رسالة توفيق الحكيم إلى عبدالفتاح السيسى

11:14 2013-11-28

أمد/ القاهرة - كتب محمد الباز: إذا أردت أن تعرف ملامح تحضر رجل.. فابحث عن مكان الفن عنده ومكانة المرأة لديه.
وعندما نفتش فى حياة عبدالفتاح السيسى عن ملامح تحضره، ورغم أن المعلومات المتاحة ليست كثيرة عن علاقته بالفن ودور المرأة فى حياته، فإننا نقف عند بعض الشواهد التى تقودنا لتكوين أول أركان وملامح الصورة. يحمل السيسى ضعفا من نوع خاص تجاه أمه، وهو ما يدفعه إلى التعامل بحنان بالغ مع كل الأمهات، يحكى ستيفن جراس أحد أساتذته فى كلية الحرب الأمريكية «2005 - 2006» أنه دعا السيسى إلى حفل بمنزله، ولفت نظره أن الضابط المصرى لم يكن مهتما كثيرا بالألعاب والمسابقات الترفيهية التى أقبل عليها زملاؤه من العسكريين الأجانب.
لم يكن هذا هو أهم ما لفت نظر «جراس».. فعلى ما يبدو كان هناك ما هو أهم، يقول: اهتم السيسى بالحديث مع والدتى التى تبلغ من العمر 80 عاما، وشرح لها معانى ودلالات كل اللوحات المكتوبة باللغة العربية فى منزلى.
لماذ فعل ذلك؟
أغلب الظن أنه رأى فى هذه السيدة أمه التى يعيش بعيدا عنها، جلس إليها، حكى لها، وكأنه يفعل ذلك مع أمه التى ورغم أنه- فعلا وواقعا- أصبح واحدا من صناع التاريخ بما له وما عليه، فإنه لا يزال يستمد منها المدد والعون والطاقة الروحية، لقد رأى الرضا فى عيون كل من قابلهم بعد قراءته لبيان عزل مرسى وتخليص الشعب من شروره وجحيم جماعته، وكان يعرف أن الملايين التى احتشدت فى الميادين راضية عنه وبه، لكنه كان حريصا أن يرى الرضا فى عينى والدته، التى ذهب إليها مباشرة تاركا رجاله فى وزارة الدفاع ليتأكد أنها أيضا راضية عما فعل. وحدها الأم هى التى تمنح ابنها تصوره عن كل النساء، بإمكانها أن تجعله متحضرا يحترم أى وكل امرأة يقابلها، وبإمكانها أن تجعله خصما لأى امرأة يلتقى بها، وهو ما وضح فى علاقة السيسى بزوجته السيدة انتصار ابنة خالته التى تزوجها منذ ما يقرب من ثلاثين عاما بعد قصة ود وحب نمت فى إطار الأسرة.
لقد حاول من أرادوا الطعن على عبدالفتاح السيسى أن يقتربوا من حمى زوجته، وحتى يؤكدوا أنه ينتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، راحوا يؤكدون أن زوجته منتقبة، ورغم أن معظم زوجات قيادات جماعة الإخوان غير منتقبات، فإنهم أرادوا أن يأخذوا من نقاب زوجته المزعوم دليلا على إخوانيته، رغم أنها تلتزم بالحجاب على الطريقة المصرية، وبالمناسبة فمعظم زوجات وزراء الدفاع السابقين «أبوغزالة وطنطاوى مثلا» كن محجبات، وظهرن بالفعل إلى جوار أزواجهن فى مناسبات اجتماعية عديدة دون أن يثير هذا تعليقا من أحد، فالحجاب الوسطى الذى تلتزم به أمهاتنا وأخواتنا لا يثير جدلا، خاصة أنه يعبر عن ثقافة مجتمع.
فى حديثه العابر إلى مجلة «نيوزويك» الأمريكية، قال أحمد السيسى الشقيق الأكبر للفريق عن زوجة أخيه: هى ترتدى الحجاب وربة منزل مثل شقيقاته الخمس، كما أن نساء هذه الأسرة لا يعملن ويفضلن تربية ورعاية الأطفال.
لم تظهر زوجة الفريق أول عبدالفتاح السيسى إلى جواره حتى الآن فى أى مناسبة رسمية أو اجتماعية، وإن كان هذا لسبب بسيط، أن الفترة التى قضاها وزيرا للدفاع والتى تمتد إلى الآن لم تكن فيها مناسبات اجتماعية أو رسمية تستدعى وجودها، بل كانت أقرب ما تكون إلى مناسبات عاصفة مليئة بالأحداث والمواجهة، وإطلاق التحذيرات للإخوان المسلمين ورئيسهم، لكننى أعتقد أنه عندما ستكون هناك مناسبة تستدعى وجودها فلن يحجبها أو يمنعها من الحضور، وإذا جرت المقادير وحكمت على السيسى بأن يكون رئيسا لمصر، ففى الغالب ستكون السيدة انتصار أقرب إلى نموذج السيدة تحية عبدالناصر، التى كانت هى أيضا ربة منزل وكل اهتمامها لتربية أطفالها ورعاية أحفادها، وسيكون ظهورها مناسبا للدور الاجتماعى العام الذى ستحرص عليه دون مبالغة، لكن على أية حال فهذا حديث سابق لأوانه، فلا السيسى حسم أمره وقرر أن يرشح نفسه للرئاسة، ولا السيدة زوجته تفكر فى أبعاد دور السيدة الأولى.
أما عن الفن فى حياة عبدالفتاح السيسى فحدث عنه بلا حرج، لقد عاب عليه الإخوان المسلمون صوره التى التقطت له أثناء الاحتفال بالذكرى الأربعين لحرب أكتوبر، وهو يقف بين الفنانين والفنانات، حاولوا الإساءة إليه دون أن يكون هناك أى مبرر للإساءة، ودون أن يتذكروا أن رئيسهم المعزول محمد مرسى كان قد استقبل الفنانين فى قصر الاتحادية والتقطت له بعض الصور التذكارية وهو يقف إلى جوارهم.
لكن ما لم يستوعبه صبيان الجماعة الذين يحترفون الإساءة إلى خصومهم، أن هناك فارقا كبيرا جدا بين السيسى ورئيسهم، فمحمد مرسى كان براجماتيا إلى حد كبير فى علاقته بالفنانين، أدرك أنهم يمثلون جبهة معارضة قوية فاستدعاهم كى يأمن جانبهم، رغم أنه فى قرارة نفسه لا يؤمن بالفن، ولا يحترم الفنانين، أما السيسى فهو ينطلق من أرضية تحترم الفن بالفعل، لا ينافق الفنانين حتى يكسب ودهم وتعاطفهم وتأييدهم.. ولذلك عندما غنوا له، كانوا يفعلون ذلك عن قناعة كاملة وبحماس صادق غير مدفوع لا برغبة فى مكسب ولا طلبا لقرب.
ما لا يعرفه الإخوان المسلمون أن هناك صفحات لا تزال مجهولة فى ملفات السنة التى حكم مرسى فيها مصر، وقد لا يعرف الإخوان أن المعزول كان يتواصل مع الفنانين ويسأل عنهم، وقد شهدت بنفسى مكالمة تليفونية أجراها ياسر على المتحدث الرسمى باسم مرسى مع الفنان صلاح عبدالله، عندما عرف من إعلامى شهير أنه مريض، وجدت ياسر يتحدث بمنتهى الاهتمام وينقل لصلاح عبدالله تحيات الرئيس له، وسؤاله عليه.. وكان ياسر فى هذا براجماتيا أيضا، فقد كان يبحث عن مساحات تفاهم بين الفنانين والرئيس.
مكالمة ياسر لصلاح عبدالله لم تكن تعنى أبدا قناعة مرسى ورجاله بأهمية الفن وضرورة رعايته، فقد كان الرجل وعصابته فى قصر الاتحادية ومكتب الإرشاد يحتقرون الفنانين، وهنا قد تكون هذه الواقعة لها دلالتها ومعناها.
كانت قناة الـ«إم بى سى مصر» قد دعت مجموعة من الفنانين والكتاب والمثقفين والسياسيين لحفل تدشين القناة، وكان أن حضر ياسر على الحفل، والتقطت له بالفعل صور إلى جوار الفنانة يسرا، رأيت فى الصورة تعبيرا عن حالة انفتاح يبدأها ياسر على، وأنه يمكن استثمار هذه الحالة لتوسيع دائرة الاتفاق بين الإخوان والمجتمع.
قررت نشر الصورة فى الصفحة الأولى بجريدة الفجر، لكن قبل الطباعة بما يقرب من 24 ساعة، تلقيت مكالمة هاتفية من صديق مشترك بينى وبين ياسر على، يطلب منى فيها أن أرفع الصورة، فالمتحدث الرسمى باسم مرسى يرى حرجا فى نشر صورة له إلى جوار الفنانة يسرا، رفعت الصورة احتراما لرغبته، لكن لفت نظرى أن ياسر عرف بأمر نشر الصورة فى الصفحة الأولى بجريدة معارضة للإخوان، ولم أستغرق وقتا طويلا فى الحيرة، فقد كنت أعرف أن للجماعة عيونها وجواسيسها حتى فى أشد الصحف معارضة لها.
شىء من هذا لا يفعله السيسى، فهو يحترم الفن والفنانين قولا وفعلا، ولذا لم يتحرج من نشر صوره مع الفنانات، ودعوتهم إلى لقاءات ومناسبات خاصة بالقوات المسلحة، فهو يعرف أنهم قوة مصر الناعمة التى لابد من الاعتماد عليها، ليس استغلالا ولكن قناعة بدورهم وتأثيرهم.
حالة الجدية التى يبديها السيسى تجعلك لا تتوقع مطلقا أن تكون لهذا الرجل اهتمامات فنية، لكن من يعرفونه جيدا يشيرون إلى أنه من سمعية أم كلثوم، لكن الغريب أنه ورغم تفضيله الشديد للست فإنه أيضا يستمع لفيروز، ورغم أن حزب أم كلثوم لا يميل كثيرا لفيروز، وكذلك حزب فيروز لا يميل كثيرا لأم كلثوم فإن السيسى مستمع جيد لهما الاثنتين، قد لا تكون لديه طقوس فى الاستماع إليهما، لكنه وعندما يتوفر له الوقت يحرص على سماعهما.
لا تطغى اهتمامات السيسى الفنية على اهتماماته المعرفية، فهو قارئ جيد جدا، وقد فاجأ هيكل عندما التقى به أول مرة بعد ثورة 25 يناير فى مبنى المخابرات الحربية، أنه قرأ كل كتب هيكل، وكان ذلك طبيعيا من قائد عسكرى لديه اهتمام خاص بتاريخ مصر، ويمثل ما كتبه هيكل عن تاريخ مصر- اختلفت أو اتفقت معه- الجزء الأهم من تاريخ مصر الحديث حتى الآن.
لكن أهم من كتب هيكل تأتى الدراسة العسكرية العميقة لتشكل جزءا مهما من أجزاء تكوين السيسى الثقافية، وهنا أشير مرة أخرى إلى ما قاله عنه ستيفن جراس من أنه لم يكن مثل غيره من العسكريين الأجانب، الذين عادة ما يعتبرون دراستهم فى أمريكا فرصة للراحة والاستجمام، لكنه وخلال العام الذى قضاه فى «كارلايل» بولاية بنسلفانيا أخذ دورات فى التفكير الإستراتيجى، وتحديدا فى نظرية الحرب وصياغة السياسات الوطنية.
وقد تكون هذه الدراسة هى التى جعلته أكثر وعيا من غيره، وأكثر حسما كذلك فى اتخاذ قراره بإنهاء حكم الإخوان المسلمين، الذين قرأ عنهم بعد ثورة يناير ربما أكثر مما قرأ الآخرون عنهم، ولذلك كان من الصعب أن ينخدع بهم.
لكن ولأن الأستاذ هيكل اعترض طريقنا ونحن نتحدث عن السيسى، فلابد أن نتوقف عند هذه المحطة قليلا، فهيكل يلتقط من يعرفهم بعناية، وقد بدأ هو برسائل المودة إلى مدير المخابرات الحربية، وهى الرسائل التى حملها الكاتب الكبير مصطفى بكرى إليه، حيث أبلغ السيسى تحيات هيكل وإعجابه الشديد به.
من بين ما يربط بين هيكل والسيسى أنهما أبناء حى واحد، فقد شهد حى الجمالية الشعبى نشأتهما، وقد أثر الحى بقربه الشديد من ضريح الإمام الحسين فى إضفاء حالة من الروحانية والوجدانية النادرة على كل من نشأوا فى شوارعه وحاراته، هناك ثالث ينتمى إلى حى الجمالية وهو الكاتب الكبير والروائى الأعظم نجيب محفوظ، لكن لا يوجد تقاطع بينه وبين السيسى، وعلى ما أعرف فإن عبدالفتاح ليس من قراء محفوظ الدائمين، فهناك كاتب آخر يمكن أن نعتبر وزير الدفاع من عشاقه والحريصين على قراءة كل ما كتبه، وهذا حديث يمكن أن يتأخر بنا إلى عدة سطور قادمة.
أبناء الجمالية حريصون على القراءة والتعليم، وتدلنا نماذج الكبار منهم على أن لديهم طاقة إيجابية خلاقة، تجعلهم يستمرون فى العمل لسنوات طويلة، هيكل ما زال يعمل وقد تجاوز التسعين من عمره، نجيب محفوظ كذلك ظل لسنوات طويلة يعمل ويبدع ولم يعطله عن العمل والإبداع إلا تعرضه للاغتيال.
التقارب بين هيكل والسيسى يمكن أن يضعنا على مساحة جديدة لدى عبدالفتاح السيسى، وهى مساحة الكاتب، يشهد من يعرفونه واقتربوا منه جيدا، أنه كاتب محترف، ليس لأنه كتب كثيرا من التقارير والأبحاث والدراسات، وبعضها منشور بالفعل، ولكن لأنه يمتلك قدرة على الصياغة قد تتعجب أنها لضابط جيش وهب حياته كلها للعمل العسكرى والتدريب والعمل الإدارى.
بعد إذاعة بيان الجيش الذى أمهل محمد مرسى 48 ساعة، توقف الجميع أمام جملة جاءت فى الخطاب هى: إن هذا الشعب الكريم قد عانى ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه، وهو ما يلقى بعبء أخلاقى ونفسى على القوات المسلحة التى تجد لزاما أن يتوقف الجميع عن أى شىء بخلاف احتضان هذا الشعب الأبى الذى برهن على استعداده لتحقيق المستحيل إذا شعر بالإخلاص والتفانى من أجله.
توقف البعض لأن صياغة الجملة كانت تبتعد كثيرا عن اللغة الجافة التى كانت تصاغ بها بيانات القوات المسلحة، ولأن مساحة من التقارب كانت قد بدأت بين هيكل والسيسى روج لها وبعناية عدد من مريدى الأستاذ، فقد تصور البعض أن هيكل هو من كتب هذه الجملة تحديدا، خاصة أنها تقترب بشكل ما من صياغاته وتركيباته اللغوية، لكن هيكل وبصراحة مطلقة خرج ليؤكد والكلام له نصا: وزير الدفاع كتب بيان الـ48 ساعة بنفسه وبحرفية شديدة، وهو ما أذهلنى بصورة كبيرة جدا.
كان الهمس بأن هيكل هو الذى كتب البيان قد وصل إلى مسامع الأستاذ الذى تعود ألا ينفى شيئا ينسب إليه، حتى لو لم يفعله، فهو صاحب مقولة دع التاريخ يأخذ مجراه، لكنه هذه المرة لم يقدر على الصمت، فما فعله السيسى كان أكبر من أن ينسبه هيكل إلى نفسه.
براعة السيسى وقدرته على الكتابة جعلت هيكل يعترف له بالحرفية الشديدة، لكن هيكل حاول اختطاف شىء آخر من السيسى، وهنا لابد أن نعود قليلا إلى الأحداث التى تلت إعلان مرسى للإعلان الدستورى المشؤوم فى نهايات نوفمبر 2012.
ولنبدأ بما قاله هيكل أولا، يقول: وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسى ألغى دعوته للحوار «يقصد الدعوة التى تبناها السيسى للحوار بين القوى السياسية فى نهايات نوفمبر 2012» بعد أن استشعر أن بعض القوى السياسية قلقة من عودة الجيش للعملية السياسية، وأعتقد أن القيادة العسكرية أخذت المبادرة ثم اتصلت بالرئاسة وخشيت لأن التجربة قريبة زمنيا من هتاف رفض الحكم العسكرى ولهذا ألغيت الفكرة.
لا يتوقف هيكل عند هذا ورغم أن ما ذكره عن سبب إلغاء دعوة السيسى للحوار ليس صحيحا جملة ولا تفصيلا، فإننى سأواصل إثبات ما قاله، وهو هنا يطل برأسه علينا، يقول: اتصلت هاتفيا بالفريق أول عبدالفتاح السيسى وأبلغته: إننى أستطيع أن أفهم دوافعك لدعوة القوى السياسية رغم عدم موافقتى على هذا القرار خاصة فى ظل المناخ السائد وكذلك التوقيت وأشياء كثيرة من بينها تخوفى من استعادة تجربة الهتافات الرافضة للحكم العسكرى».
لم يلغ السيسى الدعوة بسبب ما قاله هيكل على الإطلاق، وهنا أثبت ما قاله مصطفى بكرى فى كتابه الأخير « نهاية الإخوان» عندما نقل تفاصيل المواجهة بين السيسى وخيرت الشاطر وسعد الكتاتنى فى مكتب وزير الدفاع قبل خطاب مرسى فى 26 يونيو 2012.
فمن بين ما قاله السيسى مواجها به نائب المرشد: عندما حاولت القوات المسلحة أن تدعو إلى مائدة حوار بين الجميع، رفضتم ذلك، وعلمت أن د. محمود عزت اتصل بالرئيس وطالبه بإلغاء الحوار، وعرفت أيضا أنك لم تكن مشجعا لهذا الحوار، بالرغم من أننى تحدثت مع د. أحمد عبدالعاطى، مدير مكتب الرئيس، وأبلغته بالهدف من وراء الحوار فاتصل بى الرئيس محمد مرسى بنفسه وأيد الفكرة، لكنكم تعمدتم وضع القوات المسلحة فى موقف صعب ومع ذلك تحملنا الإهانة وصمتنا.
من كلام السيسى الذى نقله بكرى نتأكد أن هيكل لم يقل الحقيقة، فالسيسى لم يلغ فكرة الحوار، ولكن الإخوان هم من أفشلوه، وقد أكد لى بعض من وصلتهم الدعوة إلى الحوار أنهم كانوا فى طريقهم إليه، إلا أن اتصالات هاتفية من القوات المسلحة اعترضت طريقهم وأخبرتهم بإلغاء مائدة الحوار إلى أجل غير مسمى.
هل حاول هيكل فى لحظة ما أن يختطف السيسى لحسابه؟
أعتقد أنه حاول أن يفعل ذلك، وهو ما حاوله الناصريون أيضا، فقد حاولوا تصوير الرجل على أنه ناصرى وأنه من سيكمل ما بدأه عبدالناصر، رغم أن الرجل فعليا لا يعتنق أيديولوجية معينة، بل هو إلى المشروع الوطنى الذى يقوم على استقلال الوطن وتحرير إرادة المواطن أقرب، وإذا كان هناك تشابه بينه وبين عبدالناصر فى شىء فهذا ليس معناه أنه ناصرى أو يريد أن يكمل ما بدأه عبدالناصر.
على أية حال لم يكن هيكل فى هذا التوقيت «توقيت الدعوة وإلغائها» قريبا بالدرجة الكافية من السيسى، بل على العكس كان الأقرب إلى محمد مرسى، وكان مستفزا للجميع، لكن كان طبيعيا- بالنسبة له - أن يذهب إلى محمد مرسى فى قصر الاتحادية ليزوره رغم أن دماء من قتلهم مرسى على بوابة قصر الاتحادية لم تجف بعد.
دعوا هيكل جانبا، فالتاريخ وحده هو من سيكشف حقيقة علاقته سواء بمرسى أو بالسيسى، لكن هناك كاتبا أعتقد أنه لابد من التوقف أمامه قليلا، وهو توفيق الحكيم، فهو تقريبا الكاتب المفضل لدى السيسى، قرأ كثيرا مما كتبه، وقد تكون الروح الإبداعبة المتفردة المحلقة لدى الحكيم هى التى جذبت السيسى إليه، فهو كاتب غير تقليدى، يجذب إليه من لا يستسلمون لإيقاع الحياة الرتيب والسيسى منهم فى الغالب.
لن يكون مفيدا أن أشير لكتب توفيق الحكيم التى تعجب السيسى، لكننى سأضع أمامه كلمات قالها توفيق الحكيم، أعتقد أنه لم يقرأها من قبل، وأعتقد أنه يحتاجها، هذا إذا كان يفكر فى أن يكون الرجل القادم لمصر.
قبل شهور قليلة من وفاة الحكيم فى العام 1987، أجرى معه الكاتب الكبير صلاح منتصر عدة حوارات معظمها لم ينشر، وقد ضمنها بعد ذلك فى كتاب «توفيق الحكيم فى شهادته الأخيرة»، من بينها حوار بعنوان «رسالة من الحكيم إلى الحاكم» ومن بين ما جاء فيها.
أولا: الحاكم الناجح الذى أراد لمصر الخير والنجاح بدأ مهمته بسؤال: ماذا أريد لمصر؟ أما الذين لم يهدفوا إلى خيرها فقد كان سؤالهم هو: ماذا يريدون من مصر؟ وفرق كبير بين الذى يريد لمصر والذى يريد من مصر، سواء كان على مستوى الحاكم أو حتى المواطن.
ثانيا: على الحاكم أن يكون رأيه من خلال مستشاريه الذين يعتبر هو مسؤولا مسؤولية مباشرة عن اختيارهم فى مختلف الفروع، لأن الحاكم الجيد هو من يستطيع أن ينتقى ويختار المعاونين والمستشارين الجيدين.
ثالثا: أهم شىء أريد أن أقوله للحاكم هو أن أخطر ما يواجهه هو الخضوع لجملة الشعب عاوز إيه، القضية ليست الشعب عاوز إيه، ولكن الشعب يجب أن يكون إيه، مش الشعب عاوز إيه أقوم ألبى له كل طلباته السهلة والرخيصة، من الطبيعى أن الشعب بحالته التى هو عليها اليوم يتطلع إلى الحاجة السهلة، هذا أكبر خطر يواجه الشعب والحاكم، لا يمكن أن أبدأ: ماذا أريد لمصر؟ دون أن أحدد مباشرة ماذا أريد من الشعب.
رابعا: بعض الحكام يخافون من إيقاظ عقول الجماهير على أساس أنهم لو أيقظوا هذه العقول فستفكر وتتبعهم، وهذا غير صحيح، فالحاكم الناجح لا يجب أن يخشى من إيقاظ عقول الجماهير، بل على العكس يسعد بذلك، لأن هذه الجماهير ستؤيده بعقولها اليقظة، وتأييد العقل أسلم وأبقى وأصح من تأييد الوعى المفقود.
لو كان صحيحا أن توفيق الحكيم هو كاتب السيسى المفضل، فهذه رسالته لمن يريد أن يحكم مصر.. وأعتقد أن فيها ما يكفى.

عن اليوم السابع

اخر الأخبار