تـنظيمـات إسـلاميـة عـابـرة للحـدود – الحلقة الثالثة

تابعنا على:   12:19 2015-05-11

حمادة فراعنة

مقدمة لا بد منها

كتابي السابع عشر هذا « التنظيمات الإسلامية الخمسة العابرة للحدود « يصدر في سياق تفاقم حالة الصراع في العالم العربي واحتدامه بشكل عبثي ودموي، بعد انفجار ثورة الربيع العربي التي توسلت البحث عن : 1- التحرر والاستقلال، وامتلاك زمام المبادرة وحرية اتخاذ القرار، 2- الطمأنينة ولقمة العيش الكريم متضمنة ثلاثة مطالب أساس يفتقدها المواطن العربي هي الراتب المناسب، التأمين الصحي، والضمان الاجتماعي عند التقاعد والوصول إلى الشيخوخة، و3- الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة والاحتكام إلى نتائج صناديق الاقتراع، ولذلك جاءت كتبي في سلسلة قضايا ثلاث رئيسة متداخلة، سلسلة الكتب الأردنية تحت عنوان : معاً من أجل أردن وطني ديمقراطي، وسلسلة الكتب الفلسطينية تحت عنوان : معاً من أجل فلسطين والقدس، وسلسلة الكتب العربية تحت عنوان : من أجل عالم عربي تعددي ديمقراطي موحد .

وكتابي السابع عشر هذا مرتبط بكتابين، سبق نشرهما، وهما: 1- حزب الإخوان المسلمين في الميزان، و2- الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين، في إطار تنظيمات وأحزاب التيار الإسلامي، تأكيداً لدورهم ومكانتهم وقيادتهم للحركة السياسية في العالم العربي، في غياب أحزاب التيار اليساري، وأحزاب التيار القومي، وأحزاب التيار الليبرالي، التي تضررت بفعل الحرب الباردة ونتائجها .

كما جاء كتابي هذا على خلفية كتابي الذي صدر العام 2013 عن ثورة الربيع العربي أدواتها وأهدافها، وحصيلتها أن الثورة ما كانت لتكون لولا توافر العامل الموضوعي المحفز للاحتجاجات والدافع لها والمتمثل بغياب الاستقلال السياسي والاقتصادي عن بعض البلدان العربية، وهيمنة اللون الواحد، والحزب الواحد، والعائلة الواحدة، والطائفة، والشخص الفرد المتحكم بمفرده في إدارة الدولة، في أكثر من بلد عربي، وأخيراً بسبب غياب العدالة والطمأنينة وعدم توافر الخدمات الأساس من صحة وتعليم وضمانات اجتماعية للمحتاجين .

أما العامل الذاتي في ثورة الربيع العربي، فقد اقتصر على مؤسسات المجتمع المدني بما تحمل من مفاهيم عصرية عن الديمقراطية والتعددية واحترام مشاركة المرأة في مؤسسات صنع القرار، وبما تملك هذه المؤسسات ( مؤسسات المجتمع المدني ) من علاقات مع مؤسسات أوروبية وأميركية توفر لها الحصانة والدعم المطلوبين، ولكن بسبب غياب دور الأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية، فقد استثمرت أحزاب التيار الإسلامي حصيلة الربيع العربي ونتائجه كي تكون هي صاحبة القرار، سواء عبر تفاهمها مع الأميركيين، أو عبر حصولها على الأغلبية البرلمانية كما حصل في فلسطين والعراق ومصر وتونس والمغرب، أو لامتلاكها الخبرات القتالية على أثر دورها في أفغانستان، ورغبتها في التغيير الثوري الجوهري، فاحتكمت إلى وسائل العنف واستعمال السلاح لمواجهة الاحتلال الأميركي للعراق، او لإسقاط النظم القائمة في ليبيا وسوريا واليمن، وحصيلة ذلك إخفاق ثورة الربيع العربي للآن، رغم توافر العامل الموضوعي ونضوجه لقيام الثورة، تغييراً للواقع، نحو الأفضل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكن الإخفاق الفاقع يعود لعدم نضوج العامل الذاتي، وكثرة نواقصه، وعدم اكتماله، بصفته أداة الثورة ومحركها، وطالما أن العامل الذاتي كان ناقصاً، ولم تكتمل حلقات نضوجه، فقد انعكس ذلك على ضعف أدائه وعلى نتيجة أفعاله، فغياب أحزاب التيارات الثلاثة اليسارية والقومية والليبرالية وضعفها، جعل الوضع متروكاً لقوة ونفوذ أحزاب التيار الإسلامي، التي لا تؤمن لا بالتعددية ولا بالديمقراطية، ولا تملك البرامج الاقتصادية والاجتماعية الكافية، لجعلها أداة في يد عامة الناس، وهدفاً لها كي تلتحم مع الثورة وتلتف حولها، فانطبق على المواطن العربي المثل القائل أنه مثل الشخص الذي هرب من الدلف فوقع تحت المزراب، وغدت الأنظمة السابقة بعجرها وبجرها، هي أفضل حالاً مما وقع لاحقاً، من هيمنة ونفوذ وتأثير الأحزاب الإسلامية، وقيادتها للعمل السياسي وللتغيير الثوري، مسنودة بعواصم إقليمية، فحاضنة الإخوان المسلمين تركيا وقطر، وحاضنة ولاية الفقيه الدولة الإيرانية؛ ما خلق حالة من الصراع الإقليمي والدولي المباشر في منطقتنا، وعلى أرضنا، وعلى حساب دماء شعبنا وثرواته .

إذن هذا الكتاب، ليس فلسفة معرفية، بل هو إضافة سياسية تراكمية، لوضع ثورة الربيع العربي في سياقها من أجل إنتصار الديمقراطية في العالم العربي، وتحقيق الطمأنينة بلقمة العيش الكريم بالصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، وتحرير فلسطين .

هذا الكتاب يسلط الضوء على التنظيمات الإسلامية الخمسة العابرة للحدود، أي أنه يستهدف القوى الإسلامية الأساس القيّا تأثيراً ومكانة في العالم العربي، ولا يستهدف تنظيمات إسلامية محلية في هذا البلد العربي أو ذاك، بصرف النظر عن قوتها أو ضعفها، بل هو يستهدف التنظيمات الإسلامية الخمسة العابرة للحدود، والتي تعمل في السياسة، ولها تأثير على صنع القرار، أو على صنع الأحداث الجارية :

1- حركة الإخوان المسلمين . 2- ولاية الفقيه الإيرانية . 3- تنظيم القاعدة . 4- تنظيم الدولة الإسلامية داعش . 5- حزب التحرير الإسلامي.

لذا أرجو أن يقدم شيئاً جديداً، للقارئ، وللمكتبة العربية، وأن ينال الاهتمام كما يستحق، وفق الجهد الذي بذل وتحقق.

حمادة فراعنة *

 

صعود التيار الإسلامي

بدون امتلاك المجتمع لأدوات ثورية ، لن يكون ثورة ، ولن تنتصر ، وبدون توفر أدوات ديمقراطية ، لن تتحقق قيمها ، وبدون شيوع التعددية وقبول الأخر والإقرار بشراكته ، لن يستقر المجتمع ولن يقع التصالح والتعايش بين مكوناته ، وبدون الإحتكام إلى صناديق الإقتراع وإحترام نتائجها ، لن يتم تداول السلطة ، هذا ما دللت عليه نتائج ثورة الربيع العربي ، وإفرازاتها، منذ بداية العام 2011 .

الشعوب العربية ثارت ، خلال الربيع العربي ، ضد الأحادية والفساد والاستبداد ، وضد اللون الواحد والعائلة الواحدة ، والطائفة المتحكمة ، والزعيم والقائد والحزب الواحد ، في تونس كما في مصر ، وفي اليمن كما في ليبيا وسوريا ، ووصلت نتائجها إلى قطاع غزة متأخرة ، بالمطالبة بالتراجع عن الإنقلاب أحادي اللون ، على طريق إنهاء الإنقسام وإستعادة الوحدة القائمة على التعددية ، وتوقيع إتفاق بين الفصائل الفلسطينية ، وخاصة بين فتح وحماس ، وهذا الامر لم يجد طريقه للتنفيذ بعد ، فقد ظلت النتائج مخيبة للأمال ، ليس فقط في فلسطين ، بل في معظم هذه البلدان ، إن لم يكن في جميعها ، وهذا ايضاً يعود لسبب جوهري ، يتمثل في غياب القوى السياسية اليسارية والقومية والليبرالية وضعفها ، بينما قطفت أحزاب التيار الإسلامي وحدها ، ثمار الربيع العربي ، حركة الإخوان المسلمين ، ولاية الفقيه الإيرانية ، وحتى القاعدة وداعش قطفوا ثمار هذا التحول .

فالمعطيات السياسية السائدة في العالم العربي ، ما زالت متأثرة بنتائج الحرب الباردة ، التي أدت إلى هزيمة الشيوعية والإشتراكية والإتحاد السوفيتي عام 1990 ، وبالتالي إنحسار حلفائه المحليين في العالم العربي ، من اليساريين والقوميين ، وحتى من الليبراليين المستقلين ، والوحيد الذي إستفاد من نتائج هذه الحرب الباردة هو التيار الإسلامي ، الحليف غير المعلن للولايات المتحدة ، وللأنظمة المحافظة في العالم العربي ، طوال مرحلة الحرب الباردة (الإخوان المسلمون ، وولاية الفقيه الإيرانية) ، وحتى تنظيم القاعدة كان حليفاً للولايات المتحدة في حرب أفغانستان ، وضد الاتحاد السوفييتي ، حيث حصل على الأسلحة المتطورة من واشنطن ، خدمة للسياسات والمصالح والأهداف المشتركة بينهما .

بعد إنفصال التحالف الأميركي عن التيار الإسلامي في التسعينيات ، وبروز التصادم الأميركي مع أحزاب ومنظمات القاعدة ، وحركة الإخوان المسلمين ، وولاية الفقيه الإيرانية ، جاءت الضربة القوية ضد الأميركيين من قبل القاعدة في عمليات 11 سبتمبر 2001 وغيرها من العمليات المماثلة الأقل حدة ، وكان الرد الأميركي على عمليات سبتمبر وعلى القاعدة إسقاط النظامين الإسلامي في أفغانستان ، والقومي في العراق ، ومنذ ذلك الوقت وما بعده ، وخاصة في عهد كونداليزا رايس ونظرية الفوضى الخلاقة ، جرى التفاهم الأميركي مع حركة الإخوان المسلمين وفتحت أفاق التعاون بينهما ، وإنعكس ذلك على القرار الأميركي بالضغط على كل من العراق وفلسطين ومصر عام 2005 لإجراء الإنتخابات التي شارك فيها الإخوان المسلمون في العراق في ظل الإحتلال الأميركي ، وفي فلسطين في ظل الإحتلال الإسرائيلي ، وفي مصر في ظل حكم مبارك غير الديمقراطي ، وفاز الإخوان المسلمون في البلدان الثلاثة بمكانة مرموقة في برلمانات هذه البلدان ، ففي فلسطين حصلوا على الأغلبية البرلمانية 74 مقعداً من 130 هم أعضاء المجلس التشريعي ، وعليه شكلت حركة حماس حكومة من لون واحد برئاسة إسماعيل هنية ، وكما حصلوا على 88 مقعداً في البرلمان المصري ، مقابل قبولهم بالتوريث لجمال مبارك علناً .

ثورة الربيع العربي ، في بداية العام 2011 جاءت رداً على التفرد والهيمنة غير الديمقراطية ، وعلى سوء الخدمات التعليمية والصحية وحقوق الإنسان ، وتفشي مظاهر الفقر والبطالة والفساد ، وتطلعاً نحو ولادة أنظمة جديدة تقوم على الديمقراطية والتعددية وحل مشاكل الناس اليومية والخدماتية ، وتحقيق الإستقرار والتأمينات الإجتماعية والصحية ، وحيث تشكل تحالف غير معلن وغير مرئي بين من قام بالثورة وساعد على إنجاحها من الأطراف الثلاثة : 1- مؤسسات المجتمع المدني . 2- القرار الدولي ممثلاً بالغطاء والضغط الأميركي الأوروبي . 3- الجيش .

لم تصل نتائج ثورة الربيع العربي ، إلى مستوى تطلعات الناس ، لأن الذي جنى ثمارها ، تنظيمات غير ديمقراطية لا تُؤمن بالتعددية ، ولأن الشارع الذي قاد الثورة وأشعلها وأسقط أنظمة الحكم في بلاده ، لم يكن منظماً في تشكيلات وأحزاب سياسية ، فالتيارات السياسية الثلاثة : اليسارية والقومية والليبرالية ، ليست قوية وعانت من نتائج الحرب الباردة بالهزيمة أو الفشل ، ووحدهم أحزاب التيار الإسلامي القوي جنوا ثمار الربيع العربي ونتائجه وفازوا عبر صناديق الإقتراع ، لأنهم وحدهم جنوا ثمار الحرب الباردة وقويت أحزابهم في ظلها ، بينما هُزمت أو تراجعت أو فقدت مواقعها ومكانتها أحزاب التيارات الثلاثة اليسارية والقومية والليبرالية .

وهكذا ، لم يكن صعود أحزاب التيار الإسلامي ، لمواقع صنع القرار ، صدفة ولا عبثاً ، بل بسبب ما حظيت به من ثقة الجمهور وتنظيمه وإدارته على خلفية ضعف التيارات الأخرى ، ويعود كذلك إلى التفاهم الأميركي المسبق مع أحزاب هذا التيار ، مع أحزاب ولاية الفقيه في العراق ، ومع الإخوان المسلمين في مصر ، الذين أثبتوا أنهم لا يؤمنون بالديمقراطية والتعددية وتداول السلطة ، وهم لا يختلفون عن أنظمة اللون الواحد المتفرد لنظام حسني مبارك وزين العابدين بن علي ومعمر القذافي وعلي عبدالله صالح وغيرهم ، ولذلك لم ينجحوا في إدارة الحكم أو في اقامة شراكة مع القوى الأخرى ، ولذلك أخفق الإخوان المسلمون في قطاع غزة وفي قيادة مصر وليبيا وتونس ، كما فشلت وأخفقت أحزاب ولاية الفقيه في إدارة العراق في عهد حكومة نوري المالكي في تحقيق أهدافها المعلنة وغير المعلنة .

لقد نجح الإخوان المسلمون في مصر ، بعد ثورة 25 يناير 2011 ، وعلى أثر تداعياتها ، أصبحوا القوة البرلمانية الأولى ، ونجح مرشحهم محمد مرسي رئيساً للجمهورية ، ولكنهم استعجلوا وعملوا على «أخونة» مؤسسات الدولة المصرية ، فإصطدموا مع الجيش ، ومع القضاء ، ومع الإعلام ، ومع الناس الذين يتطلعون لتحقيق أمانيهم ، في الخبز والحرية والكرامة ، وثار المصريون مرة أخرى في 30 يونيو 2013 ، كما سبق وأن فعلوا في 25 يناير2011 ، ولذلك يمكن القول ، إذا وُصفت الأولى على أنها ثورة ضد حسني مبارك المنتخب ، فالثانية أيضاً كانت ثورة ضد محمد مرسي المنتخب ، وإذا كانت الأولى إنقلاباً قام به محمد حسين الطنطاوي ، إستجابة للمظاهرات والإعتصامات وحركة الشارع ، فالثانية أيضاً قام بها عبد الفتاح السيسي ، إستجابة للمظاهرات والإعتصامات وحركة الشارع ، ففي كلتا الحالتين هناك ثورة ، وفي كلتا الحالتين كان هناك إنقلاب ، وبصرف النظر عن المسميات وتبديل الأشخاص ، فالنتيجة واحدة وهي تستهدف التغيير ، تغيير التفرد واللون الواحد والزعيم الأوحد ، نحو التعددية والديمقراطية وتداول السلطة وقبول نتائج صناديق الإقتراع وإفرازاتها ، وهذا هو التحدي الذي سيواجه الرئيس الجديد بعد إقرار نجاحه وتوليه سلطاته الدستورية يوم 8 حزيران 2014 ، وعليه معالجة التحديات الأربعة الملحة التالية :

1- وقف الإرهاب والعمليات المسلحة .

2- التوصل إلى المصالحة الوطنية ووقف مطاردة الإخوان المسلمين ، ومشاركتهم في الحياة السياسية .

3- استكمال الخطوات الدستورية بالتشريعات القانونية الملائمة للإنتخابات ، وإجراء الإنتخابات البرلمانية .

4- معالجة الوضع الإقتصادي ، وتلبية احتياجات الناس بالعمل والسكن والتعليم والصحة وغيرها من الخدمات الضرورية .

في سوريا ، ثبت بالملموس ، أن الحرب الدائرة تحولت منذ مدة الى حرب إقليمية دولية ، تجاوزت حدودها المحلية أو الوطنية ، كما ثبت ايضاً عدم قدرة أي طرف على حسم الصراع ميدانياً ، لأن كلاً منهما يتلقى الدعم والإسناد لمواصلة الصراع من الداعمين الأقليميين والدوليين لهما ، ولذلك سيبقى الصراع مكشوفاً ومفتوحاً بين النظام وقوى المعارضة المسلحة ، حتى يتم التوصل إلى صيغة تفاهم وإتفاق روسي أميركي من طرف ، وإقليمي إيراني خليجي تركي من طرف أخر ، وخاصة بعد التطورات الدراماتيكية التي اجتاحت العراق من قبل داعش والقاعدة ، واللتين سيطرتا على الأجزاء الغربية الشمالية لمحافظات العراق ، وخلقتا حالة جديدة أربكت الأطراف الإقليمية والدولية ، فرضت إعادة الحسابات ، وتبديل سياساتها بما يتفق وهذه التطورات ومخاطرها المفتوحة على احتمالات مختلفة على مجمل الأقليم ، وإنعكاسات ذلك على الوضع العالمي .

حركة داعش لم تنجح ، ولم تنتصر ، ليس لأنها « داعشية « فقط ، بل لأنها تحالف سني عريض ، عنوانه داعش ، ولكن مضمونه إمتد ليشكل تحالفاً من المكونات المهمشة وفي طليعتها العشائر العربية السنية ، وحزب البعث العربي الإشتراكي بقيادة عزة الدوري ، وبقايا الجيش العراقي الذي تم حله في عهد بريمر ، وهؤلاء وأولئك شكلوا مكوناً سنياً ، يتطلع كي يجلس على الطاولة مع المكونين الأخرين الشيعي القوي ، والكردي المتماسك ، وهو امر تقف له ايران وحلفاؤها بالمرصاد حتى الآن.

لقد حققت ثورة السنة بقيادة داعش في شمال وشرق العراق مجموعة من الخطوات المهمة وهي :

أولاً : وجهت ضربة معنوية ومادية لإدارة نوري المالكي ولسياسته الأستئثارية لصالح المكون الشيعي ، والاقصائية ضد المكون السني ، وبهذه الضربة التي هُزمت فيها المؤسسة العسكرية ، وخاصة بعد الانتخابات التي حقق فيها فوزاً ملموساً مستغلاً قدرات الدولة لصالحه ، يعود نوري المالكي لحجم متواضع ، لا يحظى بالقبول والموافقة من قبل المكونات الأخرى .

ثانياً : أعادت الاعتبار للمكون السني وقدرته على المناورة وتحقيق نتائج بعد أن بقي مهمشاً منذ الاحتلال الأميركي وحل نظام حزب البعث 2003 .

ثالثاً : لقد استثمر المكون الكردي الأحداث ، وسيطر على مدينة كركوك التي قد تؤدي الى نشوب معركة بين العرب والأكراد ، في أوقات لاحقة ، بسبب الخلاف على اوزان مكوناتها ، ولأنها أحد مصادر الضخ النفطي ، وأحد مصادر التمويل والثراء .

الأطراف الثلاثة ، غدت اذن واضحة المعالم في تمايز هوياتها وقياداتها السياسية ، وبدونها وبدون التفاهم فيما بينهما ، والتوصل إلى جوامع مشتركة ، لن يعود العراق الذي نعرفه عراقاً ، وما التصريحات والتلميحات الكردية سوى ثغرة لفتح بوابات أكبر قد عراق غير موحد ، إذا لم يتم التوصل إلى عراق تعددي موحد .

ولاية الفقيه

ولاية الفقيه ، هي العنوان أو الإسم المرادف للتنظيم السياسي الذي يقوده المرشد الايراني الإمام أية الله خامنيئي ، وتنفذه ليس فقط أدوات وأفعال إيرانية ، بل تنظيمات أو أفراد ، يؤمنون بولاية الفقيه ويتمسكون بها ويلتزمون تعليماتها ، وينفذونها دون نقاش كما تصدر من قبل المرشد خامنيئي ، أو من ينوب عنه أو المؤسسة المرتبطة به .

وولاية الفقيه ، تنظيم سياسي ، ذو مرجعية إسلامية ، وهو واحد من التنظيمات الإسلامية الخمسة المتنفذة والعابرة للحدود في العالم العربي ، بل يمكن أن يكون أقواها ، أو يقف في طليعتها ، إلى جانب التنظيمات الأربعة الأخرى وهي : 1- حركة الإخوان المسلمين بقيادة المرشد محمد بديع . 2- تنظيم القاعدة ومرشده أيمن الظواهري . 3- تنظيم داعش وخليفته إبراهيم البدري المكنى أبو بكر البغدادي . 4- حزب التحرير الإسلامي وأميره المهندس عطا الرشته .

وولاية الفقيه هي المرجعية التي تحكم وتتحكم بمصادر ومؤسسات صنع القرار السياسي والأمني والإقتصادي ، للدولة الإيرانية ، وهي مصدر قوة إيران ، وسبب نفوذها الممتد والعابر للحدود في العالم العربي ، فقوة إيران لا تكمن في جيشها وتسليحها وثرواتها ، وهي مهمة للدولة ، ولكن قوتها السياسية والفكرية والعقائدية تكمن في نفوذها الأقليمي في لبنان وسوريا والعراق واليمن وبعض بلدان الخليج العربي ، وقدرتها على أن تكون مصدر إلهام ، وتمويل ، ودعم وإسناد ، للعديد من العناصر والتنظيمات والمؤسسات والأحزاب الجماهيرية التي تدين بالولاء لولاية الفقيه وللمرشد ، وتعمل على خدمة مصالح طهران وحمايتها ، وهي بالتالي تستجيب للدعوات والبرامج الإيرانية ، مما يخلق الأرضية المناسبة للعمل المشترك ، كل حسب قدراته وإمكاناته ، ولذلك تتحرك هذه العناصر ، وتنشط هذه التنظيمات ، على نحو يسمح لها بالتصدي ومواجهة كل من يحاول تهديد المصالح الحيوية والرؤى الأيديولوجية للطرفين : 1- ولاية الفقيه . 2- ولكل من يرتبط بها ويعمل وفق إرشاداتها .

لندقق في ما جرى في العراق ، فالفعاليات التنظيمية والسياسية والأمنية المرتبطة بولاية الفقيه هي التي حلّت محل نظام حزب البعث القومي ، ورئيسه الراحل صدام حسين ، وتم ذلك بالتنسيق والتفاهم مع الأميركيين ، مثلما ورث مؤسسات الإحتلال الأميركي ، وباتت هي القوة الكبيرة المهيمنة على مقدرات الدولة العراقية .

والأميركيون ، بعد نجاحهم في إسقاط حكم الرئيس الراحل صدام حسين ، عبر التدخل العسكري والقوة المسلحة المتفوقة ، فشلوا في إيجاد بديل ديمقراطي تعددي لنظام حزب البعث ، فعملوا على التفاهم مع الإيرانيين ، وكانت حصيلة ذلك ، أن عراق اليوم يعيش لحظات التفاهم الأميركي الإيراني ، وإنعكاساته على مجمل الوضع العربي ، فالقرار الأميركي لم يعد حاسماً في العمل على إسقاط الرئيس بشار الأسد ، وتحول الإهتمام نحو الوصول إلى تسوية سياسية في سوريا بين النظام والمعارضة ، إنعكاساً للتفاهم الأميركي الإيراني .

والتفاهم الأميركي الإيراني هو الذي أسقط حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ، رغم أن كتلته البرلمانية هي الأقوى ولديها العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية ، بحصولها على 92 مقعداً نيابياً ، مثلما أن التفاهم الأميركي الإيراني هو الذي جلب حيدر العبادي رئيساً لحكومة العراق ، وفتح لها بوابات العمل ، وصولاً للنجاح الذي يسعى له ، ويعمل على إنجازه وتحقيقه ، ولم يتم ذلك ، إلا عبر دور إيراني مباشر ، جعل كتلة العبادي تنشق عن المالكي بثمانية وثلاثين مقعداً ، أفقدت المالكي الأغلبية البرلمانية المطلوبة .

وفي التدقيق بتصريحات الرئيس باراك أوباما نلحظ مدى الإهتمام الأميركي ، بالعمل على نجاح المفاوضات الإيرانية مع الدول الست الكبرى ، وهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن زائد المانيا .

وما جرى في اليمن من انقلاب الحوثيين المرتبطين بولاية الفقيه على مؤسسات الدولة والتدخل في عملها وشل وظيفتها ، في ظل صمت واشنطن ، كان إنعكاساً للحرص الأميركي على استمرارية التفاهم مع طهران ، وعدم إثارة ما يحول دون التوصل إلى إتفاقات عملية بعد إرساء عناوين التفاهم والحفاظ عليها وإنجاحها .