هذه الموجة من نقد الرئيس

تابعنا على:   11:58 2015-04-29

انور الهواري

لستُ أحرّمُ على زُملائى ما أُحلُّه لنفسى، من حق كل ذى رأى أن ينتقد الرئيس، ومن حق كل مواطن أن يُحمّله مسؤوليةَ هذا التردى فى أداء المؤسسات العامة، ومن واجب الرئيس أن يعتبر ذلك واحداً- وليس كل- من مؤشرات الرأى العام.

ومن هذا الاعتقاد فى مسؤولية الكلمة، كتبتُ ما يصلُ إلى ثلاثمائة مقالة فى نقد الرئيس، أعترفُ بأن كثيراً منها تجاوز كل الخطوط الحُمر، وكثيراً منها كان عنيف العبارة شديد اللهجة غاضب المزاج، وأشهد أن أحداً لم يعترض ولم يوقف ما أكتب، بل بقيت علاقةُ الود مع من أعرف من رموز الدولة قائمةً على حالها، فلم يُفسِدُ خلافُ الرأى ما بيننا من احترامٍ ومودة.

لكن كان نقدى للسيد الرئيس وسيبقى مُنطلقاً من عدة اعتبارات:

رقم واحد: اعترافى بمسؤوليتى عن المشاركة فى 30 يونيو، والانطلاق منها، مؤمناً أن بقاء الإخوان فى الحكم كان يعنى ضياع ما تبقى من الدولة قائماً، بمثلما كان يعنى تدمير ما بقى من المجتمع مُتماسكاً، كُنتُ ومازلتُ مستعداً للحساب على اعتقادى أن: الجماعة والدولة لا تلتقيان، والتنظيم والشعب لا يتعايشان، وأن تفكيك الجماعة وتنظيمها ضرورة حتمية لبقاء الدولة وتماسك المجتمع. وأن يجرى هذا التفكيك فى إطار الدستور والقانون، ومع كامل الاحترام لحقوق المواطن سواء كان من الإخوان أو من المتعاطفين معهم، وهم كثيرون.

رقم اثنين: إصرارى العنيد على خطأ ترشح السيد وزير الدفاع للرئاسة ليس اعتراضاً على شخصه، ولكن: حمايةً وصيانةً لدوره البطولى فى الأيام العشرة التى سبقت 30 يونيو 2013م، وحمايةً وصيانةً للمؤسسة الوطنية الوحيدة القائمة على حالها، والتى يُكتبُ عليها فى لحظات الخطر أن تكون الرافعة الوحيدة التى تنقذ الدولة وتحمى المجتمع. وكان اعتقادى ولايزال أنها عشرةُ أيام ذات طابع استثنائى تكفيه مجداً وبطولةً، دون حاجة لأن يتورط فى مستنقع الرئاسة، ليتحمل وليدفع فاتورة عقود طويلة من الفساد والترهل والتخلف الإدارى. لهذا كُنتُ أفضل أن يكتفى برفع غُمَّة الإخوان، ثم يعود إلى موقعه الحصين فى وزارة الدفاع، دون حاجة لأن يتولى- بشخصه- إعلان بيان إسقاط الإخوان وخريطة الطريق فى مساء 3 يوليو، ودون أن يتصدر للرئاسة، ودون أن تتحمل معه المؤسسة العسكرية أوزار عقود طويلة من الخطايا السياسية.

رقم ثلاثة: لهذا كُنتُ أعتبرُ نفسى من الأقلية الهامشية التى تقفُ ضد مشروع الإخوان ولكنها- فى الوقت ذاته- متحررة من تأييد الرئيس فى كل شىء، بل وجدتُنى- دون سابق تدبير- أعارضه فى كل شىء، وكُنت أعتبر هذا الموقف من جانبى وقوفاً مع الدولة وإن كان ضد رئيسها، ومع الجيش وإن كان ضد الرجل القادم من صفوفه، وكنتُ أعتبر هذا النقد خدمة مهنية أسعى بها لإحداث ما أستطيعه من توازن مع الأغلبية الصحفية والإعلامية الكاسحة التى اختارت- ولها كل الحق- أن تؤيد الرئيس فى كل شىء.

رقم أربعة: من حق الأغلبية الصحفية والإعلامية التى أعلنت تأييدها لترشح الرئيس ولسياسات الرئيس أن تغير رأيها، ولكن عليها أن تعترف بمسؤوليتها الكاملة عن المشاركة فى كل قراراته المصيرية: بدءاً من خلع البدلة العسكرية، إلى اختيار محلب- الكسيح سياسياً- رئيساً للوزراء، إلى تكتيكاته فى حرب الإرهاب، إلى تعثره فى تنفيذ خريطة الطريق. من الأمانة أن نقول: صحيح أن الرئيس هو من يتخذ القرار، ولكن هذه الأغلبية الصحفية والإعلامية ومَن وراءها من قوى المال والأعمال كانت شريكة شراكة كاملة فى صناعة القرار. ولو كانت ثقافة المروءة لايزال لها وجود فى هذا الزمان لقلتُ: إن المروءة تستدعى أن يبقى هؤلاء على ولائهم للرئيس، وأن يقاتلوا دونه، وأن يتصدوا للدفاع عن سياساته، أو لتصويبها من موقع الالتزام بالرجل، وليس من باب التنصل المُباغت والمُفاجئ منه.

رقم خمسة: للأسف الشديد، تعلمتُ- فى السنوات الأخيرة- أن أشك، ولكن دون تشكيك فى النوايا. وسوف أعتبر هذه الموجة العنيفة فى نقد الرئيس من مؤيدى الرئيس نوعاً من حرية الإعلام. وتبقى الكُرةُ فى ملعب السيد الرئيس أن يُعلن على الأمة المصرية بياناً وافياً يُجيبُ فيه عن الأسئلة الحائرة: لماذا هذا التدهور فى كل مؤسسات الدولة؟! لماذا التعثر فى استكمال خريطة الطريق؟! لماذا المماطلة فى البرلمان؟! لماذا الاحتفاظ بمحلب وحكومة محلب؟! ما حجم مشاركتنا فى حرب اليمن؟! ماذا أنجزنا فى ملف الإرهاب وماذا لم نُنجز؟!

آخرُ الكلام: ننتقدُ الرئيس، لكن من دماغ وطنية محضة، من ضمير وطنى مُنزّه عن الهوى والغرض.

عن المصري اليوم