دستور لفلسطين أم للدولة؟

تابعنا على:   11:43 2015-05-06

د.أحمد جميل عزم

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مساء الأحد الماضي، إلى سرعة إنجاز دستور لدولة فلسطين، وذلك أثناء لقائه أعضاء لجنة مكلفة بوضع مشروع هذا الدستور. ويمكن فهم خطوة وضع الدستور وتسريعها على أنّها جزء من عملية بناء مؤسسات، وتوفير مؤهلات الدولة المنشودة، أمام العالم. لكن، هل يكفي أي دستور لدولة فلسطينية للإجابة عن تطلعات الشعب الفلسطيني ومطالبه؟ أم أنّ فلسطين أكبر من دولة؟
رغم الصعوبات والعوائق، تطورت فلسطين باعتبارها تحمل من معالم الدولة في أذهان العالم، ربما أكثر مما تحمله إسرائيل في كثير من الأوجه، مع الأخذ بالاعتبار أنّ ما هو موجود في أذهان العالم لا يعني أنّه يتجسد على الأرض بشيء عملي؛ بمعنى أن هناك اعترافاً دولياً متزايداً بفلسطين الدولة (على جزء من فلسطين التاريخية)، وهناك مؤسسات وانضمام لمنظمات ومواثيق دولية، وانخراط في المجتمع الدولي ومؤسساته، وهناك قبول نظري للفلسطينيين كدولة وشعب عالمياً، لكن إسرائيل التي تعيش حالة انتقاد متكررة، وتتعزز صورتها ككيان يخرق السلم والقانون الدوليين وتتحدى فكرة المجتمع الدولي؛ إنما مع حقيقة أنّ الأخيرة هي المسيطرة على الأرض، والمجتمع الدولي يفعل القليل لردعها ولتمكين الفلسطينيين من أرضهم (جزء منها)، ومن السيادة. لكن ليس هذا الأهم.
لجنة الدستور المذكورة برئاسة رئيس المجلس الوطني الفلسطيني سليم الزعنون، توقفت عن العمل في السنوات الثلاث الأخيرة. ولم توضح وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) التي نشرت خبر لقاء عباس مع اللجنة، سبب التوقف، وسبب الاستئناف الآن. ولكن الرئيس الفلسطيني، بحسب الخبر، شدد على "ضرورة الإسراع بإنجاز مشروع دستور دولة فلسطين ليكون دستورا عصريا للشعب الفلسطيني يلبي حاجاته ويحفظ حقوقه وواجباته". والسؤال: هل تجيب دولة فلسطين عن كل احتياجات الشعب الفلسطيني؟
لقد كان الميثاق الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية، هو المعبّر عن رؤية متكاملة لفلسطين (كل فلسطين) وللشعب الفلسطيني (كل الشعب). وتضمنت هذه الرؤية مواقف من مسائل مثل الصهيونية واليهود الفلسطينيين وغير الفلسطينيين. لكن الميثاق، وعلاوة على تقادمه مع الزمن، جرى بموجب اتفاقيات التسويات المؤقتة مع الإسرائيليين، إلغاء جزء كبير من بنوده من دون وضع بنود جديدة، في عملية غريبة، صار معها صعباً معرفة ما هو نص الميثاق الوطني الفلسطيني. والتصور الأقرب للمنطق بشأن إلغاء بنود من دون إضافة الجديد، هو أنّ هذا جزء من متطلبات إعادة تعريف فلسطين جغرافياً، وتعريف الفلسطيني ديموغرافياً ووطنياً. بمعنى أن لا تعود لفظة فلسطين تعني كل فلسطين، والدولة الفلسطينية لا تمثل مثلا الفلسطينيين في الأراضي المحتلة العام 1948، وتهرّب عملية إلغاء نصوص من الميثاق من دون استبدالها بنصوص جديدة من استحقاق تعريف الصراع وطبيعته.
لا تجيب فكرة الدولة الفلسطينية عن أسئلة تتعلق بالشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة العام 1948. إضافة إلى أنّ التركيز على استيفاء تطوير نصوص الدولة وأبعادها القانونية والمؤسساتية، يعني أيضاً تأجيل كثير من قضايا الفلسطينيين في الشتات (المنافي)، كما يعني تأجيل حسم كثير من القضايا، ومنها التعريف التاريخي والحضاري والهوياتي للفلسطيني بانتظار تجسّد الدولة على الأرض يوماً ما. وهو تجسّد تراهن "الاستراتيجية" الفلسطينية الراهنة على أن يحدث تدريجياً، عبر ما يسمى بـ"التدويل"، مشفوعاً بقدر محدود من المقاومة الشعبية والمقاطعة التجارية.
حتى لو سلمنا أنّ وضع ميثاق وطني فلسطيني بشأن كل فلسطين وكل الفلسطينيين، هو مهمة معقدة ومليئة بالأخطار السياسية، فإنّ ذلك ليس ترفاً فكرياً. إذ إنّ كينونة الفلسطينيين كشعب، تحتاج وضع تصور وتعريفات تاريخية لوجودهم وهويتهم ومستقبلهم، لأنّ هذه التعريفات هي التي تحدد شكل حركتهم السياسية وأهدافهم الوطنية. ومن هنا، فحتى لو قررت القياد الفلسطينية أنّ خسائر ومتاعب وضع مثل هذا الميثاق أكثر من فوائدها، فإنّ تصدي المثقفين والمفكرين والأكاديميين والسياسيين الفلسطينيين لهذه المهمة، يبقى ضرورياً.
عندما وضع ثيودور هرتزل فكرة الدولة اليهودية في كتاب، كان مجرد مفكر أقنع الناشطين الصهاينة بالفكرة، وتم تبنيها في مؤتمر يهودي جامع العام 1897. ولا يوجد ما يمنع من بلورة مثقفين وناشطين فلسطينيين مشروعاً لميثاق يجيب عن أسئلة مصيرية جامعة للفلسطينيين، مع نقاش كيف يمكن أن يتحول إلى وثيقة مرجعية.
عن الغد الاردنية

اخر الأخبار