمية والدولية، وفي نفس الوقت يضمن لها حماية مصالحها وأمنها القومي، وعدم التطاول على سيادتها وحقوقها.

ويبدو من الواضح أن السياسة المصرية اليوم تعمل على الاتكاء على التوازن الدولي الجديد، وهي تريد أن تقيم علاقات دولية تعزز من هذا التوازن، وفي هذا السياق يمكن إدراج اندفاعها نحو استعادة وتوطيد عرى العلاقات مع روسيا لا سيما وأن هذا الموقف الروسي يتلاقى مع الموقف المصري الداعي إلى احترام استقلال الدول وإقامة علاقات تقوم على التعاون ونبذ الهيمنة، وهو ما يربك الموقف الأميركي الذي يحاول إمساك العصا من الوسط لتحديد الخسائر.

طرد السفير التركي وترسيخ النهج الاستقلالي

ويبدو واضحاً أن قرار مصر طرد السفير التركي إنما يندرج ايضا في سياق ترسيخ النهج الاستقلالي الذي اتخذته، بعد ثورة 30 يونيو برفض استمرار التدخل التركي في شؤون مصر، بعد امعان رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان بالمطالبة بإطلاق سراح الرئيس المعزول محمد مرسي وتوصيف ما حصل بأنه انقلاب وليس ثورة، ومواصلة احتضان اجتماعات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في تركيا.

على أن هذا القرار المصري يشكل في الوقت نفسه صفعة قوية لاردوغان الذي أوغل بعيداً في سياسة المراهنات على الإخوان لاستعادة لقب السلطان العثماني، وحان وقت دفعه ثمن هذه المراهنات التي باتت تقزم من دور تركيا بدلاً من تعزيزه، أو المحافظة عليه، مما يؤشر إلى أن تركيا تتجه إلى مزيد من العزلة في المنطقة طالما استمرت في سياساتها التدخلية والاستفزازية في شؤون الدول العربية، ولم تسارع إلى مراجعة جدية لهذه السياسة وتغير جذريا من لغتها وخطابها، وهو ما يبدو ان حكومة اردوغان قد قررت السير فيه بعد أن لمست التحول في الموقف الاميركي اثر توقيع واشنطن وحلفائها في الدول الغربية الاتفاق مع ايران والذي سلم لها بحق انتاج الطاقة النووية للاغراض السلمية وطي صفحة القطيعة معها وبدأ مرحلة تطبيع العلاقات معها الدبلوماسية والاقتصادية.

الارهاب لن يؤثر على السياسة الجديدة لمصر

لكن هل يؤدي استمرار الهجمات الإرهابية ضد الجيش المصري في سيناء الى التأثير على سياسات مصر الجديدة، خاصة وان هذه الهجمات لا يمكن فصلها عن التطورات السياسية المذكورة أعلاه، فهي تشكل أداة أميركية ــ إسرائيلية لممارسة الضغط المتواصل على قيادة الجيش المصري والحكومة الانتقالية لدفعهما إلى عدم تغيير اتجاه السياسة المصرية بعيداً عن مواصلة الارتباط بالاستراتيجية الأميركية والاسرائيلية، امنيا وسياسياً، وما يؤكد ذلك أن الجماعات التي تسمي نفسها بالجهادية تتواجد بالقرب من الحدود مع فلسطين المحتلة، ومع ذلك لم تقم بعملية واحدة ضد جيش الاحتلال الصهيوني، أو تقتل جنديا إسرائيليا واحدا.

غير أن مثل هذه العمليات الإرهابية باتت تزيد القيادة المصرية الجديدة تصميماً على محاربة الإرهاب والاستمرار في سياسة إخراج مصر من فلك التبعية لأميركا وإسرائيل، وهو ما عكسته مواقفها الحازمة في رفض التدخل الأميركي ــ التركي في الشؤون الداخلية لمصر، ما اشر بوضوح إلى أن ما يجري في سيناء لن يوقف، أو يعيق تنفيذ خارطة الطريق التي اعتمدت بعد ثورة 30 يونيو، الأمر الذي فهمته الإدارة الاميركية جيداً ودفعها إلى تغيير لغة تخاطبها مع مصر.

عن الوطن القطرية

اخر الأخبار