كفة الميزان للاتفاق النووي مع إيران ترجح لصالح إيران

11:33 2013-11-28

عليان عليان

بعد أكثر من عقد على ملف المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني ، وبعد مسلسل العقوبات والحصار من جانب الدول الغربية، وتصاعد هذا المسلسل بشكل أحادي خارج إطار مجلس الأمن ابتداءً من العام 2009 ، توصل المفاوضون الإيرانيون إلى اتفاق مع مجموعة 5+1 على مرحلتين .

المرحلة الأولى لمدة ستة شهور وتشمل تنازلات إيرانية تتعلق بدرجة التخصيب ، وبعدم بناء أجهز طرد مركزية جديدة ، والسماح بالمراقبة الدقيقة والمستمرة لجميع المفاعلات النووية الإيرانية من قبل مراقبي وكالة الطاقة النووية ، وأن تنحصر درجة التخصيب لليورانيوم بحدود (5) في المائة فقط ، ووقف تطوير مفاعل أراك النووي.

وحصلت إيران بالمقابل ، على تنازلات بشأن رفع قسم كبير من العقوبات الاقتصادية التي تتعلق بالأغذية والدواء وبتجارة البتروكيماويات وصناعة السيارات ، وبالتحويلات المصرفية وباسترداد المليارات المجمدة من عوائد النفط في البنوك الغربية ... ألخ

 والمرحلة الثانية ، تتصل بصياغة اتفاق شامل حول البرنامج النووي الايراني ، بعد اطمئنان الطرفين بأن الضمانات المقدمة من كل طرف تم تنفيذها بدقة.

وفي مجال التقييم الموضوعي لمعادلة الربح والخسارة ، يمكن القول أن الغرب حقق ما يلي:

1-قبول إيران بخفض نسبة تخصيب اليورانيوم من (20) في في المائة إلى (5) في المائة حتى لا تتمكن ايران - حسب زعمهم – من الوصول إلى نسبة تخصيب (80 ) في المائة وهي النسبة الملائمة لإنتاج قنبلة نووية

2-حصول الغرب خلال المرحلة الأولى (6 شهور ) على ضمانات بعدم إمكانية تطوير البرنامج النووي من الاستخدام المدني للاستخدام النووي العسكري.

3- قبول إيران بالمراقبة الدائمة لكل أنشطتها النووية ، خلال المرحلة الأولى للتأكد من سلمية وشفافية البرنامج النووي الإيراني ، دون رفع العقوبات بشكل كامل عن إيران.

4- أن إيران وافقت على التخلص من كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة وعلى عدم إنتاج أجهزة طرد مركزية جديدة .

5- أن إيران وافقت على عدم تطوير العمل في مفاعل ( أراك ) ، الذي يعمل بالماء الثقيل الذي يمكن إيران من إنتاج البلوتونيوم اللازم لإنتاج القنبلة النووية – إذا ما أرادت - دون اللجوء لتخصيب اليورانيوم بنسبة معينة .

6- أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ، حقق في ولايته الرئاسية الثانية ما يعتبره إنجازاً يقاس بإنجازه في اتخاذ القرار بسحب القوات الأمريكية من العراق ، خاصةً بعد فشله الذريع في حلحلة أزمات الشرق الأوسط .

لكنه بالمقابل حققت ايران ما يلي:

اولاً : أن الغرب أقر ولأول مرة بحق إيران ، في تخصيب اليورانيوم بنسبة (5) في المائة على أراضيها وداخل مفاعلاتها المتعددة ، حيث لحس الغرب شرطه القديم بعدم السماح لإيران بهذا الحق ، وفي الذاكرة شروط دول الغرب ، بنقل اليورانيوم إلى الخارج لتخصيبه في مفاعلات نووية فرنسية وغيرها.

ولا يغير من واقع هذه الحقيقة ، تصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري " بأن الاتفاق لا ينص على هذا الحق " إذ أن النص الوارد في الاتفاق يقول : " تتعهد إيران بعدم تخصيب اليورانيوم بنسبة تتجاوز أل (5) في المائة لمدة ستة شهور " ما يعني موافقة مجموعة ال (5+6) على حق إيران في نسبة تخصيب أل (5) في المائة في مفاعلاتها .

صحيح أن إيران قبلت بخفض نسبة التخصيب من (20) في المائة إلى (5) في المائة ما يعتبره الغرب إنجازاً ، لكن هذا الإنجاز لا قيمة له ، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن إيران وفق تصريحات قادتها المتتالية منذ أكثر من عشر سنوات ، بأن برناًمجها خاص بالأغراض السلمية المدنية.

وحسب العديد من المراقبين المقربين من دائرة صنع القرار في إيران ، فإن لجوء إيران إلى التخصيب بنسبة (20) في المائة ، كان في سياق تكتيكي ، حتى تبدو وكأنها قدمت الكثير الكثير عندما تتنازل عن هذه النسبة إلى (5) في المائة ، وهي النسبة التي تريدها للأغراض السلمية. .

ثانياً : أن المفاوض الإيراني ، أفشل الشرط الغربي القائل بنقل كمية اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة (20) في المائة (186 ) كيلو غرام ، إلى الخارج وتحييده ، وفرض على المفاوضين الغربيين القبول بما طرحه " بأن يتم أكسدة جزء منه بنسبة (20) في المائة ليصبح مخصباً بنسبة (5) في المائة ، وأن يتم تحويل جزء آخر إلى وقود نووي يستخدم في بقية المفاعلات النووية القائمة .

ثالثاً : صحيح أن الاتفاق ، نص على عدم إنتاج أجهزة طرد مركزية جديدة ، لكنه لم ينص على عدم تدمير أي من الموجود لديها ، علماً أن إيران كانت تمتلك فقط 300 جهاز طرد مركزي ، وبحوزتها الآن (16) ألف جهاز طرد مركزي ، وهي بالتالي في سياق الأغراض السلمية لبرنامجها ، يكون لديها فائض من أجهزة الطرد المركزية .

رابعاً : صحيح أن الاتفاق نص على تجميد أنشطة مفاعل ( أراك ) ، لكنه ضمن عمل بقية المفاعلات " نطز ، وفوردو في حدود نسبة التخصيب المتفق عليها ( 5 ) في المائة .

خامساً: ضمنت إيران بقاء جميع مفاعلاتها النووية ، وأفشلت مطالب الغرب بتفكيك أي من هذه المنشآت بما فيها مفاعل " أراك "، حيث لم ينص الاتفاق على هدم أي من هذه المنشآت .

وبعيداً عن القراءة التقنية للاتفاق النووي ، نتوقف أمام الأبعاد السياسية والإستراتيجية لهذا الاتفاق ، وهي التي يجب الوقوف أمامها ، وبهذا الصدد نشير إلى ما يلي :

أولاً : أن الاتفاق - كونه سلم بحق إيران بتخصيب اليورانيوم على أرضها - شكل ضربة في الصميم لاستراتيجية الغرب وخاصةً الولايات المتحدة ، لأنها لا تسمح لأي دولة بإنشاء برنامج نووي دون موافقتها ، أو بدون أخضر منها ، وفي الذاكرة عندما تجرأ الرئيس الباكستاني الأسبق ذو الفقار علي بوتو ، على الشروع في برنامج نووي خاص بالباكستان ، توعده وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسينجر بالويل والثبور ، فكان أن رتبت وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي ، آي ، إيه ) انقلاباَ ضده على يد الجنرال ضياء الحق الذي نفذ فيه حكم الإعدام .

ثانياً: أن الاتفاق سلم بأن إيران دولة نووية ، أو ما بات يطلق عليها " دولة العتبة النووية " بما يمكن إيران في ظروف توازنات دولية جديدة ، أن تطور برنامجها النووي على النحو الذي تريد .

ثالثاً : أن الاتفاق شكل سابقة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة في مطلع تسعينات القرن الماضي ، في التأكيد على سيادة الدولة واستقلاليتها ، ما يشجع دولاً أخرى في العالم الثالث للتمرد على الفيتو الأمريكي والأطلسي ، في ضوء الظروف الجديدة الناشئة ممثلةً بانتهاء القطبية الأمريكية الواحدة ، وظهور " منظومة البريكس " المكونة من (روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا ) كقطب مضاد.

رابعاً: لقد كرس هذا الاتفاق - على تعبير بعض المراقبين – انقلاباً في الواقع " الجيواستراتيجي " من آسيا الوسطى حتى ضفاف المتوسط ، مروراً بدول الخليج ، إذ أصبح من الصعب على أي قوة في المنطقة تجاهل إيران النووية ، أو الاستناد إلى عدائها مع الولايات المتحدة ، لمواجهتها على مختلف الجبهات الاقليمية من أفغانستان ، إلى العراق و سوريا .

خامساً : كما أن رفع العقوبات بشكل جزئي عن إيران ، يحسن إلى حد كبير من الوضع الاقتصادي في إيران وتصليب موقفها ، حيث اشتمل الاتفاق على تعهد مجموعة أل(5+1) بتجميد خططها الهادفة إلى خفض مبيعات إيران الحالية من النفط الخام ، وإعادة مبالغ محددة من صادرات النفط الإيراني للخارج / وتجميد العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على كل من:

 ( خدمات النقل والتأمين المرتبطة بمبيعات النفط الخام + صادرات إيران البتروكيماوية + قطاع مبيعات الذهب والمعادن والخدمات المتعلقة به + قطاع تصنيع السيارات والخدمات المتعلقة به ) .

يضاف إلى ذلك تعهد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالترخيص لتزويد وتركيب القطع اللازمة في إيران لضمان سلامة الطيران المدني الإيراني ، والترخيص لعمليات التصليح والتفتيش المتعلقة بضمان سلامة الطيران في إيران ، وكذلك عدم فرض أي عقوبات جديدة من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان ، فيما يتعلق ببرنامجها النوي لمدة ستة أشهر.

يضاف إلى ذلك : السماح بإقامة قناة مالية ، تسمح لإيران باستخدام جزء من عوائدها النفطية لمجمدة في الخارج ، بهدف تفعيل ما سمته مجموعة أل (5 +1) ب " التجارة الإنسانية" لتلبية حاجات الشعب الإيراني وهي تشمل "التحويلات المالية المرتبطة بمشتريات إيران من الغذاء والسلع الوراعية والأدوية والأجهزة الطبية"/ تسهيل التحويلات للمصاريف الطبية للشعب الإيراني وللطلبة الإيرانيين في الخارج عبر مصارف إيرانية وأجنبية / رفع الاتحاد الأوروبي لسقف التحويلات المالية للأعمال التجارية التي لا يشملها قانون العقوبات إلى نسبة متفق عليها.

وتقتضي الموضوعية هنا تسجيل حقيقة مؤكدة وهي " أن إيران ما كان بإمكانها أن تحقق ما حققته ، بدون الدورين الروسي والصيني ، إذ أنه رغم وجود روسيا والصين في معادلة (5+1) ، إلا أنهما لعبتا دور الميسر والمسهل لإنجاز الاتفاق ، عبر تبريد الرؤوس الحامية لكل من واشنطن ولندن وباريس ، بحكم ( أولاً ) أن لروسيا والصين مصلحة في إنجاز هذا الاتفاق على النحو الذي تم ، على الصعيد الجيو استرتيجي وعلى الصعيد الاقتصادي وبخاصةً في مجال الاستثمارات ، ومصلحة خاصة جداً لروسيا في المطالبة الجدية للولايات المتحدة بإلغاء مشروع الدفاع الصاروخي على حدودها في كل من بولندا وتشيكيا ، طالما أن فزاعة خطر الصواريخ النووية الإيرانية على دول حلف الأطلسي قد انتفت.

ومما شجع إيران على إدارة المفاوضات بكفاءة وبمرونة ذكية ، هو ما يلي :

أولاً : اطمئنانها بأنه لم يعد بوسع الولايات المتحدة وحلفائها ، استصدار أي قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات جديدة ضدها ، في ضوء الدور الجديد والهائل لكل من روسيا والصين في مجلس الأمن ، اللتين حالتا حتى اللحظة ، دون استصدار أي قرار عقابي بحق النظام في سوريا منذ اندلاع الأزمة السورية قبل أكثر من عامين .

ثانياً : اطمئنانها بأنه لم يعد بمقدور الولايات المتحدة ، شن عدوان عسكري على إيران في ضوء أزمتها المالية والاقتصادية ، وفي ضوء تجربتها القاسية في كل من العراق وأفغانستان / وفي ضوء فشلها في تنفيذ مشروعها التآمري على سوريا وتراجعها عن توجيه ضربة عسكرية ضدها.

ثالثاً : اطمئنانها بأن زمام المبادرة في حل الأزمات الدولية ، وبخاصةً في الشرق الأوسط أصبح في يد موسكو بشكل رئيسي ، وبأن دبلوماسية الخارجية الأمريكية بات في حالة متردية وتنشد الحلول الوسط التي تقدمها الدبلوماسية الروسية .

ومما سهل مهمة المفاوض الإيراني أيضاً ، في تحقيق ما تقدم من نتائج لصالح إيران عاملا رئيسيان هما :

أولاً: أن المفاوض الإيراني ذهب للمفاوضات ، مسلحاً بخطة واضح فيها الهدف الاستراتيجي والخطوط الحمر التي لا يجوز خرقها وهي " حق إيران النووي في التخصيب على ارضها " وواضح فيها أيضاً الاستعداد للمناورة والتنازل في تفاصيل وجزئيات مثل درجة التخصيب وغيرها .

وهذا ما أشار إليه مرشد الثورة الإسلامية خامنئي بقوله : " " أن البعض يتصور أن المرونة البطولية ، تعني التخلي عن المواقف والرجوع عن المبادئ ، لكن هؤلاء أساءوا الفهم لأن المرونة البطولية تعني مناورات مناسبة ، والاستفادة من أساليب مختلفة من أجل تحقيق الأهداف المرسومة ".

ثانياً: أن وفد الطرف الآخر (5+1) لم يكن موحداً في مواقفه ، فمن جهة فإن روسيا والصين ليستا في موقع الخصومة عملياً مع إيران ، ومن جهة أخرى فإن بقية الدول لم تكن موحدة حيال الموقف مما يطرحه الجانب الإيراني ، لدرجة أن مفوضة الخارجية الأوروبية كاترين آشتون التي كانت مخولة بالتفاوض مع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ، كانت مضطرة للذهاب لغرفة كل وفد من وفود أمريكا وبريطانيا وفرنسا ، للتوفيق فيما بينها حيال بنود التفاوض.

ناهيك أن فرنسا لعبت دور المشاكس بدون مبرر حقيقي ، سوى للظهور بمظهر المفاوض الصلب وغير التابع لواشنطن ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية تريد الانتقام من الإدارة الأمريكية ، التي أهملتها في موضوع الملف السوري ، عندما ألغت الضربة العسكرية لسوريا في إطار مبادرة مشتركة مع روسيا ، رغم أنها كانت جاهزة للمشاركة في الضربة دون موافقة البرلمان الفرنسي ، ومن جهة ثالثة حتى تكسب ود ( إسرائيل ) وأنها حريصة على أمنها ، ومن جهة رابعة حتى تكسب ود السعودية لغايات متصلة بصفقات تسليح لها بأكثر من ملياري دولار ، وبالفوز في تنفيذ مشاريع بنية تحتية فيها قيمتها (30 ) مليار دولار.

خلاصةً : فإن ما تقدم من قراءة للاتفاق المبرم ، بين مجموعة أل (5+1) وبين إيران يقودنا إلى استخلاص محدد هو : " أنه رغم معادلة " رابح رابح " لكل من الطرفين ، إلا أن كفة الرجحان تميل في الميزان لصالح إيران ، وفق المزايا التي أشرت إليها سابقاً وعلى رأسها تحقيق إيران الهدف الإستراتيجي والمركزي ، ممثلاً بالقبول الدولي بإيران دولة " عتبة نووية " من حقها أن يكون لها برنامجها النووي الخاص ، بتخصيب اليورانيوم على أرضها للأغراض السلمية والمدنية بدون استئذان من أحد.

اخر الأخبار