في حضرة الحكماء ..الحكمة غائبة

تابعنا على:   14:21 2015-05-02

محمود سلامة سعد الريفي

تتناول وسائل الاعلام المختلفة اخباراً وتصريحات عن جهود تُبذل وحراك محموم تقوده اطرافاً عربية واقليمية تسعي لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية , واعادة توحيد الشعب الفلسطيني وصولاً لقواسم مشتركة تلتقي عندها كل الفصائل الفلسطينية الوطنية و الاسلامية على قاعدة التفرغ لمجابهة ومواجهة الاحتلال الاسرائيلي العدو الحقيقي المُستبيح للأرض ومُقدرات الشعب وانتزاع الحق الفلسطيني والانعتاق منه و اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وفق قرارات الشرعية الدولية التي لا تحقق الحُلم الكامل و المُستدام بتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني وتحقق الحد الأدنى لقيام دولة فلسطينية على حدود حزيران من العام 1967م لازالت بعيدة المنال امام سياسات تعسفية اسرائيلية متنكرة لإحلال سلام في المنطقة , ووجود انقسام فلسطيني ضرب اوتاده واثر على مُجمل الحالة الفلسطينية , وانشغال الاقليم العربي بحروبه الطائفية و الفتن التي تُشعلها السياسة , وغياب الدور الدولي الرسمي ومؤسساته المُنسجم مع مواقف دولة الاحتلال والداعم لها.

كان مقرراً لوفد من الحكماء الدوليين برئاسة الرئيس الامريكي السابق" جيمي كارتر" ان يزور الاراضي الفلسطينية و يلتقي مع القيادة الفلسطينية في رام الله , وان يتجه الي غزة للقاء قيادة حركة حماس وعلى اجندة الزيارة نقاط محددة اهمها تحقيق المصالحة الفلسطينية من خلال مبادرة يحملها وفد الحكماء يمكنها ان تضع اساسا لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية وهذا ما لم يحدث بسبب ارجاء الزيارة الى وقت لاحق بعدما كانت مقررة يوم الخميس الموافق 30/4/2015م ويكشف ارجاء الزيارة مدى الهوة والفجوة في الحالة الفلسطينية و عدم نضوجها بعد لإتمام المصالحة وتحقيق وحدة وطنية لطالما ينتظرها الشعب الفلسطيني ويتوق اليها كما يتوق للحرية و الانعتاق من الظلم والاسى الواقعين عليه بفعل اجراءات الاحتلال وقيوده , والاهم ان المواطن ذاته بات غير مكترث ولامبالي بأي اخبار تتعلق بالمصالحة الداخلية ولم يعد يشعر بالمصداقية لما يتم تناوله في وسائل الاعلام عن توقيع اتفاق مكة "2" ويسأل ما بال مكة "1" واين انتهي به المطاف , وبعد مرور 8 سنوات ما الذي تغير ويُجيب على هذا التساؤل الواقع المرير و المأساوي الذي أوجده عدم صدق النوايا واللامبالاة بهموم وعذابات المواطن و الرهان علي مواقف القوي العربية و الاقليمية التي ساهمت في اطالة عُمر الانقسام وعززته لغايات في نفس يعقوب..! وبقي الوضع الفلسطيني يرزح تحت نير اجراءات احتلالية تحاصر غزة وتقتل و تدمر وتعيق اعادة اعمارها وتزيد من معاناة اهلها وتستبيح الضفة الغربية وتهود القدس , وما يزيد "الطين بِله" عدم معالجة تداعيات انقسام الحالة الفلسطينية وبقاء الاوضاع الحياتية الصعبة تراوح مكانها دون أي افق جدي يحمل الهم الوطني شعارا يتقدم فيه الانتماء لفلسطين على الانتماء للحزب او الفصيل وابداء مرونة لطي صفحة انقسام اخذ الوقت و الجهد الكثيرين وخلق وجعاُ وطنياً وجرحاً غائراً في كل مكونات الحالة الفلسطينية بسببها المعاناة تداهم بيوت الامنين في كل وقت حين ولا مكان للأمل بغدٍ افضل امام ما يتصدره المشهد القاتم بعدما غابت الثقة وترجلت الشجاعة و رباطة الجأش بين كل من هتفوا لفلسطين الارض و الهوية وتبنوا افكارا و معتقدات و نظريات لأجل تحقيق هدف واحد اسمي تتلاشي معه كل الانتماءات الحزبية و الايدلوجية و يبقي شعار التحرير الوطني حاضراً وهذا يدعو الى تبني استراتيجية وطنية وميثاق شرف يحقق الوحدة الفلسطينية ويمتن و يُمكن الجبهة الفلسطينية من مواجهة استحقاقات التحرير, وهذا

يدعونا للتفكير ملياً و الوقوف عند الكثير من الاحداث و المحطات التي مرت بها القضية الفلسطينية منذ نشوء الحركة الوطنية التحريرية بكل اطيافها و انتماءاتها الى حقيقية تفيد انه لا يمكن لأى حزب او فصيل مهما كبر حجمه وتمدد وانتفخ..! ان يُزور حقائق التاريخ و يُنكر دور او فعل او عمل او موقف لأى من الاحزاب و الفصائل مهما كانت شعبيتها وهذا من شأنه ان يوجه البوصلة الى وجهتها الصحيحة لو لم تهيمن النزعة الاقصائية و التقزيمية ونكران الغير و القناعة التامة ان تاريخ فلسطين الحديث يكتبه كل من عمل لأجل فلسطين وشعبها و قضيتها ولا مكان للتدليس وغض البصر عن حقائق تاريخية راسخة و ثابتة لا يمكن تجاهلها او ترميمها او تزينها..!

تأجلت زيارة وفد الحكماء ولم يحضروا والحكمة غائبة و مُغيبة في موطني وبين اهل السياسة و الحل و العقد ونفرض جدلاً انه لا يوجد حكماء دوليين من الاصل الا تستدعي الحالة الفلسطينية المأزومة والمأساوية ان يُغلب اولي الامر منا صوت العقل و المنطق و الضمير ويجعلون من حديث ابن مسعود رضي الله عنه "رأس الحكمة مخافة الله " ووضع هذه الكلمات حيز التنفيذ لما تحمله بين ظهرانيها تُمكنها ان تمثل بداية لطريق قويم يسلكه العابرون عبر محطات الحياة من دار للمستقر الى دار المقر تبقي مخافة الله حاضرة بكل فعل وعمل وقول وتضع حداً رادعاً لتجاوز النفس الآمرة بالسوء يكون فيه الحاكم و السلطان والمواطن البسيط امام الله سواسية في العقاب و الثواب , ولكن حين يتغافل هؤلاء عن معاناة شعب ضاقت به السُبل وسُدت بوجه الطُرق وتاهت بوصلته عن الاتجاهات الاربعة وتعالت صراخاته وساءت اوضاعه ونهش الجوع من لحمه دون ان يَرد مظلمته احد..! حتما الحكمة مغيبة وتحتاج لمن يخاف الله بشعبنا الفلسطيني ويمتلك الارادة القوية وتبني رؤيا تصالحية حقيقية تعمل على التطبيق الامين لكل ما تم الاتفاق عليه في مكة المكرمة والدوحة و القاهرة و الشاطئ وتوفير البيئة الطبيعية لاحتواء تداعيات انقسام الفلسطيني بعيدا عن التجاذبات و الاستقطابات السياسية التي لم نجني منها سوء مزيدا من اطالة عمر الانقسام واستفادة اطراف عدة من بقاءه لحساباتها ومصالحها.

هل لدي حكماء شعبنا المقدرة على تصويب الواقع الفلسطيني و الانتقال به نقلة نوعية تُوحد طاقاته و امكاناته من شأنها ان تُوجد معادلة فلسطينية جديدة لمواجهة استحقاق رفع الحصار و اعادة الاعمار وفتح معبر رفح البري والاهم اعادة صياغة العلاقات الفلسطينية وفق مبدأ تقبل الاخر و عدم اقصاءه والعمل من اجل الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة دون الانتظار حتى تأتى وساطة من هنا او هناك او زيارة وفود لحكماء او ساسة مخضرمين لا يمكنها ان تنهي الانقسام ما لم تتوفر الارادة القوية و الرغبة الفعلية و القناعة التامة بإنهائه و تطويق ذيوله لدى اطرافه.

اخر الأخبار