ابتزاز رخيص

تابعنا على:   11:08 2015-02-18

خالد معالي

أحداث متسارعة جدا من حولنا؛ تستدعي التركيز والفهم العميق لمجرياتها ومسبباتها حتى يقدر المرء على الخروج بتفسير علمي مقنع لها؛ وهو ما قد يضطر أحيانا إلى تحريك موجات متلاحقة ومتلاطمة من العصف الذهني لمواكبة الأحداث وانعكاساتها.

لم يشفع مقتل واستشهاد 2200 من نساء وأطفال وشيوخ ورجال غزة خلال الصيف الماضي في حرب العصف المأكول، وتدمير المنازل فوق رؤوس أصحابها؛ لدى "طوني بلير"رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ومبعوث اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط حاليا؛ وراح يبتز ويضع شروطا لتنقيط قطرات من الماء ولقيمات من الغذاء في حلوق قرابة مليونيين من الفلسطينيين في قطاع غزة.

ابتزاز رخيص جدا جدا؛ من رجل رخيص قيميا وأخلاقيا، وغالي ماديا عند الغرب؛ وإلا ماذا نسمي شروط "بلير" الخمسة  التي وجهها عبر خمس رسائل لحركة حماس، أثناء زيارته قبل يومين لغزة المحاصرة والمكلومة.

يعتقد "بلير" كما "نتنياهو"؛ أن لا مكان للضعفاء في هذا العالم؛ تماما كشريعة الغاب؛ فهم استقوا  منها مفاهيم الحياة والصراع؛ ومن هنا تتطابق شروط "بلير"  مع تصريحات"نتنياهو" الأخيرة خلال الحملة الانتخابية للكنسيت التي تجري وتستعر بقوة؛ ويستعر معها الاستيطان في الضفة بشكل غير مسبوق.

الضعيف هو من ليس لديه أخلاق وقيم إنسانية راقية نبيلة؛ ك"بلير" و"نتنياهو"؛ وليس من لا يملك طائرات ودبابات يقتل فيها أطفال ونساء بلا رحمة ولا شفقة؛ من لديه الحق والأخلاق ويملك الأرض  منذ ألاف السنيين هو قوي بما يملكه ويدوم لوقت طويل؛ بينما القوي بعسكره الظالم سرعان ما يزول، وبضع أو عشرات السنين في حياة الشعوب وحركة التاريخ لا تذكر، وسرعان ما تزول.

أليس ابتزاز أن يتحدث "بلير "عن هكذا شروط من وسط حطام غزة؛ وهو يرى بعينيه همجية وإجرام نتاج الحضارة الغربية التي تسمي نفسها متمدنة ومتحضرة وتحافظ على حقوق الإنسان؛ كونه إنسان؛ بغض النظر عن معتقده وجنسه؟!

لنتفكر في قليلا في شروط بلير الخمسة؛ وهي: المصالحة، والقبول ببرنامج سياسي فلسطيني قاعدته دولة فلسطينية في حدود 67، والتأكيد بأن الحركة هي حركة فلسطينية لتحقيق أهداف فلسطينية وليست جزءاً من حركة إسلامية ذات أبعاد إقليمية، والقبول بأن حل الدولتين نهائي للصراع وليس مؤقتاً، ورسالة طمأنة لمصر بأنها – أي حماس - ليست قاعدة للإرهاب في سيناء، وأنه سيكون هناك تفاوض مع الحكومة المصرية لمنعه.

معروف ان "بلير" ثعلب ماكر وقاتل؛ كونه تسبب في قتل قرابة مليون عراقي عندما كان الرجل الأول في بريطانيا، وكذب بخصوص قدرات العراق الكيماوية والنووية والتي ثبت أن لا شيء  منها موجود بعد انتهاء الحرب وقتل مليون عراقي وتهجير ملايين أخرى.

مصطلح أن يقبل بك المجتمع الدولي، معناه أن تتخلى عن قيمك وأخلاقك ومعتقداتك التي لا تتناسب ومقاسات "نتنياهو" و"بلير" ومن خلفهم الدول الغربية، فالمجتمع الدولي هو الدول الغربية التي تسير في فلك أمريكا ومصالحها؛ ومن يخرج عن الطوق يحارب ويلاحق ويوصف بأبشع الأوصاف؛ أقلها الارهاب..

مقاومة المحتل بكل الطرق والأساليب هو ما يجيزه القانون الدولي؛ وفرنسا حاربت وقاومت هتلر، وأمريكا حاربت الاحتلال البريطاني؛ ولكن وأمريكا والدول الغربية "بلير" تريد مقاومة على مقاسها؛ ناعمة بالشموع والاعتصامات والصراخ والبكاء؛ بينما يترك قصف الطائرات وقتل بالمئات والآلاف من أهل غزة ل"نتنياهو"؛ وتبريرها لاحقا بأنها للدفاع عن النفس من صواريخ غزة.

أي اتفاق تحت وقع الضغط والظلم؛ لا يمكن أن تبقى عند تغيير موازين القوة، وتعلموا من تجارب التاريخ، فالمعتقدات الراسخة في العقول والقلوب لا يمكن لحبر على ورق أن يزيلها في لحظة عابرة وغفلة من الزمن.