صفقة شراء أسهم باديكو الاضخم في تاريخ البورصة الفلسطينية

تابعنا على:   22:19 2013-11-26

أمد / رام الله – تقرير محمد خضر قرش :

مقدمة ومعلومات عامة

الصفقة الكبرى ودعنا نقول الأضخم في تاريخ البورصة الفلسطينية التي تمت قبل نحو اسبوع تقريبا واستمر تنفيذها عدة آيام متتالية تضمنت قيام مجموعة الاتصالات الفلسطينية بشراء 37 مليون سهم من أسهم باديكو والعائدة ملكيتها لكل من صندوق الاستثمار الفلسطيني (13 مليون سهم ) وصندوق بليكني البريطاني( 19 مليون سهم) وخمسة ملايين اخرى تم سحبها من السوق من جمهور المتعاملين كاجراء مكمل كان لا بد منه للحفاظ على سعر سهم باديكو قريبا جدا من سعر الصفقة المحدد والمتفق عليه ب 1.25 $/سهم.وقد كلفت الصفقة مجموعة الاتصالات نحو 47 مليون $. ما كان يمكن للصفقة الضخمة بالمعايير الفلسطينية أن تتم أو تمر دون تسجيلها عبر شركات الوساطة العاملة إلتزاما بمبدأ الشفافية والافصاح المعتمدة في البورصة الفلسطينية.وقد اتاح هذا الإجراء للمستثمرين العاديين من بيع أسهمهم وتحقيق أرباح تجاوزت عمليا 22% على الأقل. وقبل الولوج في كنه الصفقة وتحليلها وتبيان الآثار المترتبة عليها سواء على الاقتصاد أو المستثمرين الفلسطينيين أو البورصة بما فيها الآفاق المتوقعة، لا بد من توضيح العلاقة بين باديكو ومجموعة الاتصالات كخطوة لا بد منها لفهم مغزى ودوافع الصفقة التي تمت بين الطرفين .

1-تأسست شركة فلسطين للتنمية والاستثمار المحدودة (باديكو القابضة ) عام 1993 كشركة أجنبية مساهمة قابضة محدودة المسئولية مسجلة في ليبيريا بهدف المساهمة في بناء الاقتصاد الفلسطيني من خلال إقامة المشاريع التنموية في مختلف القطاعات برأس مال قدره 250 مليون $.

2- وفي عام 1995 أسست باديكو شركة الاتصالات الفلسطينية(بالتل) .

3-وفي عام 1998 قامت شركة الاتصالات الفلسطينية بإنشاء شركة جوال المتخصصة في مجال الاتصالات اللاسلكية (الهواتف الخلوية).

ولتسهيل المناقشة وفهم أوضح للعلاقة والتأثير المتبادل فإنه يمكن تشبيهها بالعلاقة التي تسود عادة بين الأب والأبن والحفيد.فالأب أسس شركات عديدة ومتنوعة معظمها لم يبدأ بتوليد دخل يتناسب وحجم الانفاق الاستثماري الذي تم عليها ،لكن أحد الابناء(مجموعة الاتصالات) تمكن من تحقيق الأرباح من السنة الأولى لتعويض الخسائر المتحققة في الشركات الاخرى. وبعد 5 سنوات أنشات شركة الاتصالات الحفيد "جوال " والذي بزَ والده وجده وبات يشكل الدخل الاساسي لهما بفعل المهنية العالية التي اتسمت بها أعماله وتخصصه في مجال واحد دون غيره مما عظَم أرباحه وخفض نفقاته بشكل ملموس وابتعدت إدارته التنفيذية عن التدخل في الجوانب والأمور غير المتعلقة بنطاق العمل والتركيز فقط على المهنية ومجال الاختصاص.

الصفقة

من المفيد بداية ان نوضح ان معظم أرباح باديكو تتأتى من مجموعة الاتصالات وأن نحو 85% من أرباح المجموعة تتحصل من شركة جوال.وهذا يعني ان الحفيد بات هو المصدر الأساسي للسيولة .ومن الضروري أيضا الإشارة بأن شركة باديكو تساهم بنحو31.5% في مجموعة الاتصالات بينما لم تساهم الأخيرة في باديكو حتى تاريخ عقد الصفقة محل المقال. لكن من المتوقع وبعد اتمام الصفقة أن يكون للمجموعة الاتصالات نحو 18 % في شركة باديكو وهي مجموع حصة كل من صندوق الاستثمار الفلسطيني وصندوق بليكني البريطاني وما تم جمعه من جمهور المتعاملين في الأسبوع المشار إليه.لم يكن الجد (باديكو) بحاجة إلى اموال أبنه وحفيده في البداية .إلا ان التوسع الكبير الذي قام به الجد في القطاعات الاقتصادية المختلفة أدى إلى إستنزاف الموارد المتاحة لديه بحيث لم يعد قادرا بمفرده على تمويل مشاريعه الاستثمارية الحالية منها والمستقبلية مما دفعه للاستعانة بالابن والحفيد معا اللذان استجابا لنداء الجد.وبغض النظر عن الحيثيات المهنية للصفقة سواء من حيث توقيتها او الدوافع التي كانت ورائها ، فمن المرجح أن الحفيد قد تدخل في الوقت المناسب للدفاع عن مشاريع جده ووالده ليس من باب رد الجميل والواجب باعتباره الأبن الشرعي والحافظ للجميل فحسب بل لكونه الأقدر على التمويل بحكم الارباح التي حققها في السنوات القليلة الماضية. فقد تراكمت الأرباح لديه وبات بامكانه تمويل مشاريع والده وجده معا، فليس في الأمر معيبة أن يستعين أويلجأ الجد إلى ابنه وحفيده لتمويل مشاريعه نظرا لتشابك وتوسع وتداخل الاعمال بشكل ملموس نتيجة للانتشار الأفقي في مختلف القطاعات.وبالعودة إلى الصفقة فإنه من الواضح تماما بان صندوقي الاستثمارالفلسطيني وبليكني البريطاني كان لكل منهما أسبابه الخاصة للخروج من سهم باديكو من خلال بيعه.فالأول(صندوق الاستثمار) بحاجة إلى السيولة لاستثمارها في مواقع أخرى يستطيع فيها التأثير على القراروفي وضع الخطط وان يكون له صوتا مسموعا ومؤثرا.فحصته في باديكو لم تزد عن 7.1%وهي غير مؤثرة وغير فعالة ولا تمكنه أو تؤهله ليلعب دورا في وضع ورسم السياسات والاستراتيجيات والتأثير في القرار. اما فيما يتعلق بصندوق بليكني البريطاني فعلى الأغلب انه أراد ورغب في تصفية استثماراته في فلسطين كما فعل غيره من الصناديق الاستثمارية البريطانية حينما اقدمت على التخلص من أسهم بنك فلسطين لتخوفها من درجة المخاطر العالية في السوق الفسطيني الناجم عن عدم الاستقرار السياسي والامني. وعلى جميع الأحوال فإن كلا الصندوقين قد حققا أرباحا لم تقل عن 25% عدا تلك التي كانت تحولها باديكوسنويا لهما. وهذا يعني ان الاستثمار في فلسطين لا يحقق خسارة كما يشاع .فتجربة صندوق بليكني وغيره أثبتت بانه مجدي وامين.

لماذا بادرت مجموعة الاتصالات بالشراء ؟

حتى نفهم لماذا بادرت مجموعة الاتصالات بشراء أسهم الصندوقين بشكل أساسي لا بد من استيعاب وادراك كنه العلاقة المشروحة أو المبينة آنفا،لأن المجموعة تدرك قبل غيرها ما يلي :

أ‌-       أن القيمة الدفترية والعادلة لسهم بادكو يصل إلى نحو 1.6 $/ سهم طبقا للنتائج المنشورة في نهاية شهر آيلول الماضي.

ب‌-     أن قيام الصندوقين بطرح أسهمهما للبيع على الشاشة وبكميات كبيرة وبدون سابق اتفاق سوف يؤثر سلبيا على السعر التداولي (السوقي ) لسهم باديكو في البورصة الفلسطينية مما سيعرضه لخسائر غير مبررة وغير منطقية سيدفع حملة الأسهم من المستثمرين العاديين إلى التخلص منها والذي سيؤدي بالتالي إلى زيادة كبيرة في المعروض على شاشات البيع دافعا أو ضاغطا على سعر السهم للهبوط في حال عدم وجود مشتري يحمل كل ما يعرض .

ت‌-     ونظرا لعدم وجود "مؤسسات صانعة للسوق" والتي تقوم بدور ضابط الايقاع للحيلولة دون تدني اسعار الأسهم مما سيؤثر على أداء البورصة الفلسطينية بشكل سلبي ومؤذِ لها ولسهم الشركة أيضا

ث‌-     أن مجموعة الاتصالات أولى من غيرها في حمل أسهم باديكو لحيثيات سبق شرحها بحكم قوة العلاقة بين الأب والأبن والحفيد.فأي خسارة في أي مفصل هي خسارة للجميع وأي ربح هو للجميع ايضا.

ج‌-      أن المضاربة على سهم كبير كباديكو القابضة التي لها نحو 15 شركة بين تابعة وحليفة وذات علاقة ،ليس في صالح الاقتصاد الفلسطيني ولا سوق المال .وعليه فإن عرض وتعويم 32 مليون سهم بدون مشتري مقتدر سينجم عنه نتائج في غاية الخطورة ، وعلى ما يبدو فإن مجموعة الاتصالات قد اتخذت قرارا بعدم السماح لأي جهة بالمضاربة على سهم باديكو او تعريضه للهبوط.

ح‌-      أن عملية الشراء التي تمت تعتبر بمثابة إعلان قوي بردع أي محاولة من أي جهة في المستقبل ، تفكر في التلاعب أو المضاربة في أسهم باديكو التي تملك أكثر من 31% من أسهم مجموعة الاتصالات نفسها .

خ‌-      أن عملية الشراء التي تمت وبالشفافية التي رافقتها مؤشر هام على الاستعداد لتكرار نفس الصفقة إن كان هناك ما يوجب ذلك . فالسيولة متوفرة وهذا ما سوف يردع المضاربين في المستقبل. فهو اعلان بان المشتري جاهز دائما لردع المضاربين او الذين يريدون التلاعب في الأسهم ويضرون بقطاعات الاقتصاد الفلسطيني.

المستفيدون من الصفقة

صفقة كبيرة كهذه لا بد ان يكون عدد الجهات المستفيدة ماديا ومعنويا منها كبيرا وواسعا. ومن أبرز من استفاد ماديا ونقصد هنا حصريا الأرباح والعوائد هم :

1-      المساهمون العاديون من حملة أسهم باديكو والذين باعوها في الايام المشار إليها بزيادة نحو 25% عن السعر الذي كان يتداول في السنوات السابقة .

2-      الصناديق الاستثمارية المحلية والاجنبية التي كانت تستثمر في سهم باديكو مثل صندوقي الاستثمار وبلكيني البريطاني .فقد حققا زيادة في الارباح بنسبة 25% أيضا.

3-      شركات السمسرة الفلسطينية والبورصة وهيئة سوق رأس المال من العمولات المتأتية من الصفقة. حيث أنتعشت السوق المالي بشكل ملموس .فدفع نحو 47 مليون $ خلال ايام قليلة نشط وحرك البورصة وعوَض خسائر بعض الشركات العاملة في مجال السمسرة ،بالإضافة إلى الارباح التي حققتها من عمولات لاحقة بسبب قيام صندوق الاستثمارالفلسطيني باعادة ضخ السيولة في السوق من جديد بقصد شراء أسهم شركات اخرى متداولة في البورصة في نفس الفترة مما أدى عمليا إلى ارتفاع المؤشر العام للبورصة بنسبة تجاوزت 7% خلال الآيام المشار إليها.

اما الذين استفادوا معنويا وعمليا فيأتي في المقدمة شركة باديكو حيث ارتفعت القيمة السوقية لأسهمها بنسبة 25% في الآيام محل الصفقة ثم عادت للارتفاع مرة اخرى مما يعني ان القيمة السوقية لسهم باديكو ارتفع خلال أقل من عشرة آيام من نحو دولارا/سهم إلى 1.29$/سهم. ومن غير المتوقع أن يعود سهم باديكو للانخفاض إلى السعر الذي كان سائدا قبل عقد الصفقة. كما استفادت شركات تحمل أسهم باديكومن هذا الأرتفاع .فعملية التقييم التي ستتم مع نهاية العام الحالي ستؤدي إلى زيادة قيمة المحفظة الاستثمارية وفقا للتقييم السعري الجديد الذي سيتم في نهاية العام وبالتالي ستسجل ارباحا دفترية لن تقل عن 25%.والصفقة رسخت أيضا انطباعا لدى المستثمرين الخارجيين تحديدا ،بأن تقييمهم لدرجة المخاطرة في فلسطين مبالغ فيها كثيرا مما يستوجب إعادة النظر فيها طبقا لهذه التجربة (الصفقة). كما سجلت الصفقة رصيدا لكل من هيئة سوق رأس المال وإدارة البورصة على قدرتهما على إدارة وتنفيذ ومتابعة إجراءات الصفقة بكفاءة وشفافية ومهنية.

ما يجب عمله

قد تمت الصفقة وحقق الجميع فيها ارباحا وتمت المحافظة على القيمة العادلة لسهم باديكو ضمن الحدود المقبولة والممكنة.إلا ان استمرار النتائج الايجابية مرهون بإعادة هيكلة شركة باديكو من خلال التخلص من الشركات الخاسرة.وعلينا هنا ان ندرك نقطة في غاية الاهمية وهي أن السهم القوي يؤثر على السهم الضعيف وليس العكس.فارتفاع سهم الاتصالات سيدفع بسهم باديكو لنفس الاتجاه ولكن العكس ليس بالضرورة صحيحا .وانخفاض سعر سهم الاتصالات سيؤثر على سعر باديكو بنفس الاتجاه ولكن العكس ليس بالضرورة صحيحيا أيضا مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة في كلا الحالتين .فما دامت باديكو لم تتخلص من الشركات المتعثرة والخاسرة فإن ذلك سيشكل نزيفا مستمرا لها ويدفع بسعرها نحو التراجع مرة اخرى.وحتى يستمر سهم باديكو بالانتعاش لا بد من ان تتخلص من الاستثمارات غير المجدية وغير المربحة. فإعادة الهيكلة الجزئية التي تمت فيها لم تضع إجابات واضحة حول مستقبل الشركات الخاسرة والمتعثرة والتي شكلت نزيفا للموارد المالية المتاحة لها منذ تأسيسها، مما يتطلب من باديكو ان تضع خطة قصيرة الأجل معلنة وواضحة في كيفية معالجة اوضاع الشركات .فلا يمكن لسعر سهم باديكو أن يبقى قويا في الوقت الذي يوجد فيه شركات تابعة وحليفة لها تحقق خسائر او لا تربح . وهذا ما يجب ان تدركه الإدارة التنفيذية لباديكو وان تعمل على معالجته في فترة الانتعاش القائمة حاليا والمتوقعة أن تستمر لبضعة شهور على سهم باديكو بفضل مجموعة الاتصالات وجوال. فعلى شركة باديكو أن لا تركن او تعتمد على السيولة الكبيرة التي يوفرها الابن والحفيد فالإجراءات الداخلية باتت اكثر من ضرورية بل وملحة .

اخر الأخبار