أزمة الوطنية عند "الإخوان".. مدخل ماركسي

تابعنا على:   10:13 2015-02-25

د.احمد جميل عزم

ليست قضية الاتصال بين المستويات الأممية والعالمية من جهة، والوطنية الداخلية في الأحزاب والجماعات السياسية من جهة أخرى، بأمرٍ جديد، ولا هي حصرٌ على الإخوان المسلمين الذين تفاقم هذا "السؤال المأزق" لديهم حالياً. ومن المفيد النظر إلى نماذج عالمية، حتى يمكن فهم المشكلة الحالية التي هي عنوان الانقسامات الراهنة بين الإخوان المسلمين في الأردن، وتواجه إخوان فلسطين وغيرهم بقوة.
عندما كتب كارل ماركس وفردريك إنغلز في أربعينيات القرن التاسع عشر، وتوقعا أن تتحكم بالعالم طبقتان اجتماعيتان؛ الأولى هي البرجوازية التي سيطرت على الحكومات بأنواعها، نتيجة سيطرة أصحاب رؤوس الأموال والصناعة، والثانية هي طبقة العمال (البروليتاريا)، فإنّهما توقعا تراجع دور الدولة، وأن ينشأ نضال عالمي يتحد فيه العمّال لتجسيد أفكار التنوير حول الحرية والمساواة والإخاء، في نظام عالمي جديد. وبالتالي، فقد اعتقدا أن الدولة، ومن ثم الوطنية، إلى زوال.
واجهت الماركسية تحديا متصاعداً بتصاعد الفكر القومي، وتفاقم التحدي مع الحرب العالمية الأولى وبعدها؛ إذ لم تقض الرأسمالية على الدولة والقومّية. فأثناء الحرب، لم تتحد الطبقات العمالية حول العالم وتأخذ مواقف موحدة؛ على العكس، فإنّها آثرت الانتماء لأوطانها وقومياتها، فتحالف عمال كل دولة مع برجوازيي تلك الدولة، وأعلوا الاعتبار الوطني فوق الطبقي.وعندما قامت الثورة الشيوعية في روسيا، برزت مشكلة تتمثل في أنّه بينما هناك أحزاب وشعوب تتبنى الاشتراكية، فإنّها تمزج بينها وبين القومية، وهو ما اعتبره الرئيس السوفيتي فلاديمير لينين في البداية خيانة للاشتراكية، راغبا في وحدة اندماجية بين الاشتراكيين ودولهم، وهو ما لم يتحقق؛ بل إنّ ماركسيين طوروا نظرية انقسام الشمال والجنوب، وقالوا إنّ هناك دولا صناعية في الشمال تقوم باستغلال الجنوب ودوله، ولن يحدث حقا توحد في العالم على أساس طبقي. فصناعيو وبرجوازيو الشمال سيقومون بإيجاد أتباع لهم في الجنوب، ولكن لن يكون هناك تصنيع حقيقي في الجنوب. وحتى عمال الدول الصناعية تتم رشوتهم بمكاسب مختلفة، تجعلهم لا يهتمون بعمال الجنوب وتوحيد نضالهم معهم. وتدريجيا، اضطر السوفييت لقبول فكرة الحركات القومية والتحررية التي تتبنى الاشتراكية من دون نبذ الهوية الوطنية والقومية، فصار هناك فكر قومي ماركسي.
الإخوان المسلمون بدأوا يعانون السؤال الهوياتي الوطني منذ بداية التسعينيات على الأقل، عندما انقسم علماء الدين على أساس مواقف بلدانهم من الغزو العراقي للكويت، من دون موقف شرعي موحد. ثم وقف أغلب الإخوان المسلمين في العالم ضد الغزو الأميركي للعراق إلا "إخوان العراق" الذين كانت أولويتهم إسقاط النظام. وعندما ذهبت "حماس" إلى سورية، أهملت سوء علاقة النظام هناك مع الإخوان المسلمين. وكل هذا يعتبر سلوكا وطنيا، لا ينسجم كثيرا مع الفكرة الأممية.
ومع سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، وإعلان دول مختلفة "الإخوان" تنظيماً غير مشروع، صار مطلوباً من "إخوان" آخرين تبيان موقفهم من الحركة الأممية العالمية للإخوان، وصاروا يُتهمون بإيلاء مصالح حزبية خارجية على الوطنية. وفي فلسطين على سبيل المثال، وجدت حركة "فتح" الفلسطينية في ارتباط "حماس" بالإخوان سبباً لاتهام الحركة بأنّها لا تتبنى برنامجا وطنيا، بل أولوياتها "فوق وطنية" ولو على حساب الوطنية. وكسب الاتهام زخماً بخروج مظاهرات في غزة تأييدا للإخوان في مصر ضد النظام الجديد، ثم تشديد الحصار على غزة، عقاباً على ذلك.
في الأردن، فإنّ فكرة تصويب الوضع القانوني للإخوان بعد تغيرات مصر، وهي الفكرة التي تبناها جزء من "الإخوان" وعارضها جزء آخر، ربما تخفي خلافات من أنواع أخرى، منها ما هو شخصي وسلطوي، لكنها تأتي في ثوب الخصوصية والوطنية، على قاعدة ترتيب الوضع في ضوء ما آلت إليه جماعة الإخوان في مصر، وباستخدام زعم سيطرة حركة "حماس" على "الإخوان" في الأردن. وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية، فإنّ "الإخوان" في أكثر من بلد يواجهون مطلباً هو أن يكونوا حزباً محليّاً وطنياً، وترك الفكرة الأممية والتنظيم العالمي. ويرفض خصوم "الإخوان" فكرة تصالح المنطقين، والأهم أنّ "الإخوان" أنفسهم يتصرفون وطنياً في الأزمات والحروب، تماماً كما حدث لطبقات العمال وأحزابهم في التجارب الشيوعية. وبالتالي، فإن ما يجري الآن هو تفاعل قد يؤدي إلى أحزاب وطنية بشعارات إسلامية، وتراجع فكرة الأممية ودولة الخلافة.

عن الغد الاردنية

اخر الأخبار