حكومة الابتزاز والخوف الإسرائيلية

تابعنا على:   11:45 2015-05-12

د.أحمد جميل عزم

تشتهر أحزاب في الحكومة الإسرائيلية الجديدة، بممارسة الابتزاز. أما رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فيحترف التخويف، ويقبل ويستسلم للابتزاز بسهولة، طالما أمّن له ذلك البقاء. وبينما هناك قضايا اقتصادية اجتماعية تهم جزءا كبيرا من الإسرائيليين، فإنّ المؤشرات تدل على أنّ الحكومة ستركز على خدمة مصالح مجموعات محدودة، منها المستوطنون.
هناك حزبان متدينان أصوليان؛ "شاس" (7 مقاعد) و"يهودات هتوراة" (6 مقاعد). وحزب متدين صهيوني هو "البيت اليهودي" (8 مقاعد)، وحزب رابع صهيوني "كولانو" (10 مقاعد)، والحكومة بقيادة حزب صهيوني هو "الليكود" (30 مقعدا). الأحزاب الثلاثة الأولى لديها أجندات ضيقة، يصعب القول إنّها وطنية شاملة لكل الإسرائيليين. فـ"شاس" يعبر عن اليهود الأصوليين الشرقيين، و"يهودات" عن الأصوليين الغربيين. وكلاهما يهتم بدرجة كبيرة بمؤسساته الطائفية الاجتماعية؛ من مدارس ومؤسسات اجتماعية تخدم أعضاءه وأنصاره. كما اهتما بشكل خاص، بإعفاء أعضائهما المتدينين من الخدمة العسكرية. أمّا "البيت اليهودي"، فهو حزب المستوطنين في الأراضي المحتلة العام 1967، وخصوصا المتدينين العسكريين منهم، وسيهتم بشكل خاص بتوسعة الاستيطان.
حصول "البيت اليهودي" على حقيبتي التعليم والعدل، يثير قضيتين أساسيتين. الأولى، أنّه في مجال التعليم سيكون هناك بوابة للمزيد من التنافس والخلاف بين الحزبين الأصوليين في الكنيست و"البيت اليهودي" الصهيوني المتدين. فميزانيات ومؤسسات التعليم قضيتان أساسيتان لـ"شاس" و"يهودات"، وهما منافسان شرسان لـ"البيت اليهودي" على استقطاب أصوات المستوطنين المتدينين. أمّا بالنسبة للقضاء، فإن "البيت اليهودي" يريد تقليص صلاحيات محكمة العدل العليا في الحياة السياسية للإسرائيليين، ما يعني محاولة تقليص الرقابة على أداء الحكومة والبرلمان، ولكن أيضاً ربما تقليص ثغرات يدخل منها الفلسطينيون لتحدي السياسات الإسرائيلية.
بالنسبة للحزبين الأصوليين اللذين لا يؤمنان نظريا بالصهيونية وبإقامة دولة لليهود الآن، فإنّهما حققا المكاسب الرئيسة التي يستهدفانها بشأن إعفاء أعضائهما من الخدمة العسكرية، والحصول على رواتب للطلبة الذين يدرسون الشريعة اليهودية في مدارسهم، ما يعفيهم من العمل، فضلا عن امتيازات ضريبية، وميزانيات لمؤسساتهم. وقد كان رئيس "الليكود"، رئيس الحكومة نتنياهو، مستعدا تاريخياً لتقديم تنازلات لهما، بعكس قيادات حزبي "العمل" و"كاديما" (المعسكر الصهيوني الآن). فهذه الأحزاب تفاوضه على مكاسب صغيرة هنا وهناك، لا تهدد موقعه في رئاسة الحكومة.
ربما يكون حزب "كولانو"، الجديد، هو الشريك الحكومي الذي يضع نصب عينيه قضايا اقتصادية تهم مجمل الإسرائيليين، مثل تكاليف المعيشة. لكن من المستبعد أن يكون له دور كبير في رسم السياسات الاقتصادية؛ فسياسات الليبرالية الجديدة بقيادة نتنياهو تنتشر بقوة، وعجز عن مواجهتها في الحكومة السابقة حزب "يوجد مستقبل" الذي يبدو أكثر التزاماً بقضايا الحياة اليومية الاقتصادية، والذي خرج من الحكومة الراهنة.
هذه الأجندات المشتتة للأحزاب الإسرائيلية المشكلة للحكومة، والتي سيتعامل معها نتنياهو، وأجندته الأساسية هي البقاء في الحكم، تتفق أو تتنافس فيما بينها بشأن دعم المستوطنات والمستوطنين؛ لأسباب عقائدية سياسية، كما في حالة "البيت اليهودي" الذي يشكل الاستيطان أساس حركته السياسية. وقد استطاع نتنياهو، في الحملة الانتخابية الأخيرة، إقناع المستوطنين بالتصويت لليكود باعتباره الأقدر على الحفاظ على المستوطنات. لذلك، ستكون العلاقة بين الحزبين من يستقطب المستوطنين أكثر. في المقابل، لا يوجد لدى "شاس" و"يهودات هتوراة" عمق أيديولوجي في دعم الاستيطان، لكن التنافس على جذب صوت المستوطنين، خصوصاً المتدينين منهم، يجعلهما ضد فكرة الدولة الفلسطينية بالمطلق. ويتنافس "شاس" مع "كولانو" على جذب أصوات اليهود الشرقيين (السفرديم والمزراحيم)؛ فالحزب الأخير برئاسة موشيه كحلون الليبي الأصل، وضع هذه الطبقات الفقيرة في صلب اهتمامه.
نحن أمام حكومة إسرائيلية تختلف في ملفات كثيرة، لكنها تتنافس في دعم الاستيطان، ورفض السلام مع الفلسطينيين. وسيكون أمام نتنياهو الدخول في مفاوضات دائمة (وابتزاز) بشأن قضايا جزئية كثيرة تتعلق بمصالح الأحزاب المؤتلفة بالحكومة، خصوصا المتدينة منها. ولكن مع "كولانو"، سيكونان رئيسيين في رسم السياسة العامة للبلاد، وفي التخطيط الاستراتيجي، وستكون المحصلة إطلاق يد الأحزاب المشاركة في الحكومة بعمل ما تستطيع وترغب ضد الفلسطينيين ودعم المستوطنين. لذلك، سيكون على الفلسطينيين توقع الكثير من "الحرائق" المتتالية التي تستهدفهم.
عن الغد الاردنية

اخر الأخبار