قيثارة الفقراء

تابعنا على:   15:21 2013-12-04

د. أسامه الفرا

توقفت قيثارة الفقراء عن العزف، رحل سفيرهم دون وداع المستضعفين في الأرض، اللهم سوى ما تركه خلفه من كلمات كتبت بالعامية، لم تكن الفصحى يوماً أداته للتعبير، لعل العامية أقرب للشريحة التي يتحدث بأشعاره نيابة عنهم، وهي الأقدر ببساطتها على إيصال صوتهم للقابعين في قلاعهم، لعله استطاع بذلك أن يثبت عدم صحة مقولة الأديب طه حسين حين قال "اذا كتبت بالعامية يفهمك المحيطون بك، وإذا كتبت بالفصحى يفهمك العرب من المحيط إلى الخليج"، فقد فهم كل العرب ما كتبه الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، ووجد كل منهم في "بهية" الوطن الذي ينتمي إليه ويدافع عنه، وشكل مع توأمه الشيخ إمام ثورة في داخل الكثير منا ترفض الظلم والقهر بالقدر الذي ترفض الاستعمار وطغيانه.

رحل الفاجومي، هكذا عرف عن نفسه حين قال "أنا الفاجومي .. مواطن غلبان .. شايل في قلبه ..وطن"، والفاجومي حسب تعريفه صاحب النقد اللاذع دون إعتبار لأحد، وكيف لا يكون هو صاحب هذا المصطلح، وهو الذي إنتقد الزعيم جمال عبد الناصر رغم ايمانه بمشروعه، فكان الاعتقال الضريبة التي سددها نظير صراحته وحقه في النقد، حتى وإن تطلبت الصراحة أن تصل إلى المقامات السامية فيجب ألا يحول دونها حائل، وبنفس البساطة التي عاشها وتعايش معها قال معقبا على إعتقاله "اسمي صابر ... وتهمتي مصري"، وكم من صابر يحيا في عالمنا العربي وتهمته أنه يعشق وطنه حتى الثمالة.

لقد سكن الهم العربي الشاعر أحمد فؤاد نجم، فهو الشاعر القومي الذي آمن بوحدة مصير هذه الأمة، وأن قضية فلسطين هي قضية كل عربي، لذلك جاءت كلماته إلى فلسطين تحمل هذا الوعي المتقدم حين قال:

يا فلسطينية والبندقاني رماكوا

والصهيونية تقتل حمامكوا في حماكوا

يا فلسطينية وانا بدي اسافر حداكوا

تاري في ايديا ... وايديا تنزل معاكوا

على راس الحية ... وتموت شريعة هولاكوا

نعم إنها شريعة هولاكو التي يتأبطها العدو الجاثم على أرضنا، الطامح في مد طغيانه إلى ما هو اوسع من رقعتنا الجغرافية.

إن كانت المجموعة العربية في صندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة قد أختارت عام 2007 الشاعر أحمد نجم سفيراً للفقراء، فقد سبقها في ذلك بكثير اشعاره، التي خرجت في مجملها من رحم الفقر لتثور في وجه الظلم بغض النظر عن شكله وأدواته، قد يختلف المرء مع الشاعر نجم في هذا الموقف أو ذاك، ولكن ما لا يمكن الاختلاف فيه أنه شاعر ثائر تربع على عرش الشعر العامي لعقود عدة، لم يداهن أصحاب السلطة والسلطان، وفجرت كلماته ثورة ضد الاستعمار وإمتدت إلى أعوانه من الظلم والقهر والاستبداد، لذلك سيبقى لوحة جميله في عالمنا العربي لا تملك إلا أن تقف أمامها باحترام، وإن كان من واجبنا تقديم العزاء بوفاته إلى أهله وذويه، فمن الواجب أيضاً تقديمه للفقراء والمطحونين والثائرين أينما كانوا.