رسالة إلى والدي في يوم ميلاده

تابعنا على:   13:53 2015-05-13

يسرا محمد سلامة

يقولون الحياة لا تقف عند أحد ولا على أحد، وهذه حقيقة لا نستوعبها في وقت رحيل أحدهم لكن مع مرور الأيام تُصبح واقعًا نعيش به ومعه، إلا عند خُسارة شخص عزيز عليك هنا فقط لا يوجد لهذه الجملة معنى، فالحياة تتوقف بالفعل، تصير كل الأشياء لا قيمة لها من حولك، فما بالك لو كان هذا الشخص هو الأب، السند، القوة، أمنك وأمانك في هذه الدنيا، أعتقد أن المعادلة ستُقلب رأسًا على عقب، اليتيم من ماتت أمه – مقولة تُردد دائمًا – نعم لكن اليتيم الحقيقي من مات والده وقد عاش معه عمره كله، تربّى معه، جمعته به ذكريات عديدة من الطفولة حتى الشباب، من تأثر بوالده حتى صار له قدوة ومثل أعلى، وفاة الأب في كِبر الأبناء أمرٌ غاية في الصعوبة ولا يُحتمل حقًا، والصدمة الأكبر تكن مع البنت التي دائمًا ما تكون "دلوعة أبيها" وسر سعادته، هذا هو حالي مع والدي طيلة عمري وقبل رحيله عنّا منذ ستة أعوام، فقد كنت ابنته المدللة، حلمه الذي تحقق، وولده الذي لا ينساه أبدًا من دعائه.

أبي، اليوم تُكمل عامك الثالث والسبعون، عشت منه سبع وستون عامًا في تصالح تام مع نفسك، ومع الغير، فقد كنت تتمنى الخير للجميع، تشارك الكل أحزانهم قبل أفراحهم، موجود دائمًا وقت الحاجة وحين تُطلب لا تتأخر عن أحد، دماثة خلقك يتحدث عنها الصغير قبل الكبير حتى الآن، فقد كنت لا تحب الحديث عن أحد من وراء ظهره، ولا حتى أمامه بأى شيئ سيئ، لك طلةُ يهابها الناس باحترام لا بالخوف، فتقديرهم لك كان يجعلني فخورة جدًا أني ابنتك، ولهذا السبب حاولت جاهدة أن أجعلك فخورًا بي، كنت أغبطك على ذكاءك ولطالما تمنيت أن امتلك نصفه، كنت أغبطك على رأيك السديد في الأشخاص الذين تتعامل معهم، فبعد وفاتك تأكد لي كم كنت صائبًا في حُكمك عليهم، وأحاول الآن أن يكون لي نفس هذه النظرة، كنت ترضى بأقل القليل فقناعتك نبراسًا لنا نتحاكى به دومًا، ونستشهد بروعة زهدك.

ذكريات كثيرة لن تكفي الأيام ولا السطور في سردها، لكن عزائي الوحيد أنها معي محتفظة بها في صندوق مغلق دفين في أعمق مكان بداخلي، لن تمحيها الأيام ولا السنين، ولا تعاقب الأحداث اليومية عليّ، الحياة بعدك صعبة بل تكاد تكون مستحيلة أن أعيشها دونك، لكنه قانونها ويجب علينا أن نرضخ لنا، عش كما شئت فإنك ستُفارق يومًا، وإذا كنّا نحيا اليوم سنصير ذكرى غدًا، الفراق أثره عظيم على النفس أبي لأنني لن أنساك ما حييت، العمر يجري وأود أن أُخبرك أن حلمك أوشك على التحقيق، فياليتك هنا معي تُشاركني إياه، لكني في هذا اليوم سأتذكرك، سأشعر بك جانبي، بأنفاسك، وخطاك، والأهم بفرحتك وسعادتك التي أتمنى لو يؤخذ من عمري الكثير لكى تعود وأراها مرتسمة على شفاهك، والدي العزيز يوم ميلادك هو ميلادٌ لي كذلك، لأنه لولاك لم أكن أنا، ولولا تربيتك لي ما كنت وصلت لما أنا عليه الآن، فكل الشكر لكَ على جميل صُنعك، وأعاهدك أني سأجعلك ما حييت فخورًا بي، وكل عامٍ وأنت أبي وحبيبي وصديقي، ورفيق دربي، وأمني أماني.