آيات "حمَّالة أوجه" يستغلونها لتبرير الذبح والحرق ( 4 )

تابعنا على:   16:07 2015-04-28

استعانت التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها «داعش» و«القاعدة» و«بيت المقدس» و«أجناد مصر» و«الإخوان»، بعدد من الآيات القرآنية، بعد تحريف تفسيراتها، لتبرير موجات القتل والتخريب والإرهاب فى الوطن العربى، حيث رصدت «الوطن»، عبر المواقع والمنتديات الجهادية، مجموعات الفتاوى والآيات القرآنية التى اعتمدت عليها الجماعات التكفيرية لتبرير إرهابها.

ففى البداية، استباحت هذه التنظيمات دماء غير المسلمين، بسهولة تامة، فهم يرون، حسب أحد مقاتلى «داعش»، ويُدعى «أبومحمد البغدادى»، أن العالم عبارة عن 3 أقسام، الأول: أهل الإسلام، ويتنسبون إليه، والثانى المسالمون للإسلام والمهادنون لأهله بذمة أو أمان، وهذان القسمان، دماؤهم وأموالهم معصومة إلا أن يأتى أحدهم بفعل يُباح به دمه وماله، والثالث: هو كل ما عدا القسمين السابقين على وجه الأرض، فكل إنسان، من وجهة نظر التنظيمات التكفيرية، من أهل الأرض لا يُسالم الإسلام، وليس له مع هؤلاء عهد أمان أو ذمة، فهو كافر محارب لدين الله لا عصمة لدمائه أبداً وقتاله واجب.

ويستند التكفيريون فى هذه الحكم إلى قول الله تعالى، فى سورة التوبة: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، حيث فسر الجهاديون هذه السورة، أنها بمثابة أمر إلهى بقتل من لم يؤمن بالإسلام وليس له عهد أمان أو ذمة، على اعتبار أن دمه وماله مستباح.

كما أباح الإرهابيون، بهذه السورة، على حسب أحد العناصر الجهادية، ويُدعى أبوعباس الليبى، اغتيال من وصفهم بالكفار، وقتلهم مثلما حدث فى باريس، خلال الهجوم الإرهابى على صحيفة «تشارلى إيبدو»، وكذلك الهجوم الذى استهدف متحف «باردو» بتونس، وأسفر عن مقتل 22، بينهم سائحون، حيث ترى الجماعات التكفيرية أن قول الله تعالى «وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» يعنى إباحة استهداف من وصفوهم بـ«الكفار»، فى أى موضع ومكان، من خلال نصب الكمائن، والاغتيالات.

كما استغل «داعش والقاعدة»، قول المولى عز وجل فى سورة الأحزاب «مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِّيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ»، وكذلك قول الله فى سورة البقرة «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ»، وفى سورة التوبة «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ»، لإباحة العمليات الانتحارية التى تستهدف قوات الأمن والمواطنين غير المسلمين فى الدول العربية، والفتوى بأن منفذيها من الشهداء وسيدخلون الجنة، من باب أن العمليات الانتحارية من القوة التى تُرهب عدو الله الذى أمر المولى بالإعداد لها، ومن الأمور المهمة فى موضوع الجهاد.

ورفضت الجماعات الجهادية اعتبار منفذى هذه العمليات منتحرين، فالمنتحر من وجهة نظر أحد كوادر تنظيم القاعدة، ويُدعى أبوهشام المصرى، شخص يئس من رحمة الله ولم يتحمّل أمور الدنيا، أما الجهادى الذى يُفجّر نفسه، ففعله هذا لنصرة الدين ومحاربة «الكفار»، ودللوا على ذلك بقول الله تعالى «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ». كما استندت الجماعات الجهادية، حسب هشام المصرى، إلى قول الله تعالى فى سورة «الفتح»: «قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ»، وكذلك قول الله فى سورة «الأنفال»: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ»، لتبرير قتال غير المسلمين، حتى لو لم يبدأوا هم بالعداوة والحرب، بحجة أن كفرهم فى حد ذاته سبب كفيل لقتالهم.

أما عن العمليات التخريبية التى تنفذها الميليشيات الإسلامية، ومن بينها على سبيل المثال، «الإخوان» داخل مصر، من خلال زرع العبوات الناسفة أمام شركات الاتصالات والمؤسسات الاقتصادية والحيوية والأمنية فى البلد، فقد استندت تلك الجماعات، حسب فتوى الجهادى أبومريم البغدادى إلى قول الله تعالى فى كتابه العزيز، فى سورة «الحشر»: «مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَاسِقِينَ» لتبرير تلك الآية، التى نزلت عندما نزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ببنى النضير وتحصّنوا فى حصونهم، فأمر بقطع نخيلهم وإحراقها. وأجازت الجماعات التكفيرية، بهذه الآية الكريمة، إتلاف كل ما من شأنه أن يتقوّى به أعداء الله، فى إشارة إلى الدول والحكومات، والذى بزواله تضعف تلك الحكومات، كاستهداف المنشآت الاقتصادية والأمنية، التى تؤثر بالسلب على اقتصاد هذه الدول وتنشر الفوضى والذعر بالبلد.

أما المرجع الدينى الذى لجأت إليه الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها «داعش وبيت المقدس والإخوان»، فى قتل المسلمين، وجنود الجيوش العربية، حسب فتوى موجودة على أحد المواقع الجهادية، هى أن هؤلاء فى حكم المرتدين، حيث ترى تلك الجماعات أن الردة أنواع، وهى ردة بالاعتقاد، كالشرك بالله أو جحده أو نفى صفةٍ ثابتة من صفاته أو إثبات الولد لله، فمن اعتقد ذلك فهو مرتد كافر، وردة بالأقوال، كسبّ الله تعالى أو سبّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، وردة بالأفعال، كإلقاء المصحف فى محلٍ قذر، أو منع إقامة شرع الله، أو التعاون مع من يصفونهم بـ«أعداء الله». وهو المنطق نفسه الذى أحرقت به «داعش» الطيار الأردنى «معاذ الكساسبة»، على اعتبار أنه ارتد عن الإسلام، لتعاونه مع التحالف الدولى، لضرب المسلمين فى العراق وسوريا، بالطيران، على حد وصف تلك الجماعات، واستعانت الجماعات التكفيرية بقول لله تعالى فى سورة «البقرة»: «وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»، لتبرير تكفيرهم للمسلمين، غير الموالين لهم، والجيوش العربية، وهو المبرر نفسه الذى يستهدف به ميليشيات «الإخوان» و«بيت المقدس» فى سيناء، قوات الجيش والشرطة فى مصر، حيث أفتى القيادى الإخوانى وجدى غنيم، بردة الجيش المصرى والرئيس عبدالفتاح السيسى، حيث زعم أن الجيش المصرى استعان بالطائرات الإسرائيلية لضرب السيناويين فى سيناء، وهو ما يضع قوات الجيش وقياداته فى حكم المرتد، واستعان فى هذا بقول الله تعالى فى سورة المائدة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»، وكذلك قول الله فى سورة «النساء»: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا»، علاوة على قول المولى عز وجل فى سورة «الذاريات»: «فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ».

كما تورطت «داعش» فى تكفير الحكام بغير حق، وبتأويل منحرف لقول الله تعالى «وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»، مع أن ثبوت التكفير أمر دقيق ومعقّد، ولا يصدر إلا بحكم قضائى، لكن عناصر «داعش» اعتدوا على القرآن ونسبوا إليه ما لم يقله، ثم اغتصبوا لأنفسهم مرتبة القضاة الذين يحق لهم وحدهم التحقيق وإصدار الحكم بالتكفير أو عدمه. وكفّروا العديد من غالبية رؤساء الدول والحكومات، وكل التنظيمات الجهادية المعادية لهم، وكل من لا يتبعون نهج «التنظيم»، وصدرت كتب عدة ودوريات عن «التنظيم»، من بينها مجلة «دابق»، التى اعتبرت أيمن الظواهرى، زعيم تنظيم القاعدة، من المرجئة.

كما استغل «داعش» آيات القرآن، لتحليل جهاد النكاح، حيث نشر «التنظيم» مؤخراً، 32 فتوى، فى كتيّب حول نكاح السبايا. ويوضح الكتّيب تفاصيل صادمة عن شروط ممارسة الجنس مع «السبايا» ومتى يمكن ضرب المرأة، وفى أى ظروف يُسمح باغتصاب الفتيات الصغار. واحتوى الكتيب على سؤال حول «جواز وطء السبية»، وكانت الإجابة: «يجوز وطء السبية، قال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [المؤمنون]»، وما ملكت أيمانهم هم السبايا. وفى سؤال آخر حول «الزواج من أمة مسلمة أو كتابية»، كانت الإجابة: «لا يجوز زواج الحر من الإماء المسلمات أو الكتابيات إلا لمن خشى العنت على نفسه، والعنت هو الزنا، قال الله تعالى (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) إلى قول الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)».

وفى سؤال آخر، حول إقامة الحدود على الإماء؟، كانت الإجابة: «إذا ارتكبت الأمة ما يُوجب الحد أقيم الحد عليها. ولكن ينصّف عليها فى الحدود التى تقبل المناصفة. قال الله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) النساء، 25». وانتشر مقطع فيديو مصور، أول نوفمبر الماضى، تحت عنوان: «داعش يبيع نساء الطوائف فى سوق السبايا بالموصل»، يظهر فيها عناصر من تنظيم داعش، وهم يتحاورون فيما بينهم عن شراء سبايا يزيديات من شخص من أهل المدينة. وعناصر «داعش» قاموا بخطف المئات من النساء من الإيزيديات والمسيحيات كسبايا، وعرضوهن فى إحدى الأسواق لبيعهن، خلال العام الماضى. ونشر «التنظيم» رسالة على شكل مرسوم يحدد أسعار السبايا من النساء، يرجع تاريخها إلى 21 ذى الحجة 1435 هجرية. حيث تضمنت الرسالة أن سوق بيع الغنائم والنساء قد شهدت انخفاضاً كبيراً، وهو ما يؤثر على إيرادات الدولة الإسلامية وتمويل المجاهدين فيها.

وحول ضرورة مبايعة أبوبكر البغدادى، زعيم «التنظيم» خليفة للمسلمين، أفتى تركى البنعلى، أحد كبار شرعيى «التنظيم»، فى كتابه «مدوا الأيادى لبيعة البغدادى»، بأنه لا بد من مبايعة «البغدادى»، كونه توافقت فيه كل شروط البيعة. وقال: «وردت لفظة بايع فى القرآن الكريم كما فى سورة التوبة، الآية 111، قال تعالى: «فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ»، وفى سورة الفتح فى الآية العاشرة: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ»، وفى الآية 18 «لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»، مكفّراً كل من لم يبايع «البغدادى». وحول عملية الذبح التى يمارسها عناصر «التنظيم»، قال فى إحدى فتاواه: «يجوز ذبح الكفار وجز رؤوسهم، قال الله تعالى (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) محمد، 4». واستند إلى هذه الفتوى فى ذبح الكثير من رهائنه من الصحفيين الأجانب، والأقباط المصريين.

وممارسات «داعش» وأساليبه فى القتل والذبح، ليست جديدة، إذ إن نهج الذبح بدأ مع أبومصعب الزرقاوى، بالتزامن مع الاحتلال الأمريكى للعراق، 2003، وأصبحت معه عمليات الذبح والقتل راسخة لمن جاءوا من بعده أو صاحبوه، حتى مقتله فى 2006، حتى أُطلق عليه فى الأوساط الجهادية «أمير الذبّاحين»، ونفّذ بنفسه العديد من عمليات نحر الرقاب، ونفّذت شبكته -آنذاك- العديد من عمليات القتل والذبح فى حق عدد الرهائن من مختلف الجنسيات الأمريكية والأوروبية والآسيوية، وكان تنظيمه يقوم بتصويرها ويبثها على شبكات الإنترنت، واستمرت سياسة «الذبح» ورعب الأعداء، حتى أصبحت شعاراً لـ«التنظيم» «جئناكم بالذبح»، على يد أبوبكر البغدادى.

اخر الأخبار