الخليج... إيران... وإسرائيل!

تابعنا على:   07:24 2013-10-08

أمد/ كتب د. حسن عبدالله جوهر: تناولنا في المقال السابق جملة من المسوغات السياسية والاستراتيجية التي دفعت كلاً من الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الإيراني حسن روحاني للتفكير بجدية بفتح حوار مباشر بين الطرفين بعد قطيعة دامت لأكثر من ثلاثة عقود، وشملت تلك العوامل تشابك العديد من الملفات الإقليمية والدولية إضافة إلى نمط تفكير الرئيسين والظروف الاقتصادية التي يعانيها بلداهما.

وطريق هذا الحوار طويل تتخلله معوقات صعبة وتحديات من المؤسسات الداخلية سياسية كانت أو استخباراتية وعسكرية وحتى على مستوى الرأي العام الشعبي، ولكن محاولة كسر الحاجز الجليدي الكبير استقبل بالترحيب والتفاؤل من دول إقليمية وأجنبية كثيرة باستثناء إسرائيل وبعض دول الخليج.

وليس من قبيل المفاجأة أو المصادفة قيام عدد من القنوات التلفزيونية الإسرائيلية الإفصاح عن لقاءات مباشرة بين كبار المسؤولين اليهود ومن بينهم رئيس الوزراء نتنياهو مع مسؤولين كبار من دول خليجية مهمة خلال اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة.

خشية إسرائيل من أي تقارب أميركي- إيراني قد يعني بداية انتهاء العصر الذهبي للدولة الصهيونية كطفل مدلل للولايات المتحدة، أو على الأقل كنقطة محورية للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وما يزيد الطين بلّة الفتور الكبير بين إسرائيل والولايات المتحدة في عهد إدارة أوباما، مما يزيد من الضغوط الدولية على تل أبيب وعزلتها، ولربما يكون بقاء هذه الدولة المزروعة في قلب العالم العربي على المحك، حيث تشير بعض استطلاعات الرأي أن أكثر من 51% من يهود إسرائيل يفضلون الهجرة إلى الخارج على البقاء، بينما تصل النسبة إلى 80% ممن يشجعون أبناءهم للسفر إلى الخارج بقصد الهجرة الدائمة.

لهذا تحاول إسرائيل خلط الأوراق من جديد وتشكيل جبهة مع دول خليجية لإحباط أي مشروع مصالحة بين إيران وأميركا، أو حتى التسويق لنفسها بأنها البديل الأمني والحليف العسكري ضد إيران وأطماعها في الخليج.

وقد لا تكون هذه رؤية خليجية موحدة، إنما اجتهادات فردية من بعض دول مجلس التعاون في محاولة لتغليفها خليجياً، والسبب في ذلك يعود إلى الخلافات الكبيرة بين دول الخليج في الشأن الخارجي وتبني كل منها عدوا خاصا بها، حتى في الشأن الإيراني، فالمواقف الخليجية تكاد تكون متباينة ومتناقضة، فبينما تعتبر دول مثل البحرين والسعودية إيران المسؤول الأول عن مشاكلها الداخلية والإقليمية، قامت سلطنة عمان بالوساطة بين الولايات المتحدة وإيران لبدء ما نشهده اليوم من حوار، وبالمثل فإن بعض دول الخليج تعتبر الامتداد الإيراني الطابور الخامس داخل حدودها في حين أن دولاً خليجية أخرى ترى الجماعات الدينية المتشددة هي الخطر الأكبر حالياً داخلياً.

ومن المؤسف أن تكون هذه حال خليجنا الذي يعتبر أغنى بقعة على وجه الأرض ومن أكثر الدول والمجتمعات انسجاماً، وهذه عناصر كفيلة بأن تمنحها القوة سياسياً واقتصادياً حتى عسكرياً بأن تكون قوة إقليمية تشكل توازناً ثابتاً مهما تغيرت المعادلات في المنطقة سواء من إيران أو غيرها بدلاً من تكون أداة تحركها القوى الكبرى يمنة ويسرة بحسب مصالحها أو أن تأتي إسرائيل لتضحك علينا هذه المرة وسط تهليل وترحيب ممن أعمتهم أحقاد التعصب والطائفية!

المقال السابق: أميركا وإيران وحوار بداية المشوار!

العلاقات الأميركية الإيرانية سوف تشكل محور اهتمام دولي وسط ترقب مثير من قبل الكثير من دول العالم، لما لهذا التطور اللافت من انعكاسات واضحة على ملفات سياسية وأمنية واستراتيجية متداخلة ومعقدة.

وكما كانت لحالة العداء التاريخية بين واشنطن وطهران تداعياتها على منظومة التحالفات والمحاور الإقليمية والدولية، فإن الصلح المرتقب من شأنه وضع قواعد جديدة للعبة بالتأكيد تغربل موازين القوة والنفوذ بسبب المقومات التي يملكها كل طرف.

إيران من جهتها نجحت في بناء تحالفات إقليمية وعالمية ذكية لم تساعدها فقط على البقاء والحفاظ على نظام الجمهورية الإسلامية رغم التحديات الصعبة التي واجهتها على مدى ثلاثة عقود، بل في تعزيز نفوذها السياسي عالمياً لتصل إلى الشرق الأدنى وإفريقيا وأميركا الجنوبية.

وإذا كانت الثورة الإسلامية أفقدت إيران أصدقاءها وحلفاءها الأوروبيين والأميركيين والإسرائيليين، وجميعهم من كبار أرستقراطيي العالم حيث المال والصناعة والتكنولوجيا، فإنها كسبت ود العديد من دول العالم الثالث وشعوبه، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لتكون الأب الروحي للمستضعفين والمحرومين، وبالتأكيد كان ذلك على حساب اقتصادها المحارب ومشاكلها الداخلية وضيق مساحة الحريات العامة التي كشفتها الانتخابات الرئاسية الأخيرة، واختيار حسن روحاني كبوابة للانفتاح على العالم الغربي وإزالة عقبة العقوبات الاقتصادية والتسويق لمشروعها النووي.

وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة تمر في أسوأ حالاتها السياسية والاقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، فلم تعد شرطي الكون ولا فتوة العالم، وتوالت على حلولها العسكرية حالات الفشل منذ فيتنام وانتهاء بالأزمة السورية، وكما إيران فإن الشعب الأميركي كشف بدوره رفضه للسياسة الأميركية الخارجية، وكان انتخاب أوباما عام 2008 وإعادة اختياره عام 2012 رسالة واضحة على الحوار والدبلوماسية في حل المشاكل وليس في المعارك التي التهمت جنوده وأفلست ميزانيته.

الملفات التي أثقلت الكاهل الأميركي في باكستان وأفغانستان، وفي  العراق واليمن، وفي كوريا وأميركا الوسطى بقيت عالقة، وزاد الطين بلة عودة الروس كعملاق دولي جديد، كما أن الديمقراطية التي طالما نادت بها الولايات المتحدة لم تأت مخرجاتها في معظم دول العالم الثالث بصديق جديد لواشنطن إنما بخصوم وأعداء إضافيين، ويشمل ذلك نتائج الربيع العربي.

مع ذلك تبقى الولايات المتحدة قوة عالمية خارقة بثقل كبير ومقومات متنوعة وفاعلة متى تم استغلالها وفق مبدأ الشراكة والندية والسياسة الواقعية.

الحوار الإيراني الأميركي إذن، في حال نجاحه، سوف يكون مفتاحاً لحلحلة ملفات إقليمية بالجملة بعدما أغرق الطرفان نفسيهما في مشاكل وتراكمات أكبر منهما، الأمر الذي رحبت به العديد من دول العالم واعتبرته فرصة تاريخية في زمن روحاني وأوباما الذي قد لا يتكرر مرة أخرى، ولكن الملفت أن إسرائيل وبعض دول الخليج هما الطرف الوحيد المستاء من هذا المشروع الجديد، وإذا فهمنا العلة الرئيسة عند إسرائيل باعتبارها الطفل الأميركي المدلل، فما أسباب انزعاج الخليجيين؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في مقال قادم بإذن الله.

عن الجريدة الكويتية

اخر الأخبار