مصر: شرور لا بد منها

تابعنا على:   10:48 2015-02-17

امين قمورية

مخيلة القتل الداعشية لا تنفك تصعق عقول المتلقين. وقبل ان يفيق الاردنيون من صدمة عملية الحرق الجهنمية للطيار معاذ الكساسبة، صدمت مصر بصورة ابنائها الاقباط راكعين بلباس الاعدام البرتقالي وخلفهم جلادوهم بالزي الاسود يحزون رقابهم بالسكاكين.

هذا المشهد ليس نادرا في السياق الهمجي الداعشي، لكنه هذه المرة لم يهز الاحاسيس والمشاعر فحسب، بل هز بقوة الامن المصري وهيبة الدولة في محيطها. وكأنه محفز للناظر على التساؤل هل بات رأس مصر على المقصلة ليحل بها ما حل بالعراق وسوريا وليبيا واليمن؟!
بعد التفشي الارهابي الخطير على حدودها الشرقية في سيناء يأتي الخطر الداعشي على حدودها الغربية في ليبيا، ليضع مصر بين كماشة امنية خانقة تضاف الى ازمتها الاقتصادية لتجعل المرحلة خزان تحديات لا ينضب.
ليس مصادفة اختيار المسيحيين طرائد للقتل، من أجل احداث فوارق في الالوان عند التصويب على لوحة التماسك الوطني الداخلي لزعزعة مكوناته وبث الخوف في أضلعه واظهار الدولة عاجزة عن حماية تنوعه. وليس مصادفة اختيار ليبيا لتشتيت طاقة الجيش المصري وارباك أولوياته. وربما ايضا ليس مصادفة اختيار التوقيت الذي يأتي تزامنا مع قرار القيادة المصرية الجديدة تنويع خياراتها السياسية الخارجية ومصادر تسلح جيشها. وكذلك ليس مصادفة جر مصر الى معركة اخرى مكلفة مع تطلعها الى استعادة دورها الاقليمي والعربي المفقود بالاضطلاع بادوار الوساطة وخصوصا في سوريا.
الامن القومي المصري امام انكشاف استراتيجي لا سابق له في كل مفاصله الحيوية، في سيناء وغزة، في ليبيا والصحراء، في جنوب السودان ومنابع النيل، في البحر الاحمر وباب المندب. لذا فان القاهرة في هذه اللحظة الحرجة امام شرور لا بد منها. الخيار العسكري شر وقد يجرها الى مصيدة، لكن استبعاده ضعف ومن شأنه دفع المتربصين بها الى الاستهانة بأية أدوار محتملة لها في الملفات المشتعلة على حدودها وفي محيطها الاقليمي. أضف أن قرار مواجهة الارهاب خارج حدودها هو ايضا شر قد يرتد مصائب داخلية، لكن استنكافها عنه قد يغري الارهاب بنقل حربه الى ارضها وسلخ سيناء عنها. هيبة الدولة ضرورة لضبط التماسك الداخلي والوحدة الوطنية ولازمة للاضطلاع بدور اقليمي تتطلع اليه بعدما تخلت عنه طوال اربعين سنة.
القصف الانتقامي للجيش المصري للمواقع الليبية لـ"داعش"، قد يكون بداية التدخل، وهو عمل ملح شرط ادراك اين يبدأ واين ينتهي وماهي الوسائل المناسبة لايصال رسائله، وألا يتحول الى تورط بلا أفق ومغامرة مكلفة لا طاقة لمصر المرهقة على تحملها.

عن النهار اللبنانية

اخر الأخبار