مبادئ الدعاة الجدد على الفضائيات: اعمل "شيخ".. ولبسهم "العمة" ( 5 )

تابعنا على:   16:42 2015-04-30

دعاة يظهرون بشكل مستمر على شاشات التليفزيون، يطلون علينا بهيئة مهندمة وملابس باهظة الثمن، يحرّمون ويحللون، ويستدلون بأحاديث شريفة وآيات قرآنية، يلقّبون أنفسهم بـ«الدعاة الإسلاميين والباحثين»، بعضهم لا يوضح أين درس أو بحث فى القرآن الكريم، وبعضهم أثار الجدل بسبب فتاوى وآراء متطرفة، نال بسببها قدراً كبيراً من النقد، الذى اتبعه بالضرورة نصيب كبير من الشهرة، وبعضهم أسّس أحزاباً سياسية حشد فيها الشباب المتابعين له، وبنبرات صوت هادئة ووجوه مبتسمة يدسّون السم فى العسل، حيث يتابعهم بسطاء كثيرون، ويجدون فيهم السبيل الوحيد لفهم آيات القرآن، أو معرفة شئون دينهم ودنياهم، يثقون بهم ثقة عمياء، فهم يرتدون زى رجال الدين، ولرجل الدين مكانة كبيرة عند المصريين بطبيعة الحال.

ووسط هذه الصورة المصنوعة بمهارة، برزت إشارات كانت بمثابة نداء يقظة، مثلما حدث فى نوفمبر 2013، عندما اعترف الإرهابى المحكوم عليه بالإعدام عادل حبارة، بأن دروس الداعية محمد حسان وكتاب «الداء والدواء» لابن القيم الجوزية، كانت بمثابة نقطة تحول فى تشدُّده الدينى، حيث إنه تعلم منها أن الدولة المصرية كافرة، لأنها ضد مشروع الخلافة الإسلامية، وأن الجهاد ضد مؤسسات الدولة واجب شرعى.

وتقول الدكتورة آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإنسانية بفرع جامعة الأزهر بالإسكندرية: «أطالب من يتصدى لتفسير القرآن، أو تفسير الأحاديث الشريفة بأن يكون متخصصاً بالمعنى الدقيق، ويمتلك لغة عربية قوية تمكنه من القراءة والتفسير على أسس صحيحة، وهذا عمل يتطلب أعواماً طويلة من الدراسة المتخصصة والاجتهاد العلمى تحت إشراف أساتذة متخصصين، لكن ما يحدث على الساحة الآن هو حماسة من البعض لسلك هذا المسلك، دون دراية وخبرة كافية، ومعظمهم لا يمتلكون الأدوات اللغوية والبحثية والمرجعية اللازمة، وذلك ما تنتج عنه عواقب كبيرة».

وأكملت «آمنة» قائلة: «لو غاب الأزهر عن دوره فهو المسئول أمام الله وأمام المجتمع»، موضحة أن غياب دور الأزهر فى التواصل مع المواطنين نتج عنه ظهور ما يُسمى بالدعاة، الذين نشروا فكرهم بين الناس دون محاسبة أو مراقبة أو تدقيق فى محتوى تلك الأفكار ومدى صحتها، وعلى الأزهر أن يُبسّط مفاهيمه لينشرها بين الناس بشكل يفيد ولا يؤذى، لأن نشر الأفكار المتطرّفة يدفع الشباب إلى الهروب من الدين والتوقّف عن الإنصات إلى رجال الدين بشكل تام. وطالبت «آمنة»، الشباب على وجه التحديد، بأن يختاروا من ينصتون إليهم وألا يكتفوا بالدعاة الذين يشعرون بقرب إليهم من حيث الشكل وطريقة الكلام، وعلى الشباب التأكد من صحة ما ينصتون إليه، وأكملت مؤكدة أنها لا تنادى بمنع الدعاة بشكل عام من أداء دورهم، لكن يجب عليهم مراجعة ذاتهم قبل التطرّق إلى موضوعات ليسوا على إلمام كامل بها، لأن أمانة الكلمة ومسئولية الدعوة حمل كبير على عاتق الإنسان.

ويوضح الدكتور أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، أن هناك فرقاً بين بيان القرآن الكريم وبين تفسير القرآن وبين الخواطر، لأن حق البيان لله عز وجل وحده، حيث قال تعالى فى سورة القيامة «لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ».

أما تفسير القرآن فهو اجتهادات بشرية، لكن لها شروطاً ومناهج، ومن شروط المفسّر أن يكون حافظاً للقرآن الكريم كله، عارفاً بالقراءات القرآنية، ملماً بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، والقصص والحكم، والمعرفة بأحكام الآيات القرآنية، والدراية بالأحاديث النبوية ذات الصلة بالقرآن الكريم، متقناً للغة العربية وآدابها. أما المناهج التى يعود لها المفسر، فهناك تفسير بالمأثور، وتفسير بالمعقول، وبالجمع بينهما، وهناك تفسير يعتمد على التاريخ كالطبرى، وهناك تفسير للفقه كالقرطبى.

وأكمل الدكتور كريمة، قائلاً: هناك خواطر من العلماء الموسوعيين، وفارس هذا الميدان مولانا الإمام الشيخ متولى الشعراوى رحمه الله، أما ما يحدث الآن من الدعاة الهواة، فهم متطفّلون على العلم ولا يتحقق فى أى منهم شرط واحد مما ذكرناه، فهذا يجب الحجر العلمى عليه فوراً، وذلك حماية لكتاب الله، وأن يتوقف تماماً عن التفسير، ونستدل على ذلك بقول سيدنا أبى بكر رضى الله عنه، «أى سماء تظلنى وأى أرض تقلنى أن أقول فى كتاب الله كلمة واحدة». وتابع «كريمة» قائلاً: «ومن هنا يظهر التفاوت بين كل من يخشى أن يضع على عاتقه تلك المسئولية الكبيرة وكل من يتجرّأ على التفسير وتقديم الفتاوى بالجملة دون مراجعة أو دراية، وأتساءل ما دور مجمع البحوث الإسلامية؟ وهل دورهم فقط متابعة طباعة الكتب، أم مراجعة الكتب والمناهج من تدخلات المتزمتين والسلفيين والشيعة؟».

وأكد «كريمة» أن ما يحدث على الساحة الإعلامية حالياً أمر عجيب، حيث ظهر كثيرون ممن درسوا فى كليات أخرى لا ترتبط بالشريعة ولا الدراسات الإسلامية، مدعين أنهم خلفاء الشيخ الشعراوى، وهم حتى لا يدرون معنى كلمة الشعراوى، وتخفّى الجميع تحت عباءة كلمة الداعية الإسلامى، دون تقديم بيانات حقيقية عن طبيعة دراستهم والمراجع التى يبحثون فيها، ومن الطبيعى أن يحتاج المواطن البسيط إلى من يُفهمه بلهجة بسيطة معانى القرآن الكريم، ولكن أيضاً يجب أن يكون شخصاً متخصصاً، وهذا ما نجح فيه مولانا الشيخ الشعراوى، حيث كان ينصت إليه الكثيرون من جميع أطياف الشعب، وقدّم تفسيرات لغوية متميزة.

وأوضح هيثم أبوزيد، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، أن الحديث عن تفسير القرآن الآن، أصبح طريقاً لإضفاء القدسية الوهمية على بعض المفسّرين، والتربّح والشهرة من خلال تلك البرامج التليفزيونية، قائلاً: «أنا مش ضد كلام إسلام بحيرى لأنى مؤمن بحرية الرأى والتعبير، لكنى ضد عدم توضيحه مرجعية كلامه وسنده، وعدم اتباع المهنية فى مفرداته»، موضحاً أن هناك الكثير من المفكرين الإسلاميين الذين اتسموا بالشجاعة والجدية فى كتاباتهم ومؤلفاتهم مثل جمال البنا، ولم يتعرّض للهجوم أو الملاحقة القضائية أو غضب الجماهير منه، لأنه اتبع منهجية علمية فى ذلك البحث أوضحت دلالات قوية دون أن يستفز مشاعر جموع الشعب.

وأكمل هيثم أبوزيد، أن الدعاة الشباب الذين لقّبوا أنفسهم بالدعاة الجدد، هم فى طريقتهم وأسلوبهم أقرب إلى مدربى التنمية البشرية، وكلامهم ليس له وزن أو عمق فكرى، وإنما استغلوا ظهورهم بمظهر أقرب إلى الشباب وبملابس شبابية وبلهجة شبابية، مستهدفين ذلك القطاع من الجمهور كمن يستهدف قطاعاً محدداً من السوق ليروج لبضاعته، لكنهم لا يملكون فكراً حقيقياً ليمنحوه لهؤلاء الشباب. وأوضح «أبوزيد» أن المواطنين وجدوا أنفسهم بين شقى الرحا، بين الدعاة الجدد الذين يظهرون على الشاشات التليفزيون كنجوم السينما والدعاة السلفيين المتزمتين الذين يتحدثون بلهجة كلها تطرّف، ورغم غلق بعض القنوات الدينية التى كانت تبث روح التطرف بين المواطنين، فلا توجد هناك مراقبة واضحة عن المسالك التى سلكها هؤلاء الدعاة والشيوخ المتطرفون بعد غلق نوافذهم، ويجب أن نعترف بأن هؤلاء الدعاة تمكنوا من جذب الكثير من الأتباع إليهم، ليقوموا باستغلالهم، سواء على المنحى السياسى أو تشكيل أحزاب سياسية أو القيام باستقطاب بين أبناء الشعب الواحد. وأكمل هيثم أبوزيد قائلاً «مش عايز أذكر أسماء دعاة بعينهم، علشان مايبقاش تعنت ضد شخص دون الآخر».

ويوضح «أبوزيد» أن طبيعة الحياة المصرية تتسم بالمدنية، حيث لا يتم تطبيق الحدود، وشرب الخمر لا يزال أمراً محرماً بالطبع، لكنه غير مجرّم قانونياً، وطبيعة المصريين عامة تلجأ إلى السماحة والود، ولذلك رفضوا الدعاة المتطرفين ونظام الحكم الدينى المتطرّف بمنتهى التلقائية والعفوية. وأوضح «أبوزيد» أن الكثيرين قرروا أن يكونوا دعاة دينيين بين ليلة وضحاها، لأنهم لاحظوا أن فى ذلك الخير الكثير والشهرة والمال والسلطة وغيرها، ويجب على المواطن أن يمتلك عيناً نقدية، وألا يسمح لأى شخص بالتدخل فى حياته وإملاء الأفكار عليه.

 

الوطن المصرية

 

اخر الأخبار