"الممانعة" بالمقلوب

تابعنا على:   09:58 2013-11-26

امين قمورية

خفض مستوى العلاقات الديبلوماسية بين مصر وتركيا، خسارة جديدة لانقرة تحرمها نقاطا ثمينة كانت تحتاج اليها لمنافسة ايران والسعودية على السباق المحموم الى زعامة المنطقة والعالم الاسلامي.

لم يستفد اردوغان من اللحظة الحاسمة التي فسحت لتركيا مجال الاضطلاع بدور اقليمي محوري في المنطقة بعد سقوط بغداد عام ٢٠٠٣، فدخل في تنافس سياسي مع إيران لملء الفراغ السياسي الذي نجم عن خروج العراق من معادلات القوة والنفوذ الاقليمي، لكنه لم يحصد هناك الا الخيبة. ثم جاءته الفرصة الثانية مع "الربيع العربي"، لكنه بتفضيله اقتناعاته الايديولوجية على المصالح العليا للدولة التركية، اصيبت سياسته بعدوى "الاخوان". وهكذا عوض أن يؤثر في الجماعة ويدفعها الى الانفتاح على العصر وقيمه الإنسانية والمدنية تأثر هو بمقولاتها ورؤاها. وأفضت تحالفاته ورهاناته إلى تقويض صورته في العالم العربي على نحو يصعب ترميمه لا الآن ولا في المستقبل.
خسر "بابا طيب" رهانه الاول على اسقاط نظام بشار الاسد لاحلال اصدقائه في الحزب الاسلامي محله، ثم كان صدامه مع مصر على الخلفية نفسها، وهو صدام مع قلب المنطقة. كان يعتقد ان مكانته في قلب اميركا لا تتزحزح، مثله في ذلك مثل السعودية. ولكن خلف غبار الحرب في سوريا وتعاظم دور الجهاديين السنة والاحساس الدولي بخطرهم من افغانستان الى لبنان، تقدمت طهران الى الواجهة وصارت قبلة واشنطن المفضلة إلى أن انتزعت اتفاقا مبدئيا نوويا من شأنه ان يمهد لريادة ايرانية في المنطقة.
تحت وطأة الخسائر المتلاحقة، والانقلاب الكبير الحاصل في المنطقة بعد التقارب الاميركي - الايراني، لم تجد انقرة سوى جارتها اللدود بغداد التي تجلس في الوسط بين طهران وواشنطن ممرا للحفاظ على دور ما لتركيا مع رسم خريطة سياسية جديدة في المنطقة. وهكذا كان انفتاحها السريع والمفاجىء على بغداد علّ البوابة العراقية تكون مدخل انقرة الى "قلب" طهران. فهل تشهد المنطقة تحالفا تركيا ايرانيا اضطراريا في غمرة الانقلابات الكبرى الحاصلة حاليا؟
وفي المقابل، ان من شأن الغضب المشترك على "الاخوان" وحليفتهم الرئيسية تركيا، والقلق من الدور المتعاظم لايران وامتداداته البشرية والامنية والسياسية في العراق وسوريا ولبنان وشمال اليمن والسودان وعودته الى قطاع غزة عبر تجديد العلاقة مع "حماس" المنبوذة و"الجهاد"، وحاجة الاقتصاد المصري المريض الى "الاوكسيجين" السعودي، وحاجة الرياض الى حليف طبيعي بعد خسارة الحلفاء "الاجانب"، ان تدفع القاهرة الجديدة الى تكريس التقارب مع الرياض.
وهكذا تحت شعار "الممانعة" و"المقاومة" لأي مس "اعجمي" بالامن القومي العربي، قد يشتد عود التحالف المصري - السعودي في مواجهة التحالف المحتمل بين ايران وتركيا اللتين اخترقتا الحدود العربية بالشعارين نفسهما بعدما رفعتهما الثورة الاسلامية باكرا ثم اتخذهما اردوغان مظلة بعد دافوس و"مرمرة".
عن النهار اللبناينة