الكيل بمكيالين!

تابعنا على:   10:10 2015-02-16

صالح القلاب

ما جرى لثلاثة من العرب في «تشابل هيل» في ولاية كارولينا الشمالية هو الهاجس الذي يؤرق ليالي العرب والمسلمين ونهاراتهم في الغرب الأوروبي كله والولايات المتحدة حيث غدت «العنصرية» متفجرة وتمارس بأبشع أشكالها وهذا يجب ألَّا يعني أنه علينا أن نرد وعلى أساس: «العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص» فالتسامح يجب أن يفرض نفسه وعلينا ألَّا نعزز ما في رؤوس الأوروبيين والأميركيين وأفئدتهم بأن «داعش» هو الإسلام وهو العرب بصورة عامة.
قبل يومين تحدثت الـ»سي.آي.أيه» الأميركية بأن عشرين ألفاً من الشباب الغربيين من أصول عربية وإسلامية قد التحقوا بـ»داعش» وأنهم يقاتلون الآن في صفوفه وبالطبع فإن هذه التقديرات قد تكون صحيحة وهي في أغلب الظن صحيحة لكن ما يجب التركيز عليه هو الأسباب التي دفعت هؤلاء الشبان إلى مغادرة «بلدانهم» والالتحاق بهؤلاء الإرهابيين وهم يعرفون أنهم إمَّا أن يتحولوا إلى قبور غير معروفة وإما أن يعودوا بعاهات نفسية وجسدية لا شفاء لها.
إنه غير مجدٍ ونحن نبحث عن أسباب هذه الظاهرة أن نلقي بالمسؤولية على المجتمعات الغربية وعلى الدول الأوروبية الاستعمارية فهذه أمور أصبحت في ذمه التاريخ ولا يجوز أن نجعلها تتحكم بحاضر ومستقبل علاقات العرب والمسلمين بهذه الدول وشعوبها لكن وفي محاولة لمعالجة هذه المسألة الخطيرة فإنه لا بد من أن تكون هناك وقفة جادة لوسائل الإعلام ولمراكز البحوث وللجامعات هنا في منطقتنا وفي العالم الغربي.
إن المشكلة تكمن في أن فرنسا ،على سبيل المثال، قد احتلت الجزائر لقرن واثنين وثلاثين عاماً وأنها لم تكتف بمجرد الاستعمار والاحتلال بل أنها تمادت كثيراً وألحقت هذا البلد الإسلامي والعربي بها وليكون جزءاً منها لكنها لم تعط الجزائريين ولو الحدود الدنيا من حقوق الفرنسيين وبقيت تعاملهم كأبناء مستعمرات عليهم أن يحاربوا حروبها بدون أيِّ من الحقوق التي يتمتع بها الفرنسيون ولا في أي مجالٍ من مجالات الحياة.
إن هذه مشكلة وأما المشكلة الأخرى فإن الذين غادروا الجزائر ،من «الحركيين» الذين انحازوا للمستعمرين ضد ثورة شعبهم، ورحلوا إلى فرنسا على أساس أنهم فرنسيون بقوا يعيشون كأقلية هامشية غريبة وهذا ينطبق على الأجيال اللاحقة التي تعمق الشعور لديها حتى بعد نصف قرن وأكثر بأنها بلا هوية وأنها بلا أدنى حقوق وأنه لابد لها من هوية أخرى ومن وطن آخر وهذا ربما ينطبق على الأكراد والأتراك والعرب في ألمانيا وفي بلجيكا وفي بعض الدول الأوروبية.
وهكذا ولأن هذه الدول لم تستطع «هضْم» هؤلاء اللاجئين وبقيت تعاملهم كغرباء فإن بعضهم قد وجد الخلاص بالالتحاق بـ»داعش» وببعض التنظيمات الإرهابية الأخرى وهذا يفرض على الدول الغربية المعنية ،منعاً للمزيد من تفجُّر ظاهرة العنصرية البغيضة، أن تبادر إلى استبدال معالجات السجون والملاحقات والاعتقالات العشوائية بالمعالجات الاجتماعية.. وهنا فإنه لابد من التأكيد على أنَّ الذين نفذوا جريمة «شارلي أبيدو» ليسوا جزائريين ولا عرباً ولا مسلمين.. إنهم إنتاج المجتمع الفرنسي الذي رفض استيعابهم والذي تعامل معهم كغرباء والذي بالتالي دفعهم دفعاً للبحث عن هوية أخرى غير الهوية الفرنسية.
عن الرأي الاردنية

اخر الأخبار