مذاهب "العتمة" ( 6 )

تابعنا على:   16:23 2015-05-03

وجه الكثير من العلماء انتقادات شديدة لأصحاب الفكر الوهابى، إذ اتهموهم بالتشدد والتسبب فى الإساءة للإسلام والقرآن من خلال إصدار فتاوى غريبة، وتحريم ما أحله الله واتهام مخالفيهم فى الرأى بالشرك والكفر، وإصدار كتب تذمهم، لأنهم خرجوا عن عباءة تفكيرهم الوهابى، ودلل هؤلاء على آرائهم بآيات قرآنية وأحاديث نبوية صحيحة، وعلى الرغم من أن قيادات المملكة العربية السعودية، لا تأخذ برأيهم فى بعض الأحيان، وتمنعهم من تنفيذ الأعمال المبالغ فيها والمتشددة فإنها لا تزال قائمة وتمثل مرجعاً خطيراً لبعض الجماعات التكفيرية الموجودة فى المنطقة العربية، حسب وصف الكتاب والمفكرين.

فى عام 2010 اشترك عدد من الكتاب والمفكرين فى إصدار كتاب يحمل اسم «الوهابية تشوه الإسلام وتؤخر المسلمين»، هم الدكتور أحمد شوقى الفنجرى، والدكتور أحمد السايح والمستشار أحمد عبده ماهر وعبدالفتاح عساكر، والدكتور رفعت سيد أحمد، ود. خالد منتصر والشيخ علاء أبوالعزايم، قالوا فيه «إذا سلمنا بأن «الخوارج» هم من أسسوا لأول فكر متشدد فى تاريخ الإسلام، لأن فكرهم ينطلق من موقف سياسى معارض للتحكيم، فإن المذهب الحنبلى من أكثر المذاهب السنية المحافظة، لأنه يعتمد على النص والابتعاد عن الاجتهاد والتأويل واضعاً بذلك اللبنة الأولى لتأسيس الفكر المتشدد، حسب وصفهم، على الرغم من أن مؤسس هذا المذهب تورع فى حياته عن تكفير من كان يحالفه من فرق أخرى كالشيعة والخوارج والمعتزلة».

واتهم هؤلاء الكتاب فكر ابن تيمية بالغلو والتشدد وقالوا: «رغم مرور كل هذه القرون ما زال فكر ابن تيمية (661 - 728م) وفتاواه مثاراً للجدل بين جمهور فقهاء الإسلام، فإذا كان أنصاره يعتبرونه مجدداً أحيا الدين، فإن خصومه يصفون فكره بالغلو والتشدد، ويتهمونه بنشر الفكر المتطرف، وينظر إليه الكثيرون على اعتباره المؤسس التاريخى للتوجه السلفى، الذى يعتبر اليوم مرجعاً للحركات السلفية الجهادية، ويعد ابن تيمية الذى يوصف بشيخ الإسلام صاحب تأثير كبير على الصحوة الإسلامية بتياراتها المختلفة، الذى تستنبط منه الجماعات الإرهابية بعض أدلتها لتبرير أعمالهم الإرهابية، ويعتبر أتباع هذا الفكر أن ابن تيمية الأب الروحى لهم، فـالوهابية قامت على أساس أن المسلمين عاشوا 6 قرون فى جهل وضياع منذ وفاة شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أن ظهر محمد بن عبدالوهاب الذى يعتقد أتباعه أنه أحيا الدعوة وأعاد الناس إلى العقيدة الصحيحة، ومن أجل تحقيق هذه الغاية يتبنى فكرة الجهاد كأسلوب لإعادة إقامة دولة الإسلام أو دولة الخلافة على حد وصفهم».

كما وجه الشيخ محمد الغزالى انتقادات كبيرة إلى السلفية الوهابية، وقال فى أحد مقالاته: «ترددت طويلاً قبل أن أكتب هذه الكلمة، إننى أحب المملكة العربية السعودية لأن علمها يحمل شعار التوحيد، ولأن ملكها يخدم الحرمين الشريفين، ولأن ترابها شهد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، بيد أننى لاحظت ما أعيانى، هناك شيوخ على عقولهم إغلاق، وفى قلوبهم قسوة، يتعصبون للقليل الذى يعرفون، ويتنكرون للكثير الذى يجهلون، قلت: لعل الزمن يفتح إغلاقهم ويلين قلوبهم ويظهر أنى كنت متفائلاً أبعد من الواقع، إنهم لا يعطون الرأى الآخر أى حرمة على هامش العقيدة، وفى فقه الفروع تبدو وجهات نظر شتى، يستطيع كل ذى رأى أن يذكر ما عنده مقروناً بدليله، ومع تلاقى العقول، وتلاقى الحوار، يظهر خير كثير، أما أن يزعم بعض الحنابلة أن الرأى رأيهم، وأنه وحده هو الدين الحق، وأنهم المتحدثون الرسميون عن الله ورسوله، فهذا غرور وطيش».

وأضاف الغزالى: «خرج هؤلاء من أرضهم إلى العالم الإسلامى، فكانوا بلاء يوشك أن يقضى على الصحوة الإسلامية الناجحة، وكانوا بفقههم المحدود وراء تكوين فرق التكفير والهجرة، وجماعات الجهاد والإنقاذ، فإذا الصف الواحد ينشق أنصافاً وأعشاراً، هذا يقاتل من أجل الجلباب القصير، وهذا يقاتل من أجل أن تكون وظيفة المرأة محصورة فى الولادة، وهذا يقاتل لمحو المذاهب الفقهية، وهذا يعلن الحرب على الأشاعرة، فماذا كانت العاقبة، انهدام البناء وشماتة الأعداء، إن مسالك هؤلاء الشيوخ أساءت إلى المملكة فى حرب الخليج، وجعلت التيار الإسلامى يضل الطريق، وما ينتظر من بلائهم أعظم، وحسبنا الله، لا يجوز شرعاً اتهام المسلمين بالشرك، كما تطفح كتبكم ومنشوراتكم، لقد كفرتم الصوفية ثم الأشاعرة وأنكرتم واستنكرتم تقليد واتباع الأئمة الأربعة أبوحنيفة ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل، فى حين أن مقلدى هؤلاء كانوا ولا زالوا يمثلون السواد الأعظم من المسلمين، كما أن المنهج الرسمى لدولتكم والذى وضعه الملك عبدالعزيز رحمه الله ينص على اعتماد واعتبار المذاهب الأربعة فانتهوا هداكم الله تعالى».

وتابع الغزالى فى مقاله: «أما هجومكم على الأزهر الشريف وعلمائه فقد تواتر عنكم كثيراً، ترددون جملة الحديث الشريف: «كل بدعة ضلالة» دون فهم للإنكار على غيركم، بينما تقرون بعض الأعمال المخالفة للسنة النبوية، ولا تنكرونها ولا تعدونها بدعة، تمنعون دفن المسلم الذى يموت خارج المدينة المنورة ومكة المكرمة من الدفن فيهما، وهما من البقاع الطيبة المباركة التى يحبها الله ورسوله، فتحرمون المسلمين ثواب الدفن فى تلك البقاع الشريفة المباركة، فعن عبدالله بن عدى الزهرى رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أخرجت منك ما خرجت». وعن ابن عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها، فإنى أشفع لمن يموت بها»، كما تمنعون النساء من الوصول إلى المواجهة الشريفة أمام قبر النبى صلى الله عليه وآله وسلم أسوة بالرجال، ولو استطعتم لمنعتم النساء من الطواف مع محارمهن بالبيت الحرام، خلافاً لما كان عليه السلف الصالح والمسلمون، وتحقرون النساء المؤمنات المحصنات القانتات، تنهرونهن، وتحجبونهن عن رؤية المسجد والإمام بحواجز كثيفة، وتنظرون إليهن نظرة الشك والارتياب، وهذه بدعة شنيعة لأنه إحداث ما لم يحدث فى زمنه عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح، فقد كان يلى الإمام صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء، يصلون جميعاً وبلا حواجز خلفه صلى الله عليه وآله وسلم».

وقال أيضاً: تمنعون الأئمة من القنوت فى المساجد فى صلاة الصبح وتعتبرونه بدعة، علماً بأنه ثابت شرعاً لدى إمامين من الأئمة الأربعة هما: الشافعى ومالك رضى الله عنهما، فلماذا فرض الرأى الواحد، والتضييق على المسلمين، ولا تعهدون بالإمامة فى الحرمين الشريفين إلا لأحدكم من «نجد» وتحظرونها على من سواكم من علماء الحجاز والأحساء، وغيرهم، فهل هذا من العدل أو من الدين، ولا تعترضون على من يرعب المسلمين الموجودين فى الحرم المكى ويحقق معهم ثم يقبض عليهم إذا لم يجد معه سند الإقامة خلافاً لقول الله تعالى عن الحرم الشريف: «وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً»، مما يشوش ويعكر الصفو والهدوء والسكينة والهيبة على المعتكفين والركع السجود، وإذا اختلف معكم أحد فى موضوع أو أمر فقهى، أصدرتم كتباً فى ذمه وتبديعه أو تشريكه، ومع هذا لا تمنحونه حقه فى الدفاع عن نفسه وتبرئتها من ذلك كما حصل مع السيد المالكى وأبوغدة والصابونى وغيرهم كثير، سعيتم لبدعة كبيرة لم تسبقوا إليها حتى من أسلافكم فى العقيدة والمنهج، وهى أنكم سعيتم لغلق وقفل البقيع، ومنع الدفن فيه ونقل دفن الأموات الجدد إلى موقع آخر بعيد عن موقع الشرك والبدع فى رأيكم، ولمنع الناس من الدخول إلى البقيع وزيارة من فيه من آل البيت والصحابة والتابعين وبقية الصالحين، ولكن الله تعالى أحبط مسعاكم وهيأ من قام بإبلاغ الملك فهد خادم الحرمين الشريفين بذلك، فرفض ما نويتم وأمر بتوسعة البقيع الشريف حتى لا تكون الحجة عندكم ضيقه عن استيعاب من يموت من المسلمين. ويقول الدكتور أشرف عزازى، الأستاذ بكلية دار العلوم والباحث الإسلامى: «اتهام محمد ابن عبدالوهاب بأنه صاحب فكر متطرف ومصدر إلهام الجماعات المتطرفة خال من الحقيقة، وغير منصف لأن الكتاب الذى قام بتأليفه عن التوحيد يخلو تماماً من الدعوة للعنف، ولا يوجد فى الكتاب ما يخالف تعاليم الإسلام، هذا الرجل أرسى مبادئ التوحيد فى وقت كانت تعج فيه الجزيرة العربية بفترة اعوجاج وابتعاد عن الدين الحنيف، لكن الذين خرجوا عن عباءة أهل السنة هم الذين أساءوا إلى الإسلام وإلى الحركة الوهابية ونعتبرهم خوارج، مثل التنظيمات الإرهابية المسلحة التى تسفك الدماء وتجز الرؤوس وتحرق البشر وتصلبهم الآن باسم الدين، من يعلم عقيدة العلماء يعرف أن هناك فرقاً جوهرياً بين أهل السنة والخوارج، فعقيدة أهل السنة تحرم الخروج على الحاكم، ولا تجيز المطالبة بحق ولو بالكلمة».

يضيف عزازى: «بعد ظهور أسامة بن لادن بأفكاره المتطرفة وهو سعودى الجنسية هاجمه علماء السعودية أنفسهم ورفضوا منهجه وأفكاره الإرهابية، عقيدة أهل السنة لا تبيح استخدام الأحزمة الناسفة فى قتل اليهود وهو ما قاله الشيخ الألبانى، وما يحدث الآن فى الإعلام من اتهام ابن تيمية بزرع بذور التطرف والتشدد، افتراء على شيخ الإسلام، وما تقوم به التنظيمات الإرهابية المسلحة مثل داعش لا يمت للإسلام بصلة ويسىء لهذا الدين الحنيف، ومن يقول إنهم يبررون أفعالهم الإجرامية بأقوال ابن تيمية عليه أن يذكر نص الآيات والأقوال التى ذكرها الشيخ فى كتبه».

اخر الأخبار