"إنقلاب سعودي تاريخي".. يستحق القراءة!

تابعنا على:   11:13 2015-04-30

كتب حسن عصفور/ بعيدا عن "الشكليات" التجميلية التي رافقت الأوامر الملكية السعودية، والبادئة بمقتطف "بناء على طلبه"، فما حدث يمكن أعتباره "ثورة بيضاء" هي الإولى منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز، ليس في عدد الأوامر الملكية في يوم واحد، ومن طالتهم من أسماء ومناصب فحسب، بل انها أحدثت تغييرا شاملا في مسمى وراثة العهد شكلا ومضمونا، وكسرت التقاليد الموروثة منذ ما يقارب الثمانين عاما..

ما حدث هو "ثورة سعودية بيضاء"، بالمعني الشكلي، وقد يراها البعض غير ذلك، بل أن الأمير طلال بن عبد العزيز تعامل معها "خروجا عن المتفق عليه"، ورفض البيعة وفقا لما صدر، ودعا لاجتماع ملكي عاجل لبحث المستجدات، وبالطبع هذا النداء لن يجد له تجاوبا، فما حدث قد حدث، ولو كان هناك رغبة في توسيع المشاورات لحدثت قبل ان يتم الاعلان عنها، أما الآن فلم يعد طلب الأمير طلال ممكنا بل ومستحيلا.، لكنه قديشير الى "معارضة" لا يعرف حجمها ومدى تأثيرها لاحقا..

التغيير السعودي، أقدم على عملية "تجديد وتجميل" وجه الحكم وجسده، إذ أنه "كسر" التقاليد كافة ليدخل "عهدا جديدا" من جيل الحكام، في ظل محيط سياسي متسارع الحركة والتغيرات، وقد تكون تلك  أحد أسباب ذلك الانقلاب، خاصة وأن جوار المملكة من أنظمة باتت أكثر شبابا وحيوية وقدرة على التعاطي مع المتغيرات الاقليمية، والخطوة من الناحية العمرية تشكل ضرورة قصوى لا بد منها، للخروج من "النمطية التقليدية"..لكنها تقولبت في "جناح واحد" للعائلة الحاكمة، ولم تراع "التنوع المتعارف عليه"، وهو ما يفتح باب التساؤلات الداخلية..

لكن الأسئلة لن تقف عند "المظهر العمري" رغم أهميته، بل ستذهب وسريعا الى جوهر التغيير الذي حدث، وعلاقته بعدد من الأزمات التي تحيط بالمملكة، وما قد يكون لها من أثر على مستقبلها..

وتمثل الأزمة اليمنية أحد أهم التحديات التي تلقي بثقلها فوق المشهد السعودي، خاصة بعد أن دخلت حربا عسكرية يتوقف على نتيجتها الكثير لها، ليس فقط من حيث وزنها الإقليمي ودورها في البقاء كمؤثر ولاعب بشكل أو بآخر، بل أن وحدة الأراضي السعودية قد تصبح مهددة، إذا ما حدثت تطورات خارج السياق المحسوب عند قرار خوض حرب عسكرية..

كما أن نتيجة الحرب ستخلق واقعا جديدا في العلاقة مع ايران، فإن تمكنت العربية السعودية وتحالفها "غير الواضح" اساسا، من الخروج بما يمكن اعتباره "لا هزيمة" فذلك سيمنحها قدرا من الحضور الذي يحفظ لها "هيبتها السياسية" التي اكتسبتها في ظل غياب الدور الاقليمي المصري ما قبل ثورة 30 يونيو، وغير ذلك فالمغامرة قد تؤدي الى عملية إنهاك ستلحق ضررا سياسيا بالغا بها ومكانتها، وقد تستغله الولايات المتحدة، لفرض "شروط" وقيود مضافة لما لها الآن، قد تمس كثيرا من الحضور السياسي للعربية السعودية، وما يفقدها جانبا هاما من "مكانتها الاستقلالية"..

وايضا، فالأزمة اليمنية ستنعكس بقوة على "الموازنة العامة" للدولة السعودية، وبأن تكاليف الحرب ومتطلباتها ستكون على حساب متطلبات الحياة العامة للمواطنين، بما يمكن أن ينعكس "توترا اجتماعيا"، لا يجوز الإستهتار به خاصة وأن هناك مكونات قد تنفجر في لحظة لاعتبارات معلومة لأهل الحكم..

التغيير سيخضع ايضا لامتحان سياسي في العلاقة مع عدد من الدول العربية والاقليمية، خاصة العلاقة مع مصر ومسارها، وأيضا مع الباكستان وتركيا، الى جانب الموقف مع ما يسمى بجماعات "الاسلام السياسي"، وخاصة الجماعة الإخوانية، والتي واجهت رفضا سياسيا في عهد الملك الراحل عبدالله، خاصة بعد انكشاف دورها في مصر، وتلك مسألة لن يقف تأثيرها على "الداخل السعودي"، بل سيطال جوهر العلاقة مع مصر، وايضا دول عربية كالجزائر وليبيا والسودان..

التغيير السعودي أمام سلسلة اختبارات جادة وجدية، وطريقة التعامل معها سيحدد مكانة المملكة الاقليمي ومستقبل دورها السياسي، وتموضعها المطلوب، وهناك بعض التساؤلات التي بدأت سريعا، وبالاساس الموقف من العلاقة مع مصر وارتباطها بالجماعة الإخوانية..

وتحديد هذه المسألة، قد يكون "نقطة فاصلة" في مسار الوجهة السياسية وتحالفات المملكة في ظل "العهد الجديد"، ولأن القضية ليست  شأنا داخليا فحسب، بل له أثر مباشر على مجريات المنطقة وسير أزماتها المتلاحقة، هو رؤية "العهد الجديد" لكيفية صياغة العلاقة مع مصر والمعادلة التي أنتجتها ثورة 30 يونيو عربيا، بين مصر والامارات والسعودية، وارتباطها المتسق لفككة أزمات متداخلة..

وتحتل العلاقة مع مصر جوهر التعامل المقبل، لما لمصر من دور اقليمي ومكانة سياسية تتنامى بسرعة غير متوقعة في العلاقات الدولية، وعودتها لتصبح لاعبا ذي ثقل في القارة الافريقية، كما اعادة ترسيم جديد للعلاقة مع دول إوروبية غابت عنها طويلا، وبالأخص الدول الأوروبية المتوسطية، ذات المصالح المشتركة، قبرص وايطاليا واليونان وأسبانيا، تطور وحضور يمنح مصر قوة سياسية غابت كثيرا..

وبلا أدنى شك، فحل بعض الأزمات يرتبط بتفاهم مصري سعودي ومشاركة اماراتية، خاصة ملفات سوريا وليبيا والارهاب، ورغم التباين السعودي عن مصر والامارات في الملف السوري، الا ان التطورات الاقليمية، وانكشاف الدور التركي القطري مؤخرا، قد يكون عاملا مساعدا لـ"العهد السعودي الجديد" في اعادة التقييم للأزمة السورية ولخلق الأجواء لحل سياسي حقيقي بالتعاون مع مصر والامارات..

وتبقى العلاقات الدولية أحد المحطات الهامة المرتقبة، وكيفية التعامل معها، خاصة بعد أن كشفت أمريكا عن وجهها الحقيقي في أن مصلحتها فوق الجميع، وأنها على استعداد لبيع الجميع دون أدنى اعتبار لعلاقة او غيرها، ونموذجا الاتفاق النووي الايراني، وايضا الأزمة الليبية والعراقية، ولذا هل سيحدث استفادة مما كان في ظل التغيير الكبير، ويتم بناء العلاقات وفقا للمصلحة المتبادلة وليست التبعية والهيمنة، خاصة وهناك تغييرات دولية تمنح السعودية "جدارا واقيا"، يتجسد في عودة الدور الروسي بقوة ملموسة، الى جانب القوة المصرية المتحررة من اطار الهيمنة الأميركية..

تجديد شباب الحكم ضرورة، مع كل التحفظات التي أعلنتها اوساط من العائلة الحاكمة، وأطرافا تتوجس من "احتكار أحد أجنحة العائلة" لسدة الحكم، لكن تلك التحفظات أو الاعتراضات ستنتهي إن حدد "العهد الجديد" اسسا سياسية ومرتكزات تعيد الهيبة للقوة العربية، وتعزز من العلاقة العربية العربية، خاصة مصر السعودية مع الامارات..

وتحديد عناصر علاقات اقليمية ودولية تأخذ المصلحة العربية معيارا لها، بعيدا عن المسميات أو الموروث السياسي القديم، ما يمثل دخولا لعصر "الإطار العربي الجديد" الذي اشار له الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي خلال زيارته الأخيرة للسعودية، إطار سياسي أمني اقتصادي يعيد الحضور العربي كمعادل فاعل في السياسية الدولية..

ذلك ما ينتظر من التغيير ليكون خادما لقضية العرب.. وكي لا يقال عنه غير ذلك!

ملاحظة: ما فعلته أجهزة حماس الأمنية ضد "الحراك الشبابي" ليس عيبا وطنيا فحسب، بل يمنح أجهزة السلطة في الضفة أن تفعل ما يحلو لها بعناصر حماس وتحت ذريعة انهم خارج السياق - والمنطوق الوطني..الحماقة لا تنتج الا حماقة يا حماس!

تنويه خاص: نحتاج توجيه "شكر خاص" لأصحاب المشروع الانفصالي لقطاع غزة، لتنشيطهم ذاكرة الرئاسة لتكريم أحد المع شعراء الوطن والمناضل الميداني الشيوعي الكبير معين بسيسو..من قاد أول معارك اسقاط "مشروع التوطين في سيناء" عام 1955، وصاغ الشعار الشهير: "لا توطين ولا اسكان يا عملاء الأميركان"..عجبي!

اخر الأخبار