مصـــــر والخليـــج بعد قمـة كامـب ديفيـد

تابعنا على:   13:25 2015-05-26

د. محمد السعيد إدريس

لسنوات طويلة مضت، كنا نردد، ويردد غيرنا مقولة إن «مصر أضحت دولة خليجية» من منظور التشابك الهائل فى المصالح والتهديدات التى أخذت تفرض نفسها على الطرفين المصرى والخليجي، هذه المقولة
وجدت ما يؤكدها ويدعمها من مواقف وممارسات عملية اختبرت مصداقيتها فى أوقات حرجة كثيرة، لكن هذه المقولة شهدت متغيرات مهمة، فى الأعوام الثلاثة الأخيرة التى أعقبت تفجر موجة الثورات والانتفاضات العربية، استطاعت أن تحولها إلى وعى وإدراك استراتيجى من جانب الطرفين. فانتكاسة بعض الثورات العربية (خاصة فى سوريا وليبيا واليمن) وما تولد عنها من موجة جديدة من الاضطراب والعنف السياسى وعدم الاستقرار، إلى جانب البروز الخطير للموجة الإرهابية التكفيرية التى باتت تهدد بقاء الدول العربية بل وبقاء النظام العربى كله فى ظل تماديها فى الدعوة لمشروع «الخلافة الإسلامية» (مشروع «داعش» كبديل للنظام العربي) كل هذا وضع مصر والدول العربية أعضاء مجلس التعاون الخليجى فى صدارة المسئولية لمواجهة هذه التهديدات.
وهكذا أخذت مقولة إن «مصر دولة خليجية» تتحول، بدافع المسئولية المشتركة فى مواجهة هذه المخاطر والتهديدات، إلى طموح يهدف إلى تأسيس «شراكة إستراتيجية مصرية خليجية» عبرت عنها مصر بالدعوة إلى تأسيس «قوة عسكرية عربية مشتركة» تكون مهمتها صيانة الأمن القومى العربى والتصدى لأية تهديدات تواجه الدول العربية، وعبرت عنها دول مجلس التعاون وبالأخص السعودية والإمارات بإعطاء أولوية قصوى لدعم الاقتصاد المصرى اعتقاداً بأن هذا الدعم يعتبر شديد الأهمية لتمكين مصر من استعادة استقرارها أولاً كى تكون قادرة على القيام بأدوارها ومسئولياتها العربية ضمن هذه الشراكة المأمولة مع دول الخليج العربية.
وعلى الرغم من قيام مصر بمسئولياتها فى الإعداد لتأسيس القوة العسكرية المشتركة، التى صدر بها قرار من القمة العربية الدورية السادسة والعشرين (شرم الشيخ مارس 2015) باعتبارها رئيسة الدورة الحالية للقمة، وعلى الرغم من مشاركة مصر فى حرب «عاصفة الحزم» باليمن ضمن تحالف عربى تقوده السعودية، إلا أن الحديث عن «الشركة الإستراتيجية المصرية الخليجية» أخذ يتوارى تدريجياً لأسباب مازالت غير معلنة مقارن بالأولوية التى حظى بها الحديث عن «الشراكة الإستراتيجية الخليجية الأمريكية» عقب إعلان الرئيس الأمريكى باراك أوباما عن عزمه اللقاء مع قادة دول مجلس التعاون الخليجى فى منتجع كامب ديفيد للتباحث حول ملفات مهمة للطرفين تتعلق بالأمن الإقليمى الخليجى والاتفاق النووى الإيرانى مع «مجموعة دول 5+1».
أستطيع أن أقول أن الأولوية والأهمية والاستعدادات الخليجية للقمة الخليجية- الأمريكية التى جرت يومى 13 و14 يونيو الجارى فى واشنطن ثم فى منتجع كامب ديفيد وضعت الشراكة «المصرية- الخليجية» المأمولة فى مفترق طرق، كما وضعت مشروع «القوة العسكرية العربية المشتركة» أيضاً فى مفترق طرق فى ظل أولوية التعويل الخليجى على الدور الأمريكى فى دعم منظومة الأمن الخليجى والطموح بأن تتبنى واشنطن الرؤى والمطالب الخليجية وبالذات احتواء إيران والتعامل معها كمصدر أساسى للتهديد، وفى ظل الطموح الخليجى لتوقيع معاهدة أو اتفاق دفاعى مكتوب بين الولايات المتحدة والدول الخليجية الست تتعهد فيه الولايات المتحدة بضمان أمن واستقرار هذه الدول والتصدى لكل خطر يتهددها على غرار معاهدة حلف شمال الأطلسى «الناتو» حسب ما ذكرته صحيفة «واشنطن تايمز» على لسان «جيد بابين» مساعد وزير الدفاع الأمريكى الأسبق (فى عهد الرئيس جورج بوش) الذى قال إن «قادة السعودية ودول الخليج الأخرى سيحاولون فى هذه القمة السعى للوصول إلى اتفاق على شاكلة مذكرة تفاهم تلتزم الولايات المتحدة بموجبها باحتواء إيران وبيع دول الخليج أسلحة عسكرية نوعية».
هذه المطالب لها معنيان أولهما أن الدول الخليجية وعلى الأخص المملكة العربية السعودية ذهبت إلى واشنطن ولقاء كامب ديفيد من أجل تأسيس «معادلة توازن قوى إقليمية جديدة» بدلاً من معادلة توازن القوى الحالية التى تعمل لصالح إيران، وبالذات بعد نجاح إيران فى التوقيع على «اتفاق إطار» يضع أسس اتفاق طويل المدى لحل أزمة برنامجها النووى من المتوقع أن يعلن قبل 30 يونيو المقبل. السعى السعودى إلى تأسيس معادلة توازن القوى الجديدة من خلال تحقيق التفوق المأمول فى القوة على إيران بالتحالف مع أمريكا وبالحصول على التسليح والتدريب اللازمين هدفه التفوق على إيران إقليمياً ووقف الهجمة الإيرانية على دول المنطقة.
أما المعنى الثانى أن دول الخليج عادت لتعطى كل الأولوية للدور الأمريكى وللتحالف مع أمريكا على حساب طموحات أخرى بديلة جرى التعبير عنها بأن تكون الشراكة الإستراتيجية المصرية الخليجية هى مركز الاهتمام أو الثقل فى بناء الأمن الخليج والأمن القومى العربى وبالذات فى السنوات الثلاث الأخيرة وعلى حساب قناعة خليجية ترسخت خلال تلك السنوات أخذت تشكك فى جدية التزامات أمريكية مسبقة بأمن الدول الخليجية خصوصاً بعد الانحياز الأمريكى لإيران فى العراق وللإخوان فى مصر وعدم مشاركة الدول الخليجية موقفها من الأزمة السورية.
رغم هذا كله تعود الدول الخليجية مجدداً إلى واشنطن أملاً فى التوقيع على معاهدة دفاع مشترك تتعهد فيها الولايات المتحدة بتحمل مسئولية الدفاع عن أمن هذه الدول، وأن تشاركها جهود احتواء إيران والتصدى لمخططات التوسع الإقليمية الإيرانية، والحيلولة دون حدوث تحالف أمريكي- إيرانى ضمن صفقة البرنامج النووى الإيرانى.
أين مصر من هذا كله؟
أهمية طرح هذا السؤال لا تعود فقط إلى الشعور بالإحباط من الانصراف الخليجى عن مركزية التحالف الإستراتيجى مع مصر بل يعود أيضاً بسبب الحقيقة المؤلمة التى انتهى إليها حوار قادة الخليج مع الرئيس الأمريكى لأنهم لم يحصلوا على التحالف الذى أرادوه، ولم ينجحوا فى إقناع أوباما أن يتعامل مع إيران كمصدر للتهديد. فقادة الخليج الذين ذهبوا إلى كامب ديفيد مستهدفين تأسيس تحالف عسكرى أمنى مع الأمريكيين وجدوا الأمريكيين غير متحمسين لتأجيج الصراع بين الخليجيين والإيرانيين بل إنهم يخططون لـ«وفاق قوي» بين حلفائهم الجدد (إيران) والحلفاء القدامى (السعودية والخليج)، وكل ما حصلوا عليه هو وعود بالدفاع عنهم ضد أى اعتداء خارجى على نحو ما حدث مع الكويت عقب الغزو العراقى عام 1990. وإذا كان أوباما قد تحدث عن شراكة جديدة مع دول الخليج فى مؤتمره الصحفى عقب انتهاء لقاء كامب ديفيد فإنه أوضح أيضاً أن «هدف الشراكة الجديدة بين أمريكا ودول الخليج ليس تأييد مواجهة طويلة الأمد مع إيران ولا حتى تهميشها». وزاد على ذلك قوله: أن «إنهاء التوترات فى المنطقة وحل صراعاتها المدمرة سيتطلب حواراً أوسع يشمل إيران وجيرانها بمجلس التعاون الخليجى». وهذا معناه أن دول الخليج مطالبة بأن تتكيف مع هذه الرؤية الأمريكية للدور الإقليمى الإيرانى وللعلاقات المطلوبة بين الدول الخليجية وإيران، أى أن تتحول إلى علاقات «وفاق» بدلاً من علاقات «الصراع».
أحداث وتطورات وأسئلة مهمة فى حاجة إلى مكاشفة ومصارحة من جانب مصر والدول الشقيقة فى الخليج لنعرف كلنا ماذا نريد وإلى أين نتجه ومع من نتحالف وضد من.
عن الاهرام

اخر الأخبار