سقطت ورقة التين - رسالة مفتوحة الى اليسارين العرب

تابعنا على:   02:29 2015-05-25

ماجد م. السهلي

ربما كنت في الخامسة عشرة من عمري او اكبر بسنة عندما وقع بيدي احد الكتب اليسارية اثناء العطلة الصيفية. ولانني مفعما بالقراءة لم ارمه جانبا بسبب النجمة الحمراء على الغلاف الابيض، بل بدأت بقرائته. وبينما انا اتنقل من صفحة الى اخرى كانت الافكار المطروحة فيه تصف حال اسرتي ومجتمعي الذي اعيش فيه.

رويدا رويدا بدأت ابحث عن كتب اليسار الاخرى، وكان ...اصدقائي واقاربي يزويدوني بها باستمرار. وعلى الرغم من ان مكاتب الجبهات اليسارية كانت على مرمى حجر من الاماكن التي كنت اتردد عليها الا انني لم انتسب الى اي منها حتى بعد اكثر من سنة من عملي في المكتب الاعلامي لاحدى الجبهات اليسارية.

في تلك الفترة لم اكن اعرف عن الاشتراكية الا اشتراكية لينين وماركس. لم يكن بالامكان الاعتراف باشتراكية قومية ولا باشتراكية ديمقراطية. كانت الاشتراكية هي ما تمثله دول شرق اوروبا وعلى رأسها الحليف الاكبر الاتحاد السوفيتي.

حتى مبادئ هذه الاشتراكية – رغم اخطائها العديدة - كانت واضحة في تحليلاتها. كنا مع حقوق العمال والفلاحين والكادحين والطبقات المسحوقة في نضالها ضد الظلم والرأسمالية والامبريالية، من هنا ايضا كان نضالنا من اجل تحرير ارضنا واستعادة حقوقنا المغتصبة واقامة دولة العدالة الاجتماعية. ومن هنا كان تحالفنا مع قوى التحرر العربية والعالمية. اي اننا كنا ضد الظلم من اي جهة كان. الا ان الواقع والتاريخ لاحقا اثبتا اننا لم نكن نفهم لا السياسة ولا الدعاية الاعلامية المحيطة بها.

واذا كان العديد من اصدقائي في تلك الفترة قد انضم الى الحركات اليسارية فباعتقادي ان السبب الرئيس في ذلك كانت الموضة السائدة آنذاك. وكان يكفي ان تحفظ عدة جمل من اقوال لينين او ماركس وترددها لتظهر بمظهر المثقف اليساري. اما الايمان الحقيقي بافكار اليسار فلم يظهر الا عند البعض واثبتوا ذلك بثباتهم على افكارهم بعد انتهاء المد اليساري وانتقال الموضة الى الاسلام السياسي. ولعل البعض يفهم مدى دهشتي بعد سنين عندما وجدت معظم اصدقاء تلك الفترة وقد اصبحوا من الملتحين المؤمنين بافكار المرشد او بافكار اية الله. لهذا قلت لهم يومها جملتي التي ابعدت الكثيرين عني بانهم كانوا يحتاجون لينين ليفكرعنهم واصبحوا الان بحاجة الى حسن البنا ليهديهم الطريق. ولكن كل هذا كان تصرفات افراد تأثروا بشكل او باخر بالمجتمع المحيط وبدل ان يغييروه تغيروا معه ولا لوم عليهم.

ما يؤلم حقا هو موقف الحركات والاحزاب التي كانت تدعي اليسارية والشيوعية (قبل ان تصبح اقطاعيات عائلية). فما اريد ان افهمه منهم هو تبرير منطقي يخرج من مبادئ اليسارية لوقوفهم ضد ثورة شعب مع النظام الدكتاتوري الذي نكل بالجميع بما فيهم قواعد وقادة هذه الحركات نفسها. واذا كنت في هذا المكان استثنى الاحزاب المنتمية في سوريا الى ما يسمى الجبهة الوطنية التقدمية لانها جزء من النظام نفسه، فانني اتسائل عن سر صلة الرحم التي لا يمكن قطعها بين من يدعون اليسارية العرب والنظام الدموي السوري.

اذا كانت مبادئ اليسارية الاولى هي الوقوف ضد الظلم فما معنى الوقوف مع النظام الذي قتل ودمر وشرد الملايين ليس من شعبه فقط؟

اذا كانت اليسارية اقرب في افكارها الى افكار حزب البعث منها الى حركة الاخوان المسلمين فقد افهم ذلك، ولكن حزب البعث بافكاره الوحدوية والاشتراكية لم يكن الا شعارات على اليافطات كما كانت شيوعية لينين قبلها. اضف الى ذلك ان البعث بمفهوم الحزب لم يعد موجودا منذ الاستيلاء على السلطة عام 1963 حيث انتقلت السلطة في الواقع الى ايد مجموعة محدودة من العسكريين الذين انقلب عليهم الاسد في سوريا وحسن البكر في العراق ليصبح الحزب اداة بيد الحاكم المطلق.

ثم حتى من المفهوم الفكري اريد ان افهم كيف يبرر هؤلاء المدعون اليسارية تحالفهم مع نظام ايات الله في ايران وهم على دراية كاملة بمشروع ايران ليس الديني، انما السياسي وعلاقاتها المتعددة سواءا مع اسرائيل او "الشيطان الاكبر".

تقول احدى قواعد علم السياسة اذا تقاطع موقفك مع موقف عدوك فراجع موقفك. لهذا لا افهم سر هذا االاصرار على التحالف مع ايران التي لا تختلف بفكرها السياسي عن الاخوان المسلمين كثيرا من وجهة النظر اليسارية.

النظام السوري هو فعلا نظام الممانعة لكن ليس الذي يتحدثون عنه في وسائل الاعلام. النظام السوري هو نظام ممانعة المقاومة وفتح الجبهات. هو نظام ممانعة المقاومة الفلسطينية من الوصول الى الارض الفلسطينية. هو نظام ممانعة الوحدة الفلسطينية، هو نظام ممانعة ادخال الاطعمة والمواد الطبية للابناء الشعب الفلسطيني والسوري المحاصرين في مخيم اليرموك وغيره من المخيمات الفلسطينية في سوريا. هو نظام ممانعة وصول اية مساعدات الى ملايين السوريين المشردين داخل الاراضي السورية. فكيف يمكن لمن يدعي اليسارية ان يساند هذا النظام ضد شعبه وضد الحرية؟

 

لهذا ارجوكم رفاقي السابقين ان تسقطوا ورقة التين عن عوراتكم وان تتخلوا عن ادعائكم اليسارية فكما يتّمكم سقوط الاتحاد السوفيتي سيشردكم سقوط النظام السوري، وهذا الطفل بي الذي تربى في احضان اليسارية ينادي "اصبح الملك عار" وعار عليكم ان تدعوا اليسارية بعد الان.

اخر الأخبار