في الذكرى السنوية الثالثة .. عبد الله الحوراني ذاكرة الانقسام .. والحرب على غزة

01:30 2013-11-28

كتب : جمال أبو لاشين: الجمعة 29/11 تصادف الذكرى السنوية الثالثة لوفاة القائد الوطني والقومي الكبير عبد الله الحوراني " أبو منيف " , وللمصادفة التاريخية وافق يوم وفاته الذكرى الثالثة والستين لقرار تقسيم فلسطين التي أفنى عمره مدافعا عنها وعن لاجئيها الذين نكبوا بقيام دولة إسرائيل .

اقتربت كثيرا من ( العم أبو منيف ) كما كان يحلو له أن يناديه موظفوه في المركز الذي كان اسمه وقتها المركز القومي للدراسات والتوثيق قبل أن يسمى باسمه تخليدا لذكراه , وقد جمعتنا الكثير من جلسات العمل التي تشعبت في أحيان كثيرة للهموم الوطنية والسياسية فكان على الدوام متحدثا لبقا لا ينضب بعينه من تاريخ قرأه أو عايشه بتفاصيله الصغيرة , وفي ذكراه الثالثة أحببت التحدث عن مفارقتين في حياة العم أبو منيف رحمه الله عسى أن تعرفه الأجيال الشابة التي لم تنل حظ الاقتراب منه , أو يتذكره كل من عرفه .

فمع تعقد الأوضاع في قطاع غزة بسبب الانقسام آثر رحمه الله البقاء وعدم مغادرة القطاع الذي يحبه ويعشقه رغم شعوره اليقيني أن الحال لم يعد كسابق عهده , لذلك سعى من اللحظة الأولى لرأب الصدع وحاول مقاربة وجهات النظر , ووصل في كثير من الأحيان إلى نقاط التقاء إلا أن جهوده بددت سواء نتيجة تشدد البعض , أو لمحاربته من آخرين أنكروا عليه أن يصبح الشخصية الوطنية التي ينسب لها النجاح في مساعي المصالحة .

ورغم كل هذا لم يكل للحظة عن المحاولة تلو الأخرى , وكان على يقين أن المصالحة تتعطل لأسباب إقليمية أكثر منها محلية , وهو ما لمسه جليا في مباحثات القاهرة 2009 التي ترأس فيها لجنة منظمة التحرير الفلسطينية فبعد التوافق والوصول للتوقيع في مراحله النهائية تظهر فجأة القوى المعطلة التي تعيد المباحثات للمربع الأول , وقد حدثني عن الارتباك الذي كان يسببه رهن القرار الفلسطيني لقوى خارجية , وكيف ملت المخابرات المصرية من حجم الاملاءات التي كانت تعطل التوصل لاتفاق .

وسط كل هذا السواد المحيط الذي يعصف بوحدتنا وبقضيتنا لم يهن أو يضعف حتى في أشد لحظات المرض الذي هاجمه بشراسة لا ترحم وزادته الوخزات لتضني جسده المنهك فواصل محاولاته المرة تلو الأخرى ليعيد اللحمة بين شطري الوطن غير آبه لنداء جسده المثخن والذي يطلب دما باستمرار كي يصح لأيام معدودة .. كنت أعجب في كثير من الأحيان بالقوة التي يتمتع بها وبالإرادة والتصميم اللذين لازماه حتى وفاته فكان قدره أن يحبه الجميع ويذكروه دوما بصورته الجميلة التي تركها للجميع .. صورة الأب الحنون , والأخ الكبير .

ومن المفارقات التي أتذكرها على الدوام عدم مغادرته منزله الملاصق لتجمع أنصار غرب غزة , والقريب من البحر رغم شدة القصف الإسرائيلي لمنطقة أنصار المجاورة وتضرر بيته في كل مرة حيث تدفع قوة القصف بطائرات الاف 16بأبواب المنزل ونوافذه , ويتطاير الزجاج في أرجاء البيت كما تسقط بعض الشظايا الناتجة عن انفجار على سطح المنزل وفي محيطه وأحيانا تدخل من نوافذه المهشمة الزجاج , ورغم هذا كان يصر على الصمود والبقاء مثله وباقي سكان قطاع غزة الذين يعانون يوميا من آلة الحرب الصهيونية .

وأتذكره في حرب الرصاص المصبوب التي بدأت في 27/12/2008 على قطاع غزة بقصف جوي وبري وبحري متواصل لسبعة أيام حيث أعلنت قوات الجيش الإسرائيلي عن شروعها بعد انتهاء الأسبوع الأول بحملة عسكرية برية على القطاع , يومها حادثت العم أبو منيف رحمه الله على الهاتف وأبلغني أن مرافقه الأخ ساطع وهو أيضا نسيبه لا يستطيع الخروج من مسكنه في منطقة السودانية شمال غزة لكثافة القصف هناك , وأنه بحاجة لمبلغ بالعملة الإسرائيلية تحسبا لتدهور الأوضاع جراء الحرب البرية فأخبرته بقدومي إليه إلا أنه اعترض بداية لخطورة الوضع فقلت له : " اللي ربنا رايده بيصير " , وأمام إلحاحي عليه وافق وفي طريقي إليه عرجت على محال الصرافة في منطقة السرايا لتبديل العملة فكان أغلبها مدمرة نتيجة القصف , وتوجهت لمنزل أحد الصرافين لتحويل بعض الدولارات لعملة الشيكل ثم أكملت بعدها طريقي ورغم قصر المسافة من منطقة السرايا وسط غزة لمنزل العم أبو منيف إلا أنني احتجت لثلاثة سيارات حتى أصل لمنطقة أنصار فقد كان يعتذر سائقيها عن مواصلة الطريق وهو ما جعلني أستقل هذا العدد من السيارات .

حين وصلت منطقة أنصار بدا لي المكان موحشا , فالمحلات كلها مغلقة , وليس هناك من حركة سواء للمواطنين أو السيارات , فعجلت في سيري متوجها للمنزل الذي دخلته فقابلني العم أبو منيف في الدور الأرضي وهو عبارة عن مظلة للمنزل كان وقتها جالسا على كرسيه متدثرا ببالطو ثقيل يقيه برودة الشتاء ويلف حول رأسه لفحة شتوية فيومها كان الجو باردا , والوحشة والوضع الأمني المتدهور الذي ينذر باجتياح بري للقطاع تزيد الإنسان برودة وقشعريرة فالموت على الأبواب .. كان الوقت يقترب من الظهيرة والشمس ترسل أشعتها محاولة أن تبدد البرودة التي تسري بالأبدان .

رحب بي العم أبو منيف مبتسما كعادته بطريقة تشعرك على الفور بقربك منه , وبدأ بالحديث قائلا : " والله يا عم غلبتك " فقلت : " لا غلبة ولا شي هادا واجبي " , وسلمته المبلغ وكان قد أعد شيكا لقاءه دفعه لي شاكرا , وأخذت أساله عن المؤونة وهل وفر ما يلزمه لفترة أسبوعين على الأقل فالاجتياح البري المنتظر لن يمكن الناس من الخروج وتلبية احتياجاتهم بيعا أو شراء , فأجابني أن لديه ما يكفيه وزوجته " الخالة أم منيف " التي عايشت معه تجربة القصف والحرب .

كان همي وقتها ألا يحتاج أحدا ويتوفر لديه ما يكفيه فترة الحرب التي ستبعدنا عن أي لقاء , ورغم أن ما لديه قليل فهو قانع به ويجده وفيرا , وشرع يحدثني عن اتصالات تجري على كل المستويات لوقف التدهور الحاصل , وأنه يتابع الأمر مع عدد من الشخصيات السياسية وقادة الفصائل في الداخل والخارج , وأن هناك تحركات للخروج من الأزمة .

بعدها أخذ الحديث منحى آخر فقد أسر لي بقراءته القرآن باستمرار , وأنه في كثير من الليالي أثناء قراءته يشعر بقربه من الله يحادثه ويناجيه حتى يهتز وجدانه كله فتنهمر دموعه غزيرة من الإحساس الذي يتملكه وبعد أن يهدأ وتستقر روحه يشعر بحالة من الصفاء والنقاء كأنما ولد من جديد , أحسست حينها بدموعي تترقرق من شدة تأثري بهذه الرحلة الإنسانية , وقد بان ذلك على وجهي إلا أن قدوم الخالة أم منيف بشخصيتها المحببة والقريبة جدا من الجميع تحمل في يدها القهوة لثلاثتنا قطع حبل المناجاة الإلهية التي تظهر كثيرا في الأزمات , رحبت بي وبان على وجهها السعادة بوجود ضيف في مثل هذه الأجواء .

ارتشفنا القهوة والخالة تضفي جو من المرح كعادتها وفجأة انتشرت طائرات الاف 16 في سماء المنطقة حيث هربت كل الطيور هلعة مفسحة السماء لهذه الطيور الحديدية الكبيرة التي تحمل معها الموت والخراب , شعرنا وقتها بحالة من التحفز والترقب للقصف , بعد قليل ابتعدت الطائرات عن المكان إلى أهداف أخرى فاستأذنت من العم أبو منيف بالمغادرة وسلمت عليه مودعا وبداخلي أردد هل سيكون لنا لقاء بعد الحرب ؟ أصرت الخالة أم منيف قبل مغادرتي بأن تطعمني قطعة حلوى تبدد مرارة القهوة , وهو كرم اعتدناه فيها وكل من عرفها يعلم قدر طيبتها وسخاءها فأخذت قطعة منها مودعا إياهما إلى لقاء , وتركتهما جالسين في يوم مشمس وأمامهما قطع الحلوى منطلقا في طريق العودة , وبعد أن سرت نصف المسافة التي قدمت منها وجدت سيارة تقلني , ركبتها سارحا بكل ما مر في هذا اليوم منتهيا إلى صورة الحلوى أمام العم والخالة الصامدين في غزة والتي تبشر بفرح قادم رغم المآسي التي نمر بها .

وفي منزلي عند دخوله وجدت أطفالي بانتظاري حيث تبدد قلقهم حال رؤيتي , وشاع الأمان في عيونهم في حين أكملت الطائرات الأمريكية قصفها قطاع غزة على وعد باجتياح بري في اليوم التالي .. رحمك الله أبا منيف وأسكنك فسيح جناته .

* كانت حصيلة الحرب 1387 شهيدا , و8000 جريحا , ودمار كبير في المباني والبنية التحتية , وانهارت المفاوضات مع أولمرت الذي ختم رئاسته للوزراء بحر شرسة , وكما استخدمت إسرائيل الفوسفور المشع المحرم دوليا الذي أصاب العديد من الأهالي .