ارادات مغايرة لوجود الكيان

تابعنا على:   00:55 2015-05-14

محمد جبر الريفي

في الخامس عشر من مايو / أيار من هذا العام 2015 تكون الدولة العبرية قد مر على وجودها فوق الأرض العربية في فلسطين سبع وستين عاماً مشكلة بذلك ظاهرة استعمارية استيطانية خطيرة في المنطقة العربية كثمرة من ثمرات الاستعمار الغربي الكولنيالى في هذا القرن وقد شكلت الدولة العبرية بوجودها العدواني الصارخ فوق الأرض العربية بؤرة توتر حقيقي بحكم كونها جسما غريبا غير متجانس مع نسيج المنطقة التاريخي والحضاري وفي وضع متناقض تماما مع استقرار شعوب المنطقة التي ترفض هذا الوجود الاستيطاني العنصري رفضا تاما متمسكة بالحق التاريخي للأمة العربية في فلسطين وهذا الرفض الشعبي يوجد ما يؤكده الآن على أرض الواقع المعاش حيث مواقف إسرائيل لا تستجيب لاستحقاقات عملية السلام ولا تتعاطى مع أي مبادرة تتضمن الالتزام بمرجعية هذه العملية التي انطلقت قبل سنوات عديدة وإنما تنفذ سياسات عنصرية وعدوانية كما هو واضح، وقد تأتي الحرب العدوانية الاخيرة على قطاع غزة واحدة من هذه الحروب التي تظهر للعالم مدى عدوانية وعنصرية القوة الإسرائيلية الغاشمة .

هكذا فالصراع العربي الإسرائيلي بعد سبع وستين من عمر الكيان الإسرائيلي سيبقى صراع قائم ومتجدد وذلك لأنه لم يطرأ على هذا الكيان ما يغير دوره ووظيفته العدوانية فهو مازال متواصلاً مع الرؤية الأيديولوجية الصهيونية التي أوجدته على خارطة المنطقة الإقليمية كما أنه مازال متفاعلا مع الترتيبات الإقليمية الجارية من النظام العالمي الجديد حيث ترى فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها من الدول الرأسمالية الكبرى أداة إرهاب لحماية المصالح الحيوية الغربية .

-عوامل موضوعية في حدوث النكبة:

لقد أقيم الكيان الإسرائيلي في المنطقة العربية عام 1948م باتجاه يغاير الإرادة العربية مناقض أيضا للإرادة الدولية وللرأي العام العالمي بكل مؤسساته ودوائره فقد واجهت الارادة العربية هذا الكيان حتى قبل ولادته بشكل رسمي وهي إن بدت عاجزة عن منع قيام هذا الكيان وتطوره على المستوى العسكري والتوسع الجغرافي إلا إن هذا العجز لن يبقى ظاهرة تاريخية وهو حتماً سيتلاشى مع التقدم العربي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً فمن المؤكد أن الحركة الصهيونية قد استغلت طبيعة الواقع العربي بكل ما يمثله من عنصرين أساسيين هما التخلف والتجزئة لتحقيق الحلم التاريخي ومازالت الدولة العبرية تستغل هذين العاملين الموضوعيين لتحقيق أهداف المشروع الصهيوني في التوسع والسيطرة الاقتصادية فالتجزئة والتخلف هما اللتان جعلتا الجيوش العربية عام 1948 م ضعيفة محدودة الإمكانيات أمام العصابات الصهيونية الموحدة عبر قيادة عسكرية منظمة ومنضبطة واعية لأهدافها التكتيكية والاستراتيجية.

فسبب قيام إسرائيل عام 1948 م يرجع إذن بشكل أساسي إلى ضعف المرحلة التاريخية ذاتها فلم تكن ثمة مواجهة حقيقية فعالة للصهيونية ولعل تلك المرحلة هي المحصلة العملية للمرحلة التاريخية السابقة التي مرت بها أوضاع البلدان العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ التسلط التركي العثماني حتى عهود الاستعمار الأوربي الحديث والتي أدت بدورها إلى عدم إدراك البعد الاستراتيجي للخطر الصهيوني وفي سياق ذلك ينبغي أن نفهم أن تاريخ النضال الوطني الفلسطيني بعد قيام إسرائيل التصق التصاقا أكبر بالواقع العربي والتركيبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسود فيه وقد عمل هذا الواقع لزمن طويل ومازال على إجهاض هذا النضال والحد من مسيرته الكفاحية وبذلك تبرز دائما مسالة العلاقة بين النضال الوطني الفلسطيني والواقع العربي الإقليمي كأحد المشاكل والعقبات التي تجابه المسيرة الكفاحية للشعب الفلسطيني وذلك من وراء التذرع بمنطق السيادة القطرية التي كرسها الواقع العربي عبر مفاهيم الاستقلاليات السياسية القطرية التي حصلت عليها معظم الأنظمة العربية .

لقد واكبت الإرادة الدولية تطورات المسألة الفلسطينية منذ أوائل هذا القرن وبعكس الدول الغربية الاستعمارية فقد كانت غالبية دول العالم ترى في الدولة اليهودية التي أقيمت على أرض فلسطين بأنها كيان مصطنع لم ينتج عن تطور طبيعي داخلي لشعب من شعوب الشرق التوسط بقدر ما هو تحول استراتيجي في أسلوب المواجهة الصليبية الجديدة لإخضاع المنطقة والهيمنة عليها تحقيقا لأهداف اقتصادية ذلك أن هذا الكيان يفتقد إلى التماسك العميق في نسيجه الاجتماعي والثقافي فمن المعروف إن المجتمع الإسرائيلي يتكون من مهاجرين لا تربط بينهم أي رابطة سوى رابطة الدين اليهودي الذي لا يشكل وحده ضمانة استمرار الدولة العبرية وذلك بحكم وجود تناقضات عديدة داخل هذا المجتمع الذي يعاني منذ قيام الدولة من عدة أزمات بنيوية والقائمون على المشروع الصهيوني من كافة الاتجاهات السياسية لم يستطيعوا رغم مرور أكثر من ست عقود صهر هذا المزيج العرقي حيث التفاعلات الثقافية والأيدلوجية والدينية لا يمكن التحكم بها ويمكن أن تنفجر في كل لحظة(احتجاجات اليهود الاثيوبيين مؤخرا ) وهكذا جاء ظهور الدولة العبرية عام 1948 م ليؤسس تحولا عاصفا أضر بأمن واستقرار المنطقة لأنه خلق إشكالية جديدة للنظام الأمني العربي بحكم خروج هذا الكيان من إطار المركز الرأسمالي والإمبريالي ليرتبط بعلاقات إستراتيجية عضوية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية بأكبر دول هذا المركز وهي الولايات المتحدة الأمريكية ولينسج أيضا هذا الكيان على المستوى الإقليمي تحالفات عدائية ضد الأمة العربية.

لقد برزت دولة إسرائيل في الحقيقة من منظور الحفاظ على المصالح الحيوية الاقتصادية الغربية في المنطقة ومواجهة إمكانية القيام بتصفيتها من خلال وصول شعوب المنطقة إلي مرحلة تجسيد الخيار القومي بكل مكوناته الأساسية المتمثلة في الوحدة والتحرر والتقدم الاجتماعي وهو خيار اخد فرصته في الظهور عبر مراحل التاريخ المختلفة وقابل أيضا لأن يأخذ فرصته في المستقبل لأن التحدي الخارجي لشعوب هذه المنطقة مستمر ولن ينتهي وليس نزوع إسرائيل الدائم إلى العدوان وتنكرها لعملية السلام سوى مظهر هذا الحدي الخطير.

-جوهر الكيان الإسرائيلي وسبل المواجهة:

أنه بعد سبع وستون على مواجهة المشروع الصهيوني يجب أن لا يغيب على البال أن الكيان الإسرائيلي مازال محافظا على جوهره العنصري ولم يتخل حتى الآن عن موقفه بخصوص القضايا الأساسية في الصراع العربي الإسرائيلي، صحيح أن الخيار الوطني الفلسطيني في السعي إلى السلام العادل والشامل قد وضع حدا للحلم الصهيوني التوراتي في إقامة ما يسمى بإسرائيل الكبرى حيث باتت أغلبية دول العالم بما فيها الولايات المتحدة وحتى بعض الأطراف الإسرائيلية مندمجة في إطار عملية السلام التي تلزم الدولة العبرية عن وقف التطلع إلى تحقيق هذا الحلم إلا أن قضية الاستحقاقات الفلسطينية العادلة وفي المقدمة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وحق تقرير المصير، هذه الاستحقاقات الأساسية التي تشكل جوهر الصراع مازالت تتعرض لخطر المصادرة وعدم التنفيذ فرفض حق العودة ما زاال يشكل جوهر السياسة العنصرية الإسرائيلية ويحظى بالإجماع عليه من كافة القوى السياسة بصرف النظر عن الخلفية الأيديولوجية أو التركيبة الحكومية وقد أثبتت حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة التي انتهت ولايتها بعد فوز نتنياهو في الانتخابات السابقة وتشكيله لحكومة جديدة أنها كانت تلك الحكومة متمسكة بما لا يدع مجالا للشك بهذا الجوهر العدواني للدولة العبرية لانها كانت دوما تتهرب من مستحقات السلام وتعمل على فرض الأمر الواقع الاستيطاني أمام إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بالإضافة إلى موقفها الواضح من مسالة حق العودة ومن الطبيعي ان الحكومة الجديدة ستمارس نغس السياسة من التطرف والعنصرية والفاشية لان الخطاب اليميني العنصري هو الذي يسود المجتمع الصهيوني ...

إننا في حقيقة الأمر نقف في مواجهة كيان عدواني لا يقيم وزنا للاتفاقيات والمعاهدات ولا يلتزم إلا بما يخدم مصالحة ومخططاته الأمنية والتوسعية منتهجا بذلك سياسة قمعية تعبر عن ذاتها بين الحين والآخر بإجراءات وسياسات عنصرية مستغلا بذلك ضعف الإدارة الأمريكية وتردي الوضع الإقليمي وعدم بروز موقف دولي مؤثر وضاغط وعليه فان من أولى المهمات التي تفرض هذه الحقيقة هو استمرار الثبات على الموقف الوطني الفلسطيني المتمسك بمبدأ الأرض مقابل السلام لأن هذا الموقف هو الخيار الوحيد المتاح أمام شعبنا من أجل الوصول إلى تحقيق أهدافه العادلة.. وفي ظل تفاقم الأحداث والأخطار والتداعيات في المنطقة التي أحدثتها ثورات ما تسمى بالربيع العربي واستمرار الجمود في العملية السليمة فان تفعيل الموقف القومي العربي على قاعدة التضامن ووحدة الموقف السياسي والاقتصادي يقدم لنا أنجع الوسائل لمواجهة التعنت الإسرائيلي فالمقدرة العربية لا سبيل إلا تحقيقها إلى في إطار المصير القومي الواحد ودولة إسرائيل العنصرية الفاشية لن تقوي على مواجهة الإمكانيات العربية الموحدة...

اخر الأخبار