المؤامرة . . نظرية أم حقيقة؟

تابعنا على:   11:52 2015-04-29

عاطف الغمري

من وقت إلى آخر، تثار آراء، تشكك في وجود نظرية المؤامرة، وتنفي أن تكون لها صلة بالواقع، وبأنها نظرية تستخدم من جانب دول لتبرير أخطاء ترتكبها، وتلقي بمسؤوليتها على آخرين .

حتى إن مصرياً يحمل الجنسية الأمريكية، وسبق أن عمل موظفاً بالبيت الأبيض، استضافه برنامج تلفزيوني في مصر، قال إن الحديث عن وجود المؤامرة، ضد هذه الدولة أو تلك، ليس صحيحاً، فهذا كلام يتحدث عن نظريات، لم يحدث أن وضعت موضع التنفيذ .

وإذا كان كلامه صحيحاً، هو أو من يشككون في وجود ما يسمى نظرية المؤامرة، فماذا سيقولون عما سبق أن أعلنه الرئيس الأمريكي جيرالد فورد رسمياً عام ،1975 من رفضه لأسلوب المؤامرات في السياسة الخارجية، ومطالبته بإيقافها . وهي المؤامرات التي شملت عمليات تنفذها المخابرات المركزية، لتدبير انقلابات، أو اغتيال زعماء، أو إشعال حروب أهلية أو إقليمية .

وهي العمليات التي عرفت باسم "الباب الخلفي للسياسة الخارجية"، والتي كشفت عنها وثائق أمريكية منها، محاولات اغتيال لومومبا، والتي نفذتها فيما بعد المخابرات البلجيكية . وأيضاً محاولة إطاحة عبدالناصر، والتي كشفها رجل المخابرات الأمريكية السابق الكولونيل باتريك لانغ، عن اتصال المخابرات الأمريكية بالإخوان المسلمين في القاهرة، والاتفاق معهم على خطة لإطاحة عبدالناصر، والتي تحولت بعد ذلك إلى مؤامرة لاغتياله، من جانب جهاز المخابرات الخارجية البريطاني(MB6) ، حين كلف رئيس وزراء بريطانيا، رجل مخابراته في مصر جورج يانغ، بالاتفاق مع الجهاز الخاص للإخوان لتنفيذ خطة اغتيال عبد الناصر عام 1954 . وهو ما كشفته وثائق هذا الجهاز البريطاني، بعد رفع الحظر القانوني عنها، لمرور 30 عاماً عليها .

كما نشرت في الولايات المتحدة كتب ودراسات عن المؤامرة، لمسؤولين سابقين، وكيفية انتقالها من الإطار النظري إلى أرض الواقع، وكثير منها تحدث عنه في كتبهم ضباط سابقون بالمخابرات الأمريكية بعد تقاعدهم، منها مؤامرات لإطاحة حكومات ديمقراطية منتخبة، مثلما حدث في غواتيمالا عام 1954 .

وأيضاً ما نشر من وثائق حكومية وأقوال لشهود عيان، أثبتوا أن لي هارف أوزوالد الذي اتهم باغتيال الرئيس جون كنيدي ليس هو القاتل الحقيقي . بل كانت هناك مؤامرة شاركت فيها أطراف في الدولة الأمريكية ذاتها .

وأن الوكالات المتعددة للمخابرات في الولايات المتحدة، وعددها 16 وكالة، بالإضافة إلى مخابرات حلفائها، بما فيها "الموساد"، قد اخترقت منظمات إرهابية، لدفعها نحو ارتكاب أعمال تخدم في النهاية هذه الأجهزة .

والرأي العام الأمريكي ذاته، لا ينكر وجود المؤامرة، وهو ما أكدته استطلاعات للرأي، تحدث عن أحد هذه الاستطلاعات والذي أجري عام ،2006 عالما السياسة اريك أوليفر، وتوماس وود . وقالا إن 52% من الأمريكيين يؤمنون بنظرية المؤامرة .

أيضاً، كان عالم السياسة كريغ روبرتس المحاضر بأربع جامعات أمريكية، وله عديد من المؤلفات التي صدر بعضها عبر جامعتي هارفارد، واكسفورد، قد تحدث عن نظرية المؤامرة . وقال إن هذا المصطلح لم يعد يعني مجرد شرح للمؤامرة، بل يعني وجوداً حقيقياً لها . وأن المفهوم الشائع لنظرية المؤامرة، يشير إلى نظام عالمي، تمتلك فيه نخبة سرية قوية، أجندة عالمية لتنفيذ المؤامرة على مستوى العالم .

والحقيقة أن المؤامرة، في كثير من الحالات، تظل حبيسة إطارها النظري، إلى أن يلجأ الطرف المستهدف منها، إلى تصرفات يستخدمها أصحاب المؤامرة، كمبررات قانونية وأخلاقية، لتنفيذ خطتهم . أو ما يسمى في علم السياسة بالثغرة . بمعنى أن هذه الظروف، تخلق ثغرة في جدار الحماية، والدفاع، والأمن، للطرف المستهدف، تنفذ منها القوى الخارجية، لتوجيه الضربة المقررة، بحيث تكون مقنعة ومقبولة من العالم .

وهو ما حدث - مثلاً - مع صدام حسين، الذي أقام نظاماً استبدادياً، متسلطاً، ومارس أفعالاً ضد شعبه، تتنافى مع الحرية، والإنسانية، فجلب على نفسه وعلى نظامه، موجات من الرفض والكراهية، شكلت الثغرة التي دخل منها الغزو الأمريكي للعراق .

إن أي رفض، أو تشكيك في نظرية المؤامرة، يظل في حد ذاته تصوراً نظرياً، بينما المؤامرة في مواجهته حقيقة واقعة . ويكفي النظر أمامنا، عن قرب، لما يجري في عالمنا العربي، من إشعال للفوضى، وزعزعة الاستقرار، وهجمات الإرهاب، وتدمير المجتمعات، في العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن - بصفة خاصة - وعلى نفس النمط، ولنفس الأهداف، لكي تتجسد أمام الأعين، المؤامرة في صورتها التنفيذية والواقعية .

عن الخليج الاماراتية