صائد الأفاعى : التنظيمات السرية التى تخطط لحرق الفريق السيسي

12:49 2013-11-30

القاهرة / كتب محمد الباز: من يعرفون عبدالفتاح السيسى جيدا يجزمون أنه طوال عمره العسكرى كان يرى أنه لا يصح القسم بالولاء لرئيس الجمهورية.. لأنه فى النهاية مجرد إنسان، بشر يمكن أن يخطئ ويصيب، وكانت وجهة نظره أن القسم بالولاء لا يكون إلا للوطن فقط.

فى أولى الحفلات التى حضرها محمد مرسى لتخريج دفعة جديدة من الأكاديمية البحرية بالإسكندرية، وقف الطلاب ليقسموا: «أقسم بالله العظيم أن أكون جنديا وفيا لجمهورية مصر العربية محافظا على أمنها وسلامتها، حاميا ومدافعا عنها فى البر والبحر والجو، داخل وخارج الجمهورية، مطيعا للأوامر العسكرية منفذا أوامر قادتى، مخلصا لرئيس الجمهورية، محافظا على سلاحى لا أتركه قط، حتى أذوق الموت والله على ما أقول شهيد».

كان هذا القسم يتلى فى كل مناسبة عسكرية أمام رئيس الجمهورية، دون أن يثير حساسية أو حفيظة أحد، كانوا يدركون أن الرئيس الذى يقسمون أمامه يمين الولاء ينتمى إلى المؤسسة العسكرية، تربى على قواعدها وأخلاقياتها، وحتى لو تجاوز وزلت قدماه فى وقائع تتعلق بالفساد السياسى أو المالى، فإنه لن يفرط فى تراب أرض الوطن، ولن يقترب من الجيش ليعبث به أو فيه، محولا ولاء جنوده لشخصه هو، وليس لما يمثله من خلال منصبه السياسى.

لكن عندما أقسم طلاب الأكاديمية البحرية أمام محمد مرسى، استشعر كثيرون الخطر، فالرجل قادم إلى الرئاسة من جماعة لا تقدس معنى الوطنية، ولا منح الوطنية قيمة، ينظر أبناؤها إلى مصر على أنها جزء من خلافة كبرى، ولا مانع لديها أن يحكم مصر أندونيسى أو ماليزى، ثم إنه ينظر إلى الجيش بعين الريبة والشك، ولن يكون حريصا على وحدته أبدا.

من يعرفون عبدالفتاح السيسى جيدا يجزمون أنه طوال عمره العسكرى كان يرى أنه لا يصح القسم بالولاء لرئيس الجمهورية.. لأنه فى النهاية مجرد إنسان، بشر يمكن أن يخطئ ويصيب، وكانت وجهة نظره أن القسم بالولاء لا يكون إلا للوطن فقط.

فى أولى الحفلات التى حضرها محمد مرسى لتخريج دفعة جديدة من الأكاديمية البحرية بالإسكندرية، وقف الطلاب ليقسموا: «أقسم بالله العظيم أن أكون جنديا وفيا لجمهورية مصر العربية محافظا على أمنها وسلامتها، حاميا ومدافعا عنها فى البر والبحر والجو، داخل وخارج الجمهورية، مطيعا للأوامر العسكرية منفذا أوامر قادتى، مخلصا لرئيس الجمهورية، محافظا على سلاحى لا أتركه قط، حتى أذوق الموت والله على ما أقول شهيد».

كان هذا القسم يتلى فى كل مناسبة عسكرية أمام رئيس الجمهورية، دون أن يثير حساسية أو حفيظة أحد، كانوا يدركون أن الرئيس الذى يقسمون أمامه يمين الولاء ينتمى إلى المؤسسة العسكرية، تربى على قواعدها وأخلاقياتها، وحتى لو تجاوز وزلت قدماه فى وقائع تتعلق بالفساد السياسى أو المالى، فإنه لن يفرط فى تراب أرض الوطن، ولن يقترب من الجيش ليعبث به أو فيه، محولا ولاء جنوده لشخصه هو، وليس لما يمثله من خلال منصبه السياسى.

لكن عندما أقسم طلاب الأكاديمية البحرية أمام محمد مرسى، استشعر كثيرون الخطر، فالرجل قادم إلى الرئاسة من جماعة لا تقدس معنى الوطنية، ولا منح الوطنية قيمة، ينظر أبناؤها إلى مصر على أنها جزء من خلافة كبرى، ولا مانع لديها أن يحكم مصر أندونيسى أو ماليزى، ثم إنه ينظر إلى الجيش بعين الريبة والشك، ولن يكون حريصا على وحدته أبدا.

شعر من حضروا هذا اللقاء أنهم فى مأتم حقيقى وليس فى حفل كبير ومهيب، أسفوا للحال الذى وصلوا إليه، لكنهم التزموا بكلمة الشعب الذى جاء بهذا الرجل بالذات ليكون رئيسا للجمهورية.

وقتها كان عبدالفتاح السيسى مديرا للمخابرات العامة، وتلقى تقريرا عن الحالة التى استقبل بها القادة والضباط والجنود وقع قسم الولاء لرئيس الجمهورية فى وجود محمد مرسى الرئيس الإخوانى الذى لا يعرف شيئا لا عن قيمة الدولة ولا عن قيمة الجيش، ووقتها ربما يكون راوده ضرورة الدفع بتغيير نص قسم الولاء.

طالت الشهور بعبدالفتاح السيسى، رأى بعينيه ما أحدثه محمد مرسى وهو رئيس جمهورية، بدلا من أن يمنح جهاز الأمن قوته حتى يطبق القانون على الجميع، لجأ إلى ميليشيات الإخوان ليحمى نفسه من معارضيه، وبدلا من أن يحافظ على التراب الوطنى، راح يتنازل عنه مرة فى حلايب وشلاتين، ومرة فى سيناء حيث كان راعيا لمشروع دولة غزة الكبرى، وبدلا من أن يحرص على وحدة الجيش واستقلاليته، بدأ يستقطب بعض القادة منه ويعدهم ويمنيهم بمناصب أعلى، وهو ما كان يعرفه السيسى جيدا، فقد كان هؤلاء القادة يرفعون له على الفور ما يطلبه منهم محمد مرسى.

كان يمكن أن يعرض السيسى على محمد مرسى تغيير صيغة القسم، لكن كان يعرف جيدا أن رد الفعل لن يكون إيجابيا، من ناحية لأن مرسى يريد أن يسمع هذا القسم بالذات، الجيش المصرى كله يقسم له على الولاء، وقع القسم عنده رائع ولا يمكن أن يستغنى عنه، ثم إن الجماعة كانت ستتحفز أكثر، فمعنى أن يطلب السيسى تغيير القسم وحذف الرئيس منه، فمعنى ذلك أنه يخطط للانقلاب على الرئيس، إذ يحل نفسه من القسم والولاء له، مكتفيا بالولاء للوطن.

بعد ثورة يونيو التى خرجت فيها الملايين إلى الميادين رافضة للرئيس الإخوانى ومعترضة على حكم الأهل والعشيرة، أدرك السيسى أن الوقت مناسب جدا، ولذلك فبعد عزله لمرسى مؤيدا من الشعب، كان أول ما فكر فيه هو تعديل صيغة القسم، بحيث يختفى الولاء لرئيس الجمهورية، ويظهر الولاء للوطن وحده، فالرؤساء يأتون ويذهبون أما الوطن باق، ثم إن الرئيس يمكن أن يفسد ويقتل ويخون.. لكن الأوطان لا تفعل ذلك أبدا.

من هنا يمكن أن نمسك بالمفتاح السابع للدخول إلى شخصية عبدالفتاح، فهو ورغم عسكريته إلا أنه سياسى من طراز رفيع، لقد عبنا على قادة المجلس العسكرى أيام المشير طنطاوى أنهم لم يكونوا سياسيين بما يكفى، ولذلك أخفقوا فى ملفات كثيرة، لكن السيسى ومنذ بدايات ظهوره على الساحة السياسية أثبت أنه مختلف، وسر هذا الاختلاف يمكن أن نصيغه عبر محطات محددة.

1 - رجل المعلومات

 عندما دعا المجلس العسكرى مجموعة من المفكرين والمثقفين والكتاب بعد ثورة 25 يناير مباشرة ليطلعهم على تفاصيل ما جرى أيام الثورة، ودور المجلس فى حماية الثورة والوقوف إلى جانب الشعب، وجدوا أن من يقوم بهذا العرض كان مدير المخابرات الحربية اللواء عبدالفتاح السيسى.

لم يهتم السيسى فى عرضه بالكلام الإنشائى التعبيرى البليغ عن دور الجيش فى حماية الثورة، وعن البيانات التى صدرت منذ البداية ومبكرا جدا، تشير إلى أن الجيش لن يستخدم العنف ضد المواطنين، ولكنه اهتم بالدفع بأكبر قدر من المعلومات للموجودين، عما جرى من كل الفرق أيام الثورة، فبدا أمام الجميع بأنه عقلية منظمة ومرتبة تعرض ما لديها من معلومات بشكل منطقى للغاية يصل به إلى تحقيق الأهداف التى يحددها.

ولأنه رجل المعلومات فهناك واقعة منسوبة إلى السيسى، يقول من يروجون لها أنه وبعد أن تولى المسؤولية فى جهاز المخابرات الحربية، قام بإعداد تقرير موسع عن الأحوال الداخلية فى مصر، وخلص فيه إلى أن الأحداث يمكن أن تتداعى إلى انتفاضة شعبية كاملة تشارك فيها فئات الشعب المختلفة دون استثناء، وحدد موعدا بعينه لهذه الانتفاضة هو مايو 2011.

لم يكن يأتى هذا الموعد للسيسى اعتباطا أو مصادفة، ولكن المعلومات التى جمعها كانت تشير إلى أن قيادات الحزب الوطنى كانوا قد أعدوا العدة للدفع بجمال مبارك للترشح للرئاسة فى انتخابات 2011، بعد أن يخرج الرئيس مبارك مخاطبا الشعب بأنه أدى ما عليه ولن يستطيع أن يكمل المسيرة، وكان من خططوا لذلك يريدون أن يدفع مبارك بابنه وهو على قيد الحياة، لأنه لو مات لن يتمكن جمال من شىء، وكان موعد الإعلان عن ترشح جمال هو مايو 2011، ولذلك وضع السيسى يده عليه كموعد للانتفاضة الشعبية، التى أعتقد أنه لم يتوقعها ثورة عامة وشاملة بهذا الشكل الذى وقعت به.

وضع السيسى تقريره أمام قائده المباشر المشير طنطاوى، ورغم أنه هو الذى طلب منه إعداد التقرير، إلا أنه احتفظ به ولم يعرضه على مبارك، فقد كان طنطاوى وقتها يدرك أن النظام وصل إلى مرحلة أنه لا يرى إلا ما يريده، ولا يسمع إلا ما يريح، ورغم أن الثورة تقدمت على الموعد الذى حدده السيسى بأكثر من أربعة شهور، إلا أنه كان من أوائل من تنبأوا بها، ولهذا تحديدا أعتقد أن الجيش لم يرتبك أمام الحدث، كان متماسكا جدا، ولهذا حددوا موقفهم بسرعة تتناسب مع تلاحق الحدث على الأرض.

ولأنه رجل معلومات أيضاً، فقد تنبأ أن يفوز محمد مرسى فى الانتخابات الرئاسية، قال هذا مبكرا جدا، وقتها كانت الجماعة قد دفعت بخيرت الشاطر ليكون مرشحها الرئاسى، وقبل غلق باب الترشيح سارعت بالدفع بمحمد مرسى ليكون مرشحا احتياطيا، فقد أدركت الجماعة أنه يمكن الإطاحة بخيرت فى أى لحظة بسبب موقفه القانونى - وهو ما حدث بالفعل - فدفعت بمرسى.

وقتها كان مرسى فى ذيل القائمة، كل استطلاعات الرأى لا تراه تقريبا، تضعه فى الترتيب الأخير، لم يكن أحد يعرف عنه شيئا، ولم يتوقع له أحد أن ينافس منافسة قوية، بل كان هناك من يرى أنه يمكن أن يخرج من الجولة الأولى فى الانتخابات الرئاسية، إلا أن السيسى كان من بين من رأوا أنه سيكون الرئيس القادم.

لقد كانت الانتخابات الرئاسية فى مصر تتم تحت سمع وبصر أجهزة المخابرات الكبرى فى العالم، وكان غريبا أن تخرج رسالة مشفرة من السفارة الروسية إلى الكرملين تقول إن الرئيس القادم لمصر سيكون محمد مرسى، وهى الرسالة التى التقطتها السفارة الأمريكية، فأدركت أنها لا تلعب وحدها، وأن دورها فى الانتخابات المصرية سيكون مكشوفا، لأن أمريكا كانت قد حددت وجهتها من البداية وأعلنت دعمها لمحمد مرسى، وما دامت السفارة الأمريكية التقطت إشارة السفارة الروسية فمؤكد أن المخابرات المصرية عامة وحربية التقطت هى الأخرى الإشارة.. وكان مؤكدا لديها أن مرسى لن يكون وحده، ولن تكتفى الجماعة بحشد أعضائها فقط ليفوز مرشحها، ولكنها ستستعين بأصدقائها فى العالم كله لتحقق هدفها.

لقد كان مفيدا جداً لعبدالفتاح السيسى أن يتولى منصب مدير المخابرات، فقد صقله المنصب فى نواح عديدة، فمن منصبه يعمل على مكافحة التجسس وإدارة الشؤون العامة، وهو فى كل ذلك ينسق مع المخابرات العامة وجهاز أمن الدولة، بما يعنى أن لديه إدراكا كاملا بالقضايا والشؤون الداخلى المصرية، فهو لم يكن معزولا عن الشارع.. بل كان يعرف ما يدور فيه وما يشكو منه.

2 - ابن طنطاوى وخليفة أبوغزالة

 لا ينكر الفريق السيسى قربه الشديد من المشير طنطاوى، ولا يتنكر أبدا للدور الذى لعبه فى حياته العسكرية، لكن وبعيدا عن أحاسيس الامتنان والشكر، فإن هناك ما يحمله السيسى للمشير طنطاوى، وهو ما يجعله على ثقة من أن الأخطاء التى ارتكبها طنطاوى خلال الفترة الانتقالية لم تكن عن قصد أو تعمد، ولكنها كانت لأن الرجل لم يكن سياسيا بما يكفى، ولم يكن حاسما بما يكفى.

يحمل السيسى لطنطاوى أنه تمكن من الحفاظ على الجيش وتماسكه وإبعاد أشباح الخطر عن ثكناته فى ظروف عاصفة، وأنه كان القائد الذى حال دون تنفيذ أطماع الإدارة الأمريكية فى تحويل الجيش المصرى من جيش محترف مهمته الأساسية الدفاع عن الحدود، إلى مجرد جيش إدارى، يضم مجموعة من الكتائب لمواجهة الإرهاب، وذلك تأسيسا على أن مصر لا تحتاج إلى جيش محترف، فهى فى حالة سلام دائم مع إسرائيل، ولذلك فلن تدخل حروبا جديدة، فما الذى يعوزها إلى جيش قوى.

هذه المحاولة الأمريكية بدأت منذ عصر مبارك، فقد عرض عليه الأمريكان تحويل الجيش المصرى إلى كتائب لمحاربة الإرهاب، وكان ذلك فى التسعينيات، عندما اشتدت موجات الإرهاب، وكانت هناك رؤية أمريكية لإدماج الجيش مع الداخلية، إذ لا حاجة للجيش المصرى فى ظل حالة السلام مع إسرائيل، لكن المشير طنطاوى رفض بشدة هذا الاقتراح، ولم يوافق على مشاركة الجيش فى مكافحة الإرهاب إلا فى حالات الضرورة القصوى.

وطبقا لما ذكره «لويد سى. جاردنر» فى كتابه «مصر كما تريدها أمريكا»، فقد بدأت هذه المحاولة منذ بداية الثمانينيات عندما بدأت تثار فى أمريكا أسئلة حول ما تنوى مصر أن تفعله بأسلحتها، وكان مبارك قد أكد فى عام 1995 أن جيش مصر القوى ضرورى لردع الأعداء، وأكد طنطاوى أن السلام لا يعنى الاسترخاء، فتحركت الآلة الأمريكية لإجهاض قوة الجيش المصرى، لكن حال طنطاوى دون نجاحها.

لهذا الدور وربما لأشياء أخرى يعتز السيسى بدور طنطاوى، بل إن هناك من يؤكد أن وزير الدفاع وهو يجهز لكلمته التى ألقاها فى 3 يوليو ليعزل بها محمد مرسى وسط تحالف القوى الشعبية، كان يفكر فى أن يوجه تحية إلى المجلس العسكرى السابق وتحديدا المشير حسين طنطاوى، لكنه تراجع فى اللحظة الأخيرة، عندما أدرك أن الظرف السياسى ربما لا يحتمل.

كان لعمل الفريق السيسى إلى جوار المشير طنطاوى لسنوات طويلة داخل وزارة الدفاع فضل فى إكساب الفريق مهارات وقدرات تنظيمية عديدة، فمن خلال المهام التى كان يتم تكليفه بها، كان يضع بطن وزارة الدفاع بين يديه، ولم يكن صعوده إلى منصب مدير المخابرات إلا تتويجا لمهام عديدة قام بها وأثبت فى كل منها أنه جدير بالثقة والتقدير.

لكن المفاجأة أن السيسى لا يركن إلى طنطاوى فقط كأحد قادة القوات المسلحة، ولكنه أقرب فى تكوين شخصيته إلى المشير محمد عبدالحليم أبوغزالة، وهناك بالفعل من يطلق عليه «خليفة أبوغزالة».. فهو قارئ جيد ودؤوب للعلوم العسكرية كما كان يفعل أبوغزالة بالضبط، وهو يحافظ على هيبة الجيش وهيبة وزير الدفاع مثله بالضبط، ثم أنه وهذا هو المهم احترافى مثله فيما يتعلق بالشؤون العسكرية.

أبوغزالة ليس وحده من يشكل الجزء الأكبر فى شخصية السيسى العسكرية، فهو فى مساحة معينة يقترب من الفريق سعد الدين الشاذلى، الذى لم يتول منصب وزير الدفاع، لكنه سار على خطاه فى نزوله إلى جنوده، كان الشاذلى أيضا وهو رئيس أركان يشارك جنوده التدريب، وينزل ليجرى معهم فى طوابير الصباح، ليمنحهم الثقة والحماس.

إلى جانب هؤلاء القادة، ورغم أن السيسى يعتز فعليا بكل من يعمل معه وإلى جواره، إلا أنه يعتز بصورة خاصة باللواء محمد العصار الذى كان مساعدا لوزير الدفاع لشؤون التسليح فى عهد المشير طنطاوى، وعندما جاء السيسى أصبح نائبا لوزير الدفاع.

يعتبر السيسى محمد العصار أستاذه، فهو يعتز به وبعلمه وبدوره، بل إنه فى مناسبات كثيرة وفى أزمات متعددة يتعامل معه على أنه الوجه السياسى له، والذى يوفده للتفاهم والتفاوض والتشاور، ويثق فى تقديراته وآرائه.

ربما لهذا حاول البعض أن يفسد العلاقة بين السيسى والعصار، فبعد أن أيام قليلة من صعود السيسى إلى منصب وزير الدفاع، نشرت شبكة رصد التابعة للإخوان أن اللواء محمد العصار تم وضعه تحت الإقامة الجبرية، اعتبر المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة أن هذا الكلام الكاذب جملة وتفصيلا يأتى فى إطار الحملة الممنهجة لتشويه قيادات القوات المسلحة، وإحداث الوقيعة بينهم من أجل شق الصف، ورغم هذا التكذيب إلا أن الشائعة ظلت تنتشر ويتسع صداها، ولم تتوقف إلا بعد ظهور العصار برفقة السيسى فى واحدة من المناسبات العسكرية التى تحدث فيها السيسى ليتوقف الإخوان عن الترويج لحالة الخصام بينهما.

3 - ليس أمريكى الهوى

 كان احتفاء الدوائر الأمريكية بتولى الفريق أول عبدالفتاح السيسى منصب وزير الدفاع أمرا منطقيا جداً لا مبالغة فيه، فبالنسبة لهم كان السيسى هو أول وزير دفاع مصرى يدرس العلوم العسكرية فى أمريكا، على عكس وزراء الدفاع السابقين الذين تعلموا فى المدرسة الروسية، وعليه كان يعتقد الأمريكان أن وزير الدفاع المصرى سيكون رجلهم، ولن يختلف معهم فى شىء.

بعد ثورة يونيو نشرت مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية أنه ورغم علاقة السيسى الوثيقة بجنرالات الجيش الأمريكى، ورغم تلقيه تعليما عسكريا فى كلية الحرب العليا بأمريكا، إلا أنه لا توجد مؤشرات على أن هذه الدراسة أو هذه العلاقات منحت واشنطن أى نفوذ يذكر على أقوى رجل فى مصر، فقد تجاهل تحذيرات وزير الدفاع الأمريكى «تشاك هيجل» المتكررة بعدم الإطاحة بمرسى، ولم يستمع لنصائح المسؤولين الأمريكيين بعدم ملاحقة قيادات الإخوان.. والأكثر من ذلك أن السيسى شن هجوما ووجه انتقادات حادة إلى واشنطن هى الأقوى من وزير دفاع مصرى منذ عقود.

ربما تشير الفورين بوليسى إلى رسالة السيسى القوية التى وجهها إلى أوباما، عندما قال إن الرئيس الأمريكى لا يعرف الشعب المصرى ولذلك تجاهل إرادته ولم يقدم له الدعم فى فترة حرجة من تاريخه تعرض فيها لخطر الحرب الأهلية، وهى إدانة كاملة للرئيس الأمريكى بأنه يقف فى معسكر الإخوان المسلمين ضد الشعب المصرى كله.

لكن ما الذى جعل عبدالفتاح السيسى يأخذ هذا الموقف الحاد من الأمريكان؟ لقد أقسم أنه لم يخبر أحدا بأى شىء قام به، وكان يقصد الأمريكان تحديدا، لأنه لم يتصور أحد أن يفعل كل ما فعله دون أن يضع الأمريكان فى الصورة، لكنه لم يفعل ذلك لأنه كان يعرف موقف الأمريكان، ويرصد تحركات السفيرة الأمريكية التى لم تكن تنصح مرسى فقط، ولكنها كانت تسانده من أجل ثورة
30 يونيو التى كانت تعرف جيدا أنها ثورة شعب غاضب على رئيس أخل بكل وعوده.

لسنا فى حاجة إلى التأكيد على أن هوى السيسى مصرى خالص، علمته العسكرية المصرية قيمة الوطنية الكاملة، فهو لا يأخذ مواقفه طبقا لمواقف دول أخرى، ولا يضبط إيقاعه على إيقاع مصالح دول أخرى، بل يرى موضع المصلحة الوطنية فيتجه إليها.

لكن أعتقد أن هناك ما يمكن اعتباره عاملا نفسيا يشكل جزءا كبيرا من أجزاء علاقة السيسى بالأمريكان، لقد ذهب إلى هناك والتحق بكلية الحرب الأمريكية فيما بين عامى 2005 و2006، أى أنه حل على الأمريكان بعد غزو العراق واحتلاله فى 2003، وهناك كانت المناقشات حادة وحامية بين السيسى وبين عدد من القادة الأمريكان حول ما فعلوه فى العراق، كانوا يقولون أنهم خلصوا العراقيين من ديكتاتورية صدام حسين، وأنهم أدخلوا هذا الشعب المسكين إلى واحة وجنة الديمقراطية، لكنه كان يحتج على هذا المنطق فنشر الديمقراطية لا يكون أبدا بهدم الأوطان ولا قتل المواطنين ولا تشريد الصغار، كانوا يعتبرون حربهم مقدسة، وكان السيسى يعتبرها حربا مدنسة.

وربما لهذا تحديدا أدرك السيسى أن أمريكا لا تساعد إلا من يقف فى صفها، وقد يكون دعمها لمحمد مرسى لأنه قدم نفسه ووطنه على طبق من ذهب للأمريكان، ووعدهم بتنفيذ كل ما يريدون، ولذلك عندما قرر مساندة الشعب المصرى فى ثورته والوقوف إلى جانبه ضد الإخوان المسلمين لم يفكر فى وضع الأمر أمام الأمريكان، لأنه كان يعرف أن البيت الأبيض لا يحب الأحرار، ولا يريد حكاما مستقلين لمصر ولا للدول العربية، ولذلك فلن تتأخر أمريكا فى تعطيل الثورة بأى شكل من الأشكال، ولذلك قرر أن يفاجئها فيربكها.

لقد أدار السيسى ملف الأمريكان بحرفية شديدة، حرفية من يعرف نفسية السياسى الأمريكى، فهو لا يرضى عنك إلا إذا كنت ضعيفا وتابعا، أما إذا أظهرت قوتك فيمكن أن تحظى باحترامهم ولكن سيطاردك غضبهم ولن يترددوا فى التخطيط لاغتيالك، وقد فاضل السيسى بين رضا الأمريكان ورضا الشعب المصرى فاختار المصريين.

وما لا يعرفه الكثيرون أن السيسى عندما وقف ليوجه كلمة إلى المصريين يوم 24 يوليو 2013، وكان وقتها يتحدث فى حفل تخريج إحدى الدفعات العسكرية، ويطلب منهم أن يخرجوا إلى الشوارع ليمنحوه تفويضا وأمرا ليواجه العنف والإرهاب المحتمل، لم يكن ليتحدث عن إرهاب وبلطجة الإخوان المسلمين وحلفائهم فقط، ولكن كان يتحدث عن إرهاب الأمريكان وحلفائهم أيضاً.

كلمة السيسى كانت يوم الأربعاء، وكانت الضغوط الأمريكية عليه قد وصلت إلى ذروتها يومى الاثنين والثلاثاء، وكان هناك اقتراح أن تتم دعوة الشعب المصرى إلى الخروج للشوارع والميادين مرة أخرى وبأعداد أكبر من التى خرجت فى 30 يونيو للتأكيد على أن ما حدث كان ثورة شعبية، وأن من خرجوا فى المرة الأولى على استعداد لأن يخرجوا مرة ثانية.

جرت اتصالات عديدة مع القوى السياسية والأحزاب والتكتلات الجديدة، لكن الردود كانت مخيبة، كانت القوى السياسية ترى أنه ليس من الصواب استهلاك الجماهير فى فعاليات كثيرة، لأن الناس يمكن أن تزهق بالفعل، وعندما وصل إلى السيسى هذا التقرير وكان مجتمعا مع مساعديه يوم الثلاثاء لم يعلق، ولكنه قرر أن يتصرف هو، ليقف أمام الشعب المصرى فى أصعب اختبار يمكن أن يخوضه، لكنه كان واثقا أن الناس لن يخذلوه وهو ما حدث بالفعل، فقد طلب عون المصريين ليواجه الأمريكان، فلم يترددوا عن منحه كل التأييد.

4 - الكاريزما السياسية على طريقة السيسى

 بعد أن انتهى الفريق أول عبدالفتاح السيسى من إلقاء كلمته فى الاحتفال بالذكرى الأربعين لحرب أكتوبر، دار نقاش بين عدد ممن حضروا الحفل، فقد رأوا الرجل يتمتع بكاريزما عالية جيدة، رأوا ذلك أولا من انتظار الجميع له من أجل أن يتحدث ومن إنصات الجيمع له عندما تحدث، كانوا منجذبين إليه بكليتهم، رغم أنه لم يتحدث بصوت عال، ولم يستخدم كلمات فخيمة، ولا تعبيرات بلاغية كثيرة، بل تحدث بالفصحى، واستخدم تعبيرات يتداولها المصريون فى حياتهم اليومية بكثافة.

كان هناك اتفاق على أن السيسى يمثل مدرسة جديدة فى الكاريزما، مدرسة يعمل صاحبها ثم يقدم نفسه بعد ذلك على جناح عمله، لا يبيع للناس كلاما والسلام، ثم يطالبهم بكل شىء، ثم إنه استطاع أن يغزو الشخصية المصرية من الباب الواسع لها، وهو باب الحنان والتعاطف معها.

من يعرفون السيسى يشيرون إلى أن تكراره لمعانى العطف والحنان والحنو والطبطبة على الشعب المصرى ليست مصطنعة ولا من قبيل الخداع السياسى، فهو كذلك بالفعل، بل يمكن أن تدمع عيناه إذا تعرض لموقف إنسانى رأى أنه أكبر من تحمله.

عندما بحثت فى أوراق علم النفس السياسى عن سمات الشخصية الكاريزمية، وجدت ما كتبه الدكتور محمد المهدى فى كتابه «علم النفس السياسى» عن الزعيم الملهم مناسبا جدا للاقتراب من شخصية عبدالفتاح السيسى فى هذه المساحة.

يقول المهدى: الزعيم الملهم هو شخصية تتمتع بكاريزما شخصية عالية وجاذبية جماهيرية، وقد جاء هذا الزعيم فى ظروف تاريخية أو سياسية أو اجتماعية خاصة جعلته يستقبل على أنه المنقذ والمخلص والبطل الأسطورى، واستطاع هو أن يتجاوب مع الأحلام والأمنيات والطموحات الشعبية، وبذلك أصبح بطلا شعبيا.

يتعامل الناس مع هذا الزعيم الملهم على أنه يتوجه نحو الصواب دائما، ولديه بوصلة خفية وسحرية تهديه إلى الرشد، فهو محق فى كل ما يراه ويقرره ويفعله، وهذا الزعيم يخدمه ويهيئ لبروزه مجيئه فى لحظات ضعف وانكسار، ثم قدرته على تحقيق بعض الانتصارات المبهرة للعامة، ومن هنا ينشأ الاعتقاد فى تفرده وإلهامه، وتنشأ الرغبة لدى الجماهير فى اتباعه والانقياد لكل ما يراه، وإضفاء كل صفات البطولة والقدرة الخارقة عليه، وهم يفعلون ذلك بدافع خفى واحتياج نفسى لديهم وهو أن يعفوا أنفسهم من مسؤوليات التفكير وبذل الجهد والحيرة والقلق والفعل، ويلقون بكل شىء على أكتاف بطل أسطورى ملهم وقادر ويعرف ماذا يفعل ومتى وأين يفعل؟

 والزعيم الملهم غالبا - كما يرى المهدى - ما يتصف بالطلعة المهيبة وارتفاع القامة وقوة البنيان ولمعة العينين وعمق النظرة وحسن الملبس، فهو يمثل صورة البطل التى يرى فيها البسطاء أنفسهم، وهو قادر على مخاطبة الناس بصوته العميق ونبرته الحماسية التى توقظ بداخلهم الإحساس بالكرامة واحترام الذات وتنتشلهم من حالة اليأس والانبطاح والاستذلال والخوف من الأعداء.

وقد يكون من بين أهم ما قاله المهدى عن الزعيم المهلم أنه وبما لديه من فعل السحر فى الجماهير وإيقاظ مشاعر الكرامة الوطنية عندهم ورفع صورة الذات لديهم وإنقاذهم من الهزيمة النفسية التى يعيشونها أو عاشوها فى مراحل الانكسار فإنه يأخذهم بعيدا عن أرض الواقع فتنتابهم نشوة الانتصار ولا يلتفتون إلى ما يرى على أرض الواقع، ويزيد من خطورة الموقف شعورهم الطاغى بأن الزعيم أسطورة لا تهزم وأنه قادر على تحقيق كل شىء لهم بقوته الذاتية وبكلمات سحرية منه.

هناك ما هو أخطر، فإذا حاول الزعيم الملهم فى لحظة صدق تمر به أن يعيد الجماهير إلى رشدها فإن هذه الجماهير نفسها ترفض ذلك تماما وربما تعلن غضبها وتؤثر الاستمرار فى الحلم اللذيذ على العودة إلى الواقع المؤلم، ويجد الزعيم نفسه مضطرا لمجاراة الجماهير فى حلمها، وهو ما يؤكد أن شخصية الزعيم تأسر الجماهير ثم ما تلبث أن تصبح هى أسيرة الجماهير.

فى كلام محمد المهدى خطر ما فى ذلك شك، لأنه تقريبا يتحدث عن الفريق السيسى، ولذلك فخير للجميع أن نتخلص من هذه الحالة، فهو قائد ملهم بالفعل، وهو الإلهام الذى يتوقف عند حدود عملية الإنقاذ التى قام بها للمصريين من أنياب الإخوان المسلمين، لكن حتى تكتمل به المسيرة كما يريد عدد كبير من المصريين الآن، فلابد من التخلص من حالة الأسطورية التى تحيط به، أعرف أن هذا من الصعب جدا، لكن فى النهاية أعتقد أنه لن يستطيع أن ينجح، ولن يستطيع أن ينجح أحد معه إلا أذا رأينا رئيسا بشرا عاديا يمكن أن يصيب ويمكن أن يخطئ، نعرف أنه ليس صاحب معجزات يمكن أن يحل مشاكل مصر بسر كن فيكون، بل هو صاحب إمكانيات يمكن أن تكون مصر أكبر منها - وهو الواقع بالفعل - فليس أقل من أن نجرده من حالة الأسطورية التى تكونت بفعل قدرى، ونتعامل معه على أنه واحد منا، قد يكون أهم ما يميزه أنه القائد الضرورة الذى يجب أن يكمل ما بدأه.

5 - خطة الإيقاع بالأفاعى فى مصيدة الفريق

 حتى تتعرف على ملامح السياسى فى شخصية الفريق السيسى فلابد أن تعرف بعضا من أطراف إدارته للصراع مع جماعة الإخوان، وهو صراع بالمناسبة بدأته الجماعة وكانت عازمة على المضى فيه، معتقدة أنها فى النهاية يمكن أن تضع يدها على الجيش المصرى لتتحكم فيه كما تريد.

وهنا يمكن أن نتوقف أمام حالتين من حالات التحرش المباشر بالجيش المصرى، الأولى قام بها رأس جماعة الإخوان والثانية قام بها أحد قيادات الجماعة، ورغم أنها كانت محاولات صبيانية إلا أن السيسى استغل هذه المحاولات فى إيقاع الجماعة فى بئر الخطأ الذى لا يغتفر.

ففى ديسمبر 2012 وبعد أن انتهت الضجة التى أحدثتها مذبحة الاتحادية، وهى المذبحة التى كشفت أن فراقا عاجلا أو آجلا سيتم بين الإخوان والجيش، خرج مرشد الجماعة محمد بديع فى رسالته الأسبوعية ليوجه نقدا عنيفا للجيش المصرى.

رسالة المرشد الأسبوعية لم يكن يكتبها بنفسه، بل كان هناك عدد من أعضاء مكتب الإرشاد يجتمعون ومعهم مرشدهم ليتفقوا على الأفكار العريضة التى ستتضمنها الرسالة ثم يصيغونها بصورة نهائية ولا يكون على المرشد إلا أن يقوم بقراءتها فقط، ظلت الرسالة لفترة طويلة مكتوبة، إلى أن قرر محمد بديع أن يسجلها لتذاع على المواقع الإليكترونية التابعة للجماعة.

فى هذه الرسالة أشار بديع إلى أن جنود مصر طيعون لكنهم كانوا يحتاجون إلى قيادة رشيدة توعيهم، بعد أن تولى أمرهم قيادات فاسدة.

كان الغضب بين صفوف قيادات القوات المسلحة عنيفا، لكن الفريق السيسى لم يفعل أكثر من أنه أجرى اتصالا بمحمد مرسى وطلب منه أن يعتذر مرشد الجماعة فورا عن هذه التصريحات، ولم تمض إلا أيام قليلة حتى خرج بديع ليشيد بقادة الجيش المصرى، وبدلا من أن يعترف بخطئه الفادح راح يحمل الإعلام مسؤولية تفسير ما قاله وتأويله على وجه الخطأ.

لكن الأزمة تكررت مرة أخرى، وكان بطلها هذه المرة هو محيى الدين الزايط أحد قيادات الجماعة، كان الزايط يحضر احتفالا أقامه حزب الحرية والعدالة بمقره فى شرق القاهرة فى إبريل 2012، ورغم أن الاحتفال كان من أجل تكريم الأم المثالية، إلا أن القيادى الإخوانى عاب فى الجيش المصرى من خلال قصيدة مبتذلة وركيكة، قال فيها نصا «لقد تركوا مسجدنا الأقصى نهبا لشراذم أشرار/شعبى فى غزة يشرب من دمه الأقذار/قد خابوا فى كل سبيل/قد ضلوا فى كل قرار/فى السلم تراهم فرسانا فى الحرب خزايا وفرار/ما قيمة جيش إن كان يقودهم الفار».

هذه المرة كانت الإساءة متعمدة، لقد حاول محمد بديع أن يلقى باللوم على الإعلام فى تأويل مراده على نحو سيئ، وحاول أن يشير من طرف خفى إلى أنه لم يكن يقصد قادة الجيش الحاليين، ولكنه كان يقصد القادة السابقين.

قبل أن تتفاعل كلمات الزايط التى لا تزيد عن كلمات طالب فى المرحلة الإعدادية يجرب نفسه فى كتابة الشعر، أشارت مصادر عسكرية إلى أن الإخوان ينتهجون مخططا منظما للهجوم على قيادات الجيش لهز ثقة الشعب فيه وفى قياداته، فى الوقت الذى تتراجع فيه شعبيتهم فى الشارع وتكثر المطالب بعودة القوات المسلحة بوصفها البديل لحكم الإخوان، ويستمر فى تحرير التوكيلات للفريق السيسى لإدارة شؤون البلاد.

عرف الفريق السيسى أن هذه جماعة لا ترتدع أبدا، وأنها ماضية فيما تريده، لقد اكتفى بطلب الاعتذار فى المرة الأولى بعد أن أثبت الخطأ على المرشد، لكنه فى المرة الثانية أطلق المتحدث الرسمى ليصدر بيانا عنيفا وقاسيا، جاء فيها: صبرنا لن يطول وردنا سيكون قاسيا استنادا إلى القانون العسكرى، ولدينا معلومات تؤكد أن هدف حرب الشائعات والتطاول هو هز استقرار المؤسسة العسكرية.

كان الواضح أن الجماعة تريد رأس السيسى شخصيا وكان هو يعرف ذلك أيضا، فتمت إدارة الصراع معهم بأكثر من آلية يمكن أن نرصد منها الآتى:

أولا: فى مذبحة الاتحادية كان الفريق السيسى يعرف جيدا أن الإخوان لن يتركوا المعتصمين أمام القصر، رفض أن يتدخل الجيش، ثم كان على تواصل دائم مع اللواء محمد زكى قائد الحرس الجمهورى، وكانت الرسالة واضحة هى التمسك بأعلى درجات ضبط النفس، وعدم التورط فى مواجهة الثوار والمعتصمين، وكان طبيعيا أن يدفع هذ الحصار محمد مرسى إلى الاستعانة بأهله وعشيرته ليفضوا الاعتصام، وهو ما حدث بالفعل، أى أن السيسى قرر أن يترك محمد مرسى ليخطئ وليرتكب جريمة متكاملة الأركان، بعد أن نصحه كثيرا بأن يتراجع وأن يبحث عن حل سياسى.

ثانياً: عرف عبدالفتاح السيسى ومن خلال موقعه فى المخابرات الحربية أن جماعة الإخوان المسلمين استطاعت أن تحسم حربها مع المجلس العسكرى من خلال إطلاق الشائعات المتلاحقة على المجلس العسكرى وعلى القوى السياسية المختلفة، وهى الشائعات التى أدت فى كثير من الحالات إلى الإيقاع بين المجلس العسكرى والثوار، ولذلك لم يتردد من واجهوا الإخوان المسلمين على الأرض فى استخدام نفس السلاح فى تشويههم ماديا ومعنويا، وأعتقد أن هناك شائعات كثيرة لاحقت الإخوان كانت من صنع أجهزة سيادية، وقد استطاعت هذه الشائعات أن تسقط هيبة النظام الذى كان يتعامل على أنه وكيل الله على الأرض.

6 - رئيس فى الظل

 لا يصدق أحد أن الرئيس عدلى منصور الرئيس المؤقت للبلاد هو من يدير شؤون مصر الآن، ولا يصدق أحد أيضا أن الدكتور حازم الببلاوى هو الذى يدير شؤون البلاد من خلال مجموعة الوزراء الذين لم تظهر لأحد منهم كرامة سياسية أو شعبية على الإطلاق، هناك إجماع كامل على أن من يدير شؤون البلاد هو الفريق أول عبدالفتاح السيسى.

تشير الوقائع المتلاحقة إلى أن السيسى تقريبا مسؤول عن الملف الأمنى الذى أخذ تفويضا من الشعب المصرى من أجله، لكن هناك ما يشير أيضاً إلى أنه كان وراء قرارات كثيرة أخذتها الحكومة، منها قرار إلغاء الرسوم المدرسية وإعفاء طلاب المدن الجامعية من دفع المصروفات، ثم وهذا هو الأهم أنه كان وراء جعل الحد الأدنى للأجور 1200 جنيه، بعد أن كانت حكومة الببلاوى تريد أن تجعله 800 جنيه فقط.

يعمل السيسى دون أن يعلن عما يفعله، وكان طريفا ما قاله فى أحد الاجتماعات الضيقة التى حضرها عدد قليل من الوزراء، فقد حكى لهم أن إحدى الأمهات ذهبت إلى مدرسة ابنتها، وعندما أخبروها أنه تم إلغاء الرسوم المدرسية إذا بها وبشكل تلقائى تغنى تسلم الأيادى، وفى تعليق عابر قال السيسى وهو يبتسم: عرفت منين، فى إشارة إلى أن القرار كان قرار الجيش، الذى يبدو أنه هو الوحيد القادر على اتخاذ قرارات خلال هذه الفترة.

قد لا يكون السيسى حسم أمره فى مسألة الترشح للرئاسة من عدمها، لكن الواقع يقول أن من يعملون الآن على الأرض من حوله لا يمهدون له الأرض على الإطلاق، بل يصنعون عداوات كثيرة مع نظام يدرك الجميع أن السيسى هو من يحركه، ولذلك فالعداوة ستكون معه هو.

أصدق تماما أن مصر مستهدفة، وأن هناك دولا وأجهزة مخابرات وتنظيمات وجماعات تريد أن تنقض عليها، لكن أصدق أيضاً أن السيسى مستهدف لشخصه، فأمريكا تدرك أنه الرجل القوى فى مصر الآن، والرجل القوى هذه معناها أنه القادر على أن يحافظ على الأمن، ولذلك فهناك مخطط لهز الأمن فى مصر، ليضعوا الرجل أمام اختبار صعب، فهذه هى مهمته الأولى التى لابد أن ينجح فيها، لكنه يقف أمام محاولات لإحداث فوضى عارمة.

لن ألتفت كثيرا إلى التجمعات الشعبية التى تجمع توكيلات للسيسى ولا تلك التى تناشده بأن يكمل جميله، فهذه تجمعات ورغم أهميتها إلا أنها فى النهاية لا تمثل عاملا حاسما فى الصراعات الانتخابية، لكننى ألتفت فقط إلى ما يشبه التنظيمات السياسية داخل حكومة الببلاوى وخارجها، وهى تنظيمات لا تريد السيسى رئيسا رغم أنها تعلن غير ذلك، طمعا فى أن يكون الرئيس القادم من بينهم أو من بين أبناء أحزابهم.

الخوف على السيسى ليس من الخارج، فقد جرب أنه وقت المواجهة سيحتضنه الشعب ويقف إلى جواره، لكن الخوف عليه من الداخل، ولا أقصد بالداخل جماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم، فهؤلاء أيضا مقدرو عليهم، ولكننى أقصد هؤلاء الذين يجلسون بالقرب منه على طاولة واحدة فى مجلس الوزراء وهم يخططون لحرق الأرض من تحته.

قد يكون مناسبا أن أشير إلى حقيقة تتعلق بهذه الحلقات التى تناولت شخصية الفريق السيسى، فهى ليست حلقات من أجله، ولكن من أجل أن نفهم بعضا من جوانب شخصيته، فهو فى النهاية الرجل الأهم فى مصر بعد ثورة يونيو، وقد يظل معنا طويلا، تلك كلمة الأقدار التى لا يستطيع أن يردها أحد.. وأعتقد أننى حاولت قدر الإمكان أن أفعل ذلك، بعد ذلك يصبح السيسى رئيسا أو لا يصبح، يرشح نفسه فى الانتخابات الرئاسية القادمة أو يحجم.. فهذا مما لا يشغلنى على الإطلاق، فأنا أقول كلمتى وأمضى.. وهذا يكفينى جداً.

 

اليوم السابع

 

 

اخر الأخبار