فلسطين خرافية المكان والزمان

04:03 2013-10-08

صلاح صبحية

خرافية هي فلسطين ، وفلسطين هي السراب الخادع الذي نجري إليه ، نفتش عن فلسطين في كل مكان فلا نجدها في أي مكان ، نسأل المكان الذي أسموه فلسطين عن فلسطين فلا يعرف عن فلسطين شيئاً ، يأتي اليهود من كل مكان إلى المكان الذي يقال عنه فلسطين ليبنوا وطناً قومياً لهم ، حيث يصبح هذا الوطن القومي دولة يخشاها العرب والمسلمون ، وطن قومي ليهود من جنسيات وشعوب مختلفة يبنون دولة في المكان الذي لا يوجد فيه شعبٌ قادرٌ على أقامة دولته ، لأنّ أصحاب القرار في التجزئة وإقامة الدول لم يريدوا لفلسطين أن تكون دولة ، ومن أقيمت لهم دول أدركوا أن من مهامهم ألا تقوم دولة اسمها فلسطين ، وألا يكون بين الشعوب شعب اسمه الشعب الفلسطيني ، فيصبح الفلسطينيون أصحاب التيه في فيافي الأرض ،لاجئون فوق الأرض التي يدعون أنها لهم ، لاجئون في الدول العربية ، مطاردون من مخيماتهم في اللجوء إلى أماكن شطبهم النهائي وإسقاطهم من قائمة أسماء الشعوب ، لأنّ فلسطين خرافية الأرض وخرافية الشعب ، ولأنّ فلسطين خرافية المكان وخرافية الزمان ، هي حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة ، هي كلامٌ مباحٌ من كلام شهرزاد الذي لم يعد مباح ، فلسطين اسمٌ يعاقب عليه التاريخ عبر أقبية حماة التاريخ ، فأي فلسطين هذه التي نريدها وهي الممنوعة من السفر في كل زمان ومكان ، وهمٌ ما كان يحدث من ثورات على الأرض التي كان اسمها فلسطين ، والمدن التي تحمل أسماءً حركية ليست مدناً فلسطينية ، حيفا ويافا وعكا وصفد هي المدن التي كانت مجرد أغنية لأناس عمروها بضع سنين ومضوا ، مضوا إلى مخيمات استراحة الطريق المؤدي إلى الفناء الأبديّ ، فأصبحوا ظلاً لمأساة ولدت من ضعفهم وأودت بهم إلى أعالي الأرض يسألون الناس مجرد البقاء أحياء .

فلسطين الخرافية في المكان والزمان هي ضحية شعبها بكل ثوراته العظام ، هي ضحية من يأخذها شرقاً أو غرباً لتذبح في حسابات البنوك باسم قابيل الفلسطيني ، سماسرةٌ صنعوا من فلسطين وطناً وقضية وثورة ، ترفع فيها بيارق الوطني والديمقراطي والديني فتتمزق أرباً أربا ، ويفتح لفلسطين المزاد ، من يشطب فلسطين أكثر ، من يبعدها عن الزمان والمكان أكثر ، من يأخذها في صراع الآخرين أكثر ، من يجعلها تقرر شرعية الآخرين في قصورهم الظلامية ، فالشيكات مفتوحة لكل تلك البيارق ، فتصبح فلسطين هي الفصائل ، فلسطين فتح ، فلسطين حماس ، فلسطين الجهاد ، فلسطين الشعبية ، فلسطين الديمقراطية ، فلسطين الانقسام وفلسطين الانقلاب وفلسطين الحسم العسكري ، فلسطين المفاوضات وفلسطين الأنفاق ، فلسطين اللامقاومة ، فلسطين الغارقة في اتفاقات التهدئة ووقف الأعمال العدائية ، فلسطين جعجعة الناطقين بإسماء راياتهم ، فلسطين المسبيّة مخيماتها في الشتات ، فلسطين التي ترحل من كل مكان إلى كل مكان ، فلسطين الأقصى المدّنس بشرعية مرسي والسيسي ، فلتذهب فلسطين إلى حيث يريد الصهاينة لها أن تذهب ما دامت الشيكات مفتوحة الحساب باسم الرايات ، فلا يغرنك أيها الفلسطيني المكتوي جلده بكل أدعياء الفلسطينية ، فهم من باعوك في أسواق عهرهم السياسي ليبقوا أبواقاً تصرخ في مزادك العلني ، أي ثمن هم يقبضون في كل ما يدّعون ، وأي مسرح هم عليه يمثلون ، فالمخرج يعدّ الآن آخر فصول المسرحية ، فالبحر يبلعُ الفلسطيني ، فيا أيها الفلسطيني مزق تذكرتك التي دخلت بها هذا المسرح فهي لم يعد قيمة ، وأخرج من هذا المكان لترى قبرك الذي تدفن فيه نفسك ، فأنت القاتل وأنت القتيل ، لأنك كنت الغريب في أرض قيل أنها أرضك ، ولأنك الغريب في المكان يريدون منك الرحيل إليه ، فاقتل نفسك بعد أن أحرقت قارب رحلتك الطويلة ، ففلسطين هي خرافية المكان والزمان .

اخر الأخبار