نتنياهو وهزيمة "المنتصر"

تابعنا على:   11:36 2015-05-16

برهوم جرايسي

يُعد بنيامين نتنياهو، في الحلبة السياسية الإسرائيلية، حالة "خارجة عن المألوف" بين رؤساء الوزراء الإسرائيليين، بعد ديفيد بن غوريون؛ من حيث عدد السنوات والحكومات التي ترأسها حتى الآن، وبالذات صموده في منصبه في أوج حالة عدم استقرار سياسي في العقدين الأخيرين. إلا أن ما بدا انتصارا لنتنياهو في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بات اليوم هزيمة. وبالإمكان القول إنه بدأ في هذه الأيام رقصة الموت السياسي الأخيرة، وأن حكومته الجديدة هي بُرج ورقي انهار لحظة الإعلان عنها، وجلوسه على الركام لن يُعمّر طويلا.
فحينما بادر نتنياهو إلى حل حكومته السابقة، والتوجه إلى انتخابات برلمانية مبكرة، بعد 26 شهرا من سابقتها، كان الأمر مبهما للكثيرين الذين لم يستوعبوا الحاجة إلى هذه الانتخابات. إلا أن نتنياهو ظهر كمن يمسك بالأوراق جيدا داخل حزبه، فتشكلت لائحة انتخابية قريبة جدا مما أراده، واتبع استراتيجية انتخابية شرسة ضد حلفائه الطبيعيين؛ من أحزاب المستوطنين واليمين المتطرف، ونجح في تضخيم قوة "الليكود" بشكل فوق المتوقع، على حساب حلفائه.
في المحصلة، أظهرت نتيجة الانتخابات البرلمانية الأخيرة أن نتنياهو قادر على تشكيل حكومة ثابتة، ترتكز على 67 نائبا من أصل 120 نائبا في الكنيست. وبسبب التناغم السياسي الظاهر بينها، فإن احتمالات أن تبقى حتى الموعد القانوني للانتخابات التالية، خريف العام 2019، هي أكثر من أي حكومة أخرى شكلها. إلا أن نتنياهو اطمأن كثيرا لنتيجة الانتخابات، من دون أن يأخذ بعين الاعتبار تضارب المواقف على صعيد القضايا الداخلية، وحاجة كل واحدة من الكتل البرلمانية إلى التمسك بخط سياسي وحزبي، يضمن لها البقاء على الساحة السياسية لفترة أطول.
وعلى أساس تلك الحسابات، قرر أفيغدور ليبرمان، المقرر الأوحد في حزبه "إسرائيل بيتنا"، عدم الانضمام إلى الحكومة. في حين رأى تحالف أحزاب المستوطنين "البيت اليهودي"، والذي خسر أكبر عدد من المقاعد لصالح نتنياهو في الانتخابات الأخيرة، أن هذا هو الوقت المناسب لبدء عملية تصفية الحساب، وإعادة الاعتبار لهذا التحالف، فابتز نتنياهو بقدر جعله ضعيفا داخل حزبه "الليكود".
كذلك، لم يأخذ نتنياهو بعين الاعتبار وجود من بقدرته التمرد عليه في "الليكود". فقد دأب نتنياهو على تصفية كل من لديه احتمال، ولو صغير، بأن ينافسه على رئاسة الحزب، آنيا أو حتى مستقبلا؛ هذا ما فعله مع ديفيد ليفي، ثم سلفان شالوم قبل سنوات، ومع غدعون ساعر الذي غادر السياسة قبل أقل من عام، وها هو يفعل الأمر ذاته مع غلعاد أردان، الذي حصل على المركز الأول في الانتخابات الداخلية في الحزب، رغم أن شخصية أردان ليست من ذلك الصنف القادر على القيادة. وقرر أردان البقاء خارج حكومة نتنياهو، بعد عدم حصوله على حقيبة وزارية تلائم مكانته في "الليكود"، وهذا بحد ذاته مؤشر إلى أن نتنياهو الضعيف برلمانيا، سيجد نفسه ضعيفا أيضا داخل حزبه.
على مدى سنين، نجح نتنياهو في القفز على الألواح العائمة كي يجتاز الأنهر السياسية. لكنه الآن يبدو وقد وصل إلى المقطع الأكثر هيجانا من بين الأنهر التي اجتازها، ما يجعل الألواح العائمة أكثر اهتزازا. فحتى إن صمد نتنياهو في الأيام الأخيرة، وعرض حكومة جديدة، إلا أن التوقعات تُجمع على أن سقوطه وحكومته بات في المدى المنظور نسبيا.
ليست الأمور شخصية، ومن الخطأ شخصنة السياسة إلى هذا الحد. إلا أن نتنياهو بنهجه هذا، سعى -إلى جانب تحقيق طموحاته الشخصية "كزعيم سياسي"- إلى تجاوز كل الصراعات الداخلية التي تشهدها إسرائيل منذ سنوات، وهي تتأزم من مرحلة إلى أخرى. وهذه الصراعات متعددة الاتجاهات تهدد مستقبل إسرائيل، كما تؤكد سلسلة من الأبحاث والتقارير التي تعدها مؤسسات صهيونية مختلفة. كما تنعكس هذه الصراعات على حالة التشرذم التي يشهدها البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) منذ عقدين من الزمن، ولا يبدو الآن ولا في المستقبل المنظور، أن إسرائيل ستخرج من دوامتها السياسية، لا بل ستتصاعد لتحتدّ أكثر داخل الشارع الإسرائيلي.
عن الغد الاردنية

اخر الأخبار