عباس يواصل الحجل في دائرة النار

تابعنا على:   15:28 2015-02-24

محمد أبو مهادي

سيشهد شهر مارس المقبل 2015 جلسة أخرى لمحاكمة النائب محمد دحلان، هذه الجلسة تأتي بعد جلسة سابقة إستمعت فيها المحكمة إلى شهادة "حسين الأعرج" مسؤول ديوان الرئاسة، والذي نفى فيها علمه بأي قضايا مالية تسجّل ضد "محمد دحلان"، وعلى أثرها طالب دحلان بضرورة الإستماع إلى شهادة وزير المالية ورئيس الوزراء السابق د. "سلام فياض" بحكم منصبه الذي يؤهله للإفادة في موضوع التهم المنسوبة لدحلان من قبل محمود عباس.

لم يعد خافياً على أحد أن هذه المحاكمة وكل ما سيق فيها من إتهامات لا أساس مادي يدعهما، وأن الخلفية الحقيقية لهذه المحكمة سياسية بإمتياز جاءت بعد موقف دحلان من تقرير "غولدستون" بشأن الحرب على قطاع غزة 2008، والذي تم فيه مقايضة عباس به إقتصادياً كما أعلن عن ذلك "ريتشرد فولك" المفوض السامي لحقوق الإنسان في حينه، هذه المقايضة أسفرت عن سحب التقرير من التداول مما دفع دحلان بصفته ناطقاً باسم حركة فتح إلى إعلان موقف الحركة المعارض لسحب التقرير في أول سابقة تمايز فيها موقف فتح عن موقف السلطة ورئيسها.

التمايز ما بين موقف السلطة وموقف فتح تزامن مع إستفسارات هامسة عن مصير أموال حركة فتح وإستثمارات عائلة عباس أخرجها دحلان من مرحلة الهمس بين أعضاء اللجنة المركزية لفتح إلى مرحلة التساؤلات المشروعة المطروحة على أجندة أجتماعات اللجنة المركزية، مما دفع عباس للقيام بما قام به بحق دحلان وصولاً لحالة غير مسبوقة في العمل السياسي الفلسطيني من التشهير العلني مارسه عباس وإستخدم فيه كل الوسائل الأمنية والقضائية والإعلامية بهدف إغلاق هذا الملف نهائياً بما يشكله من كابوس مرعب يهدد ثروة العائلة، ويضع عباس تحت طائلة المساءلة الدائمة من قبل فتح وغيرها من مؤسسات السلطة في حال تنامي دور المؤسسة كبديل عن حالة التفرد التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني.

نصائح كثيرة وعشرات الوساطات الفلسطينية والعربية حاولت ثني عباس عمّا يقوم به من إجراءات خطيرة تمس المؤسسة التشريعية وحصانة أعضائها وتمس الجهاز القضائي وتضرب إستقلاليته ومصداقيته، وتفسح المجال أمام حالة بوليسية غير مسبوقة للإعتداء على المعارضة السياسية، إضافة للاستخدام غير الأخلاقي لعنصر المال والخلط ما بين العمل التنظيمي الفتحاوي والعمل في مؤسسات السلطة أجهزتها المختلفة أسفر عن قطع رواتب مئات الموظفين وإبتزازهم بطريقة تنتمي لنظم الإستبداد وتتماهى مع ما كان يمارسه الإحتلال بحق المناضلين الفلسطينيين خلال حكمه المباشر للشعب الفلسطيني- فقد كان يفصل من وظيفته في جهازي التعليم والصحة كل شخص يشارك في نشاط سياسي ما.

يبدو أن عباس سيكمل مغامراته حتى نهاياتها متجاهلاً أخطار ما يقوم به، مراهناً على موقف إسرائيلي أمريكي داعم لسياساته بإعتباره رجل "التنسيق الأمني المقدس" الذي يسير عكس رغبات الشعب الفلسطيني سياسياً متحدياً موقف كل الحركة الوطنية التي خاض معها صراع إرادة في موضوعات التنسيق الأمني، والمشروع المشبوه الذي قدم لمجلس الأمن، وإتفاقية شراء الغاز من إسرائيل، وغيرها من سياسات لم يعد فلسطيني قانعاً بها في ظل فشله المتكرر من تحقيق أي إنجاز يذكر منذ أن جاء على رأس السلطة حتى الآن.

دائرة النار التي يحجل عباس داخلها محاولاً إشغال الشعب الفلسطيني عن قضايا مصيرية متعلقة بملفات الإعمار والإقتصاد الهش المعتمد على عائدات الضريبة المرهونة بقرار إسرائيلي والمرتبط بالأمن والمفاوضات، لن تحميه من مساءلة الشعب الفلسطيني عن إخفاقه في تحقيق تقدم في خطة الدولة ذات الثلاث مراحل، ولن تكون سدّاً يمنع عوائل الشهداء والنازحين من هزّ كرسي الحكم وتحطيمه، لن تحجب الرؤية عن أعين آلاف الشباب المتعطلين عن العمل بفعل السياسات الإقتصادية المجرمة التي تنتهجها حكومته بالشراكة مع سماسرة العمل الإقتصادي الذين جعلوا من دماء الشهداء ومعاناة الجرحى والأسرى وحصار غزة ممراً لمراكمة الثروة وتكريس التبعية الإقتصادية مع الإحتلال.

محاكمة النائب محمد دحلان، أو التوجه إلى مجلس الأمن الدولي، وحتى التوقيع على ميثاق روما، جميعها قضايا تأخذ حيزاً كبيراً في وسائل الإعلام الفلسطينية، لكنها بكل تأكيد لن تأت ببيت لفلسطيني ما زال مشرداً في مركز إيواء تابع لوكالة الغوث الدولية، ولن تأت برغيف خبز لأسرة فلسطينية علّم الجوع والفقر على جنبات أبنائها، ولن تعيد روحاّ أزهقت نتيجة إهمال وزارة الصحة وحجبها تحويلات العلاج للمرضى، وقبل كل ذلك فهي أقل من برنامج تحرر وطني ينقل الشعب الفلسطيني إلى مرحلة الأستقلال.

[email protected]