يوميات مواطن عادي(35)

البسطات الصغيرة... والبسطات الكبيرة!

تابعنا على:   02:59 2015-05-20

نبيل دويكات

حكاية "البسطات" هذه الأيام هي الحكاية التي تطغى على الحدث الداخلي والمحلي. حيث تنهمك العديد من المؤسسات والهيئات الرسمية وغير الرسمية في متابعة موضوع "البسطات"، وخاصة في المدن والتجمعات الكبرى في معظم محافظات الوطن. الشعار العام الذي تندرج تحته مجمل النشطات والفعاليات المرتبطة بالموضوع يقوم على "تنظيم الحياة والشؤون اليومية للمواطنين"، ويتفرع عنه العديد من العناوين الأخرى كإعادة تنظيم حركة المرور داخل المدن، تحسين مستوى النظافة والخدمات، إزالة التعديات المختلفة على الممتلكات والشوارع والساحات العامة.. وغيرها من الفعاليات التي كان أبرز  تجلياتها ومظاهرها الحملة التي تقوم بها الهيئات والأجهزة المختصة لإزالة "البسطات" من الشوارع والأماكن العامة، وخاصة وسط المدن الرئيسية، وإعادة تنظيمها من خلال تجميعها في أماكن مخصصة لهذا الغرض. وما بين مؤيد لذلك ومعارض له يغوص بنا الإعلام المحلي ومواقع التواصل الإجتماعي في تفاصيل كثيرة وعميقة.

إذا أردنا حصر الموضوع في عناوين رئيسية فإنه يمكن ذلك بالإعتماد على وجهتي نظر: ترى الأولى أهمية تنظيم شؤون الحياة اليومية للمواطنين ويشمل ذلك الشوارع وحركة المرور والساحات والأماكن العامة وحفظ الأمن والنظام وغيره باعتبار ذلك مدخل هام من اجل توفير الهدوء والراحة للمواطنين والزوار على حد سواء، وهو أيضا مدخل لفرض هيبة وسيادة القانون والنظام العام، ووقف كل أشكال التعديات والإنتهاكات للممتلكات والنظام العام. أما وجهة النظر الأخرى فترى أن هناك مبالغة كبيرة في موضوع "البسطات"، لإن الحديث والعمل بهذا الإتجاه لا يكفي طالما أنه لم يتم تشخيص ومعالجة جذور ومنابع وجود وإنتشار مثل هذه الظواهر من ناحية، ومن ناحية أخرى طالما أن هناك "تمييز" في تطبيق القانون والنظام.

حتى لا نبقى في العموميات فإنه يمكن تناول مثال واحد فقط يمكن القياس عليه، في باب التعدي على الممتلكات العامة يعتبر  إقامة "بسطة" في شارع أو ساحة أو أي مكان عام هو تعدّي وإنتهاك يتوجب على الجهات المختصة معالجته. كما يعتبر إقامة بناية أو مجمع تجاري أو سكني أو غيره، أو عدم الإلتزام بالشروط والإنظمة والقوانين المتبعة في إقامته أيضا تعدي وإنتهاك للقانون والنظام والممتلكات العامة. أما العرف السائد حاليا في المعالجة فهو إما إزالة "البسطات" أو إعادة تنظيمها في أماكن خاصة بها. وبالنسبة للأبنية فإن النمط السائد حاليا هو التعامل معها كأمر واقع في مقابل معاقبة من قام بفعل الإنتهاك أو التعدي، وفي الغالب تكون العقوبة بفرض غرامة مالية على مالك البناية للهيئة المحلية المعنية. اما النتيجة فهي مختلفة في كلا الحالتين.

في حالة صاحب "البسطة" فان الخيارات المتاحة أمامه هي إما القبول بالواقع والموقع الجديد لبسطته، أو تركها نهائيا والإنضمام الى صفوف جيش العاطلين عن العمل، وهو فعلا جيش حقيقي في ضوء نسب البطالة المعروفة في مجتمعنا. وغني عن القول أن ذلك يشكل التربة الخصبة لكل الأمراض والمشكلات والظواهر الإجتماعية السلبية كالعنف والإنتحار والسرقة وانتشار السلاح وتعاطي أو تجارة المخدرات.. وغيرها من الظواهر. أما في حالة صاحب البناية فإنها تبقى مكانها، متعدية على الشارع أو الممتلكات العامة أو مُنتَهِكة للقوانين والأنظمة"، وتذهب الغرامة المالية الى الخزينة العامة أو الهيئة المحلية، فيما تضاف الغرامة المالية عن المخالفة الى تكلفة البناء التي تنعكس تلقائيا الى إرتفاع على أثمان أو أجور المحلات والمكاتب والشقق السكنية. وفي نفس الوقت تزداد الشوارع والأماكن والساحات العامة ومواقف السيارات ضيقاً على ضيق.

إجمالي القول ان المواطن عموماً يرغب في تحسين ظروف وشروط حياته، وزيادة راحته ورفاهيته في كل الجوانب والمجالات، وربما يحلم المواطن كل لحظة في سياسات تضع هدفها الأول وشعارها الأساسي هو الإنسان، وأن تُكرّس كل الخطط من أجل تطوير  وتحسين مستوى الخدمات في كل جوانب الحياة المختلفة. سياسة "منحازة" للمواطن الإنسان ومدعومة بالنظام والقانون في كل تفاصيلها وجوانبها ومظاهرها وتطبيقاتها. حينها وحينها فقط لن نجد أي مواطن يعترض أو يعارض أية أعمال تهدف الى تحسين مستوى الحياة، او تنظيم شؤون المواطنين والحياة العامة، ولن نجد أي مواطن يلقي نفسه من أعلى بناية او إحراق نفسه او القيام بأي عمل إحتجاجي من أي نوع، لأنه في ذلك الحين سيكون القانون والنظام هو سيد الموقف وسيد الجميع، وهم متساوون أمامه. وبغير ذلك فإننا سنبقى ندور في ذات الحلقة، وكلما "دق الكوز بالجرة" سنبحث عن أصحاب "البسطات" ليكونوا كبش الفداء، وستبقى للعبارة التي كررها رسام الكارتير محمد سباعنه في احدى رسوماته الكاريكاتورية "إتشاطروا على اصحاب البسطات الكبيرة!" معنى ومغزى كبير في الذاكرة الجماعية لقطاع واسع من المواطنين.

اخر الأخبار