روسيا تنتصر

تابعنا على:   10:08 2013-12-02

علي بردي

يجادل ديبلوماسيون أوروبيون بأن أولويات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تتغير. تعبر إدارة الرئيس باراك أوباما بثبات عن اهتمامها الجدّي بثلاثة عناصر: عدم التعرض لأمن اسرائيل، منع ايران من صنع سلاح نووي، وتفكيك ترسانة سوريا من الأسلحة الكيميائية. يحل كل ما عدا ذلك في مرتبات أدنى. يعتقدون أن هذه السياسة أتاحت لروسيا أن تنتصر.
تضافرت عوامل عدة لتكون الولايات المتحدة أكثر واقعية. يدرك المسؤولون فيها حقيقة كون تمدد سلطان بلادهم بعد انهيار الإتحاد السوفياتي لا يمكن أن يكون بلا حدود. ينتظر الأميركيون بفارغ الصبر عودة جنودهم من أفغانستان بعدما انسحبوا من العراق. ينشغلون أكثر من أي وقت مضى بإعادة تنشيط الإقتصاد وإصلاح أنظمة التعليم والطبابة والضمان الإجتماعي. يأملون في استعادة "الحلم الأميركي" في أرض الفرص. لا يزالون يتطلعون الى التغيير الذي وعدهم به أوباما ليكون مفتاح تغيير العالم. لا بأس بالإنكفاء وبوقعه على بقية الدول والأمم.
روسيا في مكان آخر. تلعب لعبة أخرى. تجاريها ايران في السعي الى الإفادة من إعادة ترسيم مناطق النفوذ ولو على حساب ترسيخ الحدود. تباً للإستعمار وما رسمه قبل نحو قرن أو أقل بقليل.
ثابر الكرملين على سياسة الإعتراض على التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وعلى تغيير أنظمة الحكم في أي مكان. كيف لا تفعل ذلك مع سوريا، حيث لها قاعدة صغيرة في طرطوس – وهي القاعدة العسكرية الوحيدة لها خارج الإتحاد السوفياتي السابق. لا تزال روسيا المصدر الرئيسي لسلاح الجيش في سوريا. "شحمة على فطيرة" أتى عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وضع الترسانة السورية من الأسلحة الكيميائية تحت الرقابة الدولية تمهيداً لتفكيكها. المسألة تتجاوز سعي موسكو الى حماية مصالحها وتحدي الجهود الديبلوماسية لواشنطن في الشرق الأوسط. يعتقد الديبلوماسيون الأوروبيون أن الديبلوماسية الروسية نجحت - عبر الموضوع الكيميائي - في حشد الدعم الدولي، ولو مبطناً، لمشروعية المعركة التي يخوضها الأسد. يخشى أن يكون مؤتمر جنيف الثاني المحدد في 22 كانون الثاني 2014 مناسبة لنزع أي شرعية محتملة عن المعارضة السورية.
يثير الفزع عند الأميركيين أن الجماعات الإرهابية تجد الآن أرضاً خصبة للنمو السريع بسبب تحول الثورة السورية حرباً ضروساً بالأصالة عن السوريين أنفسهم – وكذلك بالوكالة بين السنة والشيعة ومن وراءهم من رعاتهم الإقليميين.
جاء الرئيس الايراني حسن روحاني في الوقت المناسب ليس فقط ليخرج بلاده من تحت عبء العقوبات الدولية القارصة، بل أيضاً ليلبي حاجة أميركا الى الإبتعاد عن غلواء الحرب. تجادل موسكو الآن بأن الإتفاق النووي الأخير مع ايران يسحب الحجج الأخيرة لدى الولايات المتحدة في مسألة نشر نظام الدفاع الصاروخي على حدود روسيا في أوروبا الشرقية.
نعم، روسيا تنتصر. البقية تأتي.

عن "النهار" اللبنانية