وضاعت الانتفاضة الأولى ...

تابعنا على:   23:47 2013-12-05

معمر رمضان

تمر علينا هذه الأيام الذكرى ال26 للانتفاضة الأولى المجيدة التي انفجرت مساء الثامن من كانون الأول ديسمبر عام 1987م في مخيم جباليا وأنا ما ذلت أذكر صباح ذاك اليوم التاسع من ديسمبر وهو اليوم الذي أؤرخ باليوم الأول للانتفاضة حينها نلت شرف المشاركة في الاشتباك الأول مع جنود الاحتلال ذلك الاشتباك الذي سقط فيه الشهيد الأول للانتفاضة المباركة حاتم السيسي والذي رأيته مرأى العين وهو يسقط مدرجاً بدمه ومعه مجموعة كبيرة من الطلبة الثانويين في ساحة الشهداء وسط مخيم جباليا ومازالت في الذاكرة مشهد الجنازة الرمزية الوهمية للشهيد حاتم السيسي والتي كانت عبارة عن جثمان وهمي مسجى على نعش بفكرة عفوية جاءت من بعض الطلبة من ابداع والهام الهي وذلك بعد ان ذاع وانتشر خبر استشهاد حاتم السيسي وهو في طريقه الى المشفى حيث طفنا بالجنازة الوهمية جميع شوارع المخيم من أجل شحذ واستنهاض الهمم وذلك قبيل وصول جثمان الشهيد الى بيت أهله وما هي الا لحظات حتى تحولت تلك الجنازة الوهمية الى مسيرة حاشدة تعد بالآلاف من نساء ورجال وأطفال المخيم والتي كانت سببا في اندلاع مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال في جميع أنحاء المخيم استمرت حتى ساعات متأخرة من الليل حيث اعتبر ذلك اليوم اللبنة الأولى في بنيان انتفاضة الحجارة والتي امتدت الى جميع مدن وقرى ومخيمات الضفة والقطاع حتى اكتمل بنيان الانتفاضة المجيدة ومد في عمرها لسنوات طويلة ابتدع فيها الشعب الفلسطيني مصطلحاً جديداً لكل لغات العالم وهو مصطلح انتفاضة التي أبرزت ظاهرة وتجربة ثورية وسياسية نوعية جديدة غيرت معالم الشرق الأوسط . فيما يعد مفهوم الانتفاضة مفهوماً غريباً لم تعهده المصطلحات السياسية والاعلامية آنذاك ولا تنطبق عليه التعريفات المعهودة في عالم الاعلام والسياسة مثل الثورة والاضراب والانقلاب حيث دخلت كلمة انتفاضة كل لغات العالم وحيث أنها لا تترجم ولا يوجد ما يرادفها في القواميس اللغوية والمصطلحات السياسية فالانتفاضة أصبحت مفهوماً يعبر عن حركة شعبية لشعب موحد بكل قواه وشرائحه وطبقاته ومؤسساته يستخدم بها كافة أشكال وأنواع النضال والمقاومة الشعبية سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية ورغم أن الانتفاضة الأولى لم يحدد لها سقفاً زمنياً لانجاز هدفها الأساسي الا وهو الاستقلال الا أن كان هدفها الميداني هو شل الاحتلال وشل ادارته المدنية ونجحت بذلك حيث فاجأت المؤسسات العسكرية والسياسية الاسرائيلية بما فيها الشاباك والادارة المدنية اللذان كانا يديران الاحتلال الاسرائيلي في المناطق المحتلة حيث لم يتوقعا يوماً أن يقوم الشعب الفلسطيني بهبة بقوة هذه الانتفاضة ، فالانتفاضة حطمت كل أجهزة الاحتلال وجعلته يتخبط من قوة الصدمة التي لم يستطع الافاقة منها حيث فقدت اسرائيل سيطرتها على كل المجتمع الفلسطيني بشتى شرائحه وطبقاته وظاهرة الخنوع والطاعة والاستسلام التي تعود عليها من سكان المناطق المحتلة منذ عام النكسة في ال67 في الضفة والقطاع اندثرت وتلاشت مع استنهاض الحس الوطني الذي فجرته الانتفاضة في الروح الوطنية للفلسطينيين، وحيث تعتبر الانتفاضة الأولى في فئة الثورات التي حققت نجاحاً جزئياً من بين 323 ثورة ما بين عام 1950 الى عام 2006 حسب ما شملته الدراسة حيث طرحت الانتفاضة الأولى بشكل مؤثر أمام الرأي العام العالمي والتي أدت الى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وهي التي مهدت الطريق أمام منظمة التحرير للدخول في مفاوضات مع الجانب الاسرائيلي كما شكلت الانتفاضة مفاجأة أيضاً للقيادة الفلسطينية في الخارج خاصة بعد خروجها من لبنان وانشغالها بخلافاتها الداخلية وحرب المخيمات وتمرغها في ترف وبزخ العيش والعجز في دول عربية بعيدة عن الحدود الفلسطينية حيث نجحت الانتفاضة الأولى في بداياتها في جمع الفصائل الفلسطينية في منظمة التحرير للعمل معاً على الرغم من خلافاتها وكرست ثقافة التنظيم والقيادة الجماعية رغم أن الانتفاضة لم تنجح في وضع استراتيجية للنضال يتفق عليها الجميع والتي تجسدت فيما بعد بالخلافات بين فريقين في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية فريق مال الى متابعة المقاومة واضافة مزيد من الضغوط للحصول على مكاسب للانتفاضة وفريق سعى لاطلاق مفاوضات مبكرة مما أدى الى دخوله في مفاوضات سرية بدون مشاركة القيادات الشعبية وبدون علمها مما أدى الى توجيه ضربة قاسية وقاضية للانتفاضة المجيدة حيث اعتباراً من عام 1990م بدأت الانتفاضة تفقد زخمها وأخذت المشاركة الشعبية تتناقص في ظل ذلك الوقت تصاعدت حدة الخلافات بين القوى الفلسطينية وأصبحت الشغل الشاغل لجميع الفلسطينيين وفي عام 1993م نجحت اسرائيل في تحييد منظمة التحرير وتحويلها الى نظام يهدف الى خدمة مصالحه من خلال اتفاق أوسلو الذي قاد الشعب الفلسطيني والمنطقة بأسرها الى هذا الوضع الفوضوي الذي ماذال سائداً حتى اليوم وضاعت الانتفاضة الأولى المجيدة ووئدت انتفاضة الحجارة وانتهت لأن الظروف الموضوعية التي اندلعت في ظلها لم تمكنها من انجاز أهدافها التي حددتها لنفسها ولكن رغم ذلك سجلت الانتفاضة الأولى في تاريخ الشعب الفلسطيني الساطع تجربة ناجحة اكسبت الشعب الفلسطيني دعماً وتأييداً وتعاطفاً كبيراً في العالم . وضاعت الانتفاضة ولكن أهم هدف تكون قد حققته الانتفاضة هي أنها تحدت اسطورة الجيش الذي لا يقهر وأعطت الفرصة للشعب الفلسطيني في الداخل لقيادة الصراع بعد أن كانت الدفة في خارج البلاد في يد دول أخرى لم يكن ولائها للقضية الفلسطينية .