الطاقة البديلة

تابعنا على:   11:00 2013-11-25

مروان الصباح

سعت الإمبراطوريات المختلفة التى سادت ، إلى احتكار الأراضي الخصبة بالإضافة لتلك الصحراوية المطلة على سواحل بحرية وغيرها من مياه رأت أن الاحتفاظ بها تعزز أمنها القومي ، أحد النقاط التاريخية الأهم ، هو الفاصل ، عندما قررت الدول الكبرى الانتقال بالشعوب من الاعتماد على الغذاء الذاتي إلى الارتهان للأسواق المحلية المرتبطة غالباً بالعالمية ، حيث ، التحكم بها عن بعد مشروع ضمن قانون التفوق ، تماماً ، جاء الادراك مبكراً ، حيث أدركت بأن الحال سيتغير عما قريب ، والسائد قد يصبح بائد ، لهذا ، ما من مفر ، إلا تطويع الشعوب وجغرافيتهم تحت القوة المركزية عبر تحويلات جذرية تبدأ من الفكر تنتهي بالمعدة ، حيث اعتادت الشعوب عامة دون تمييز ، أن تسلك ذات السلوك قبل خمسمائة عام ، تعتمد على انتاجاتها في إطعام ذاتها ، فلم يكن اطلاقاً ، مسألة التغذية ، سبب المشاكل التى تعج بالمجتمعات اليوم بالرغم أنها كانت أكثر صحياً وأقل تكلفةً تؤديان إلى عيّش ، أتسم ، بالبساطة ، قياساً للمسائل الأخرى ، كالتعليم والصحة والبنية التحتية .

في حذر قامت قوى متباينة بالفكر والأيديولوجيات ، لكنها ، ثمة نقاط التقاء وافتراق بين ما يراه كل طرف ، وقد التقوا على أن الاحتلالات ليس أمر كافي وحده ، بل يحتاج إلى تغلغل ، يضبط في نهاية المطاف أنماط الشعوب ، ومنها ، بل أهمها الغذاء الذي بات يطلق علية ، كمصطلح متداول دولياً ، العالمي ، وبهدوء تام شكلت هذه القوى مجموعات منتشرة على جغرافيا العالمية ، محاور تمحورت بين العائلات المنتقية ، تمكنت من جمع المنتُجات الزراعية على اختلاف تنوعها وإشكالها وإعادة انتاجها كسلع معلبة تحت اسماء مختصرة وبسياقات اعلانية مكثفة ترسخت عبر العقود في اذهان المستهلكين ، فكان التواطؤ من الجانبين ، كون ما استجد على الساحة البشرية ذلك الاستشعار المنبثق من منّطق توفير المدة الزمنية التى يستغرقها المرء في انتاج المنتجات الزراعية ، ومن جانب أخر ، شكلت الحالة التواطئية ملل وحيرة وفراغ قاتل ، حيث لم يُوفر لها البديل كما هي تماماً لم تسعى إليه ، لكن ، تدريجياً تحولت المؤسسات التى تعتني بالمنتجات الغذائية على اختلافها إلى مصدر اساسي للفرد والعائلة ، حيث جاءت في خلاصة الأمر بالإتكائية المزمنة على مصدرها ولم تعد الشعوب قادرة للعودة لما كانوا يتحلوا الأجداد من قدرات ذاتية تؤدي إلى تحرير جزئي ولو بقدر بسيط أو ينتقلوا إلى إعادة الإنتاج الذات مرة أخرى بذات السهولة للإنفكاك الذي حصل ، بل ، تحولت الجموع إلى حالة من الطفولة المحنطة ، إذ ، تعرضت للأمر ما أو نقص معين من السلع ، تصاب ببكاء الشديد .

خلال الخمسمائة عام تطورت الحياة وعلى جميع الأصعدة ، حيث تحول الخيال إلى حلم ومن ثم إلى واقع فأصبحت الطاقة كما نعلم مصدر لا يمكن الاستغناء عنها ، هكذا ، ارادت الدول الصناعية الكبرى من خلال صناعاتها الثقيلة والخفيفة وبغض النظر ، إن كانت عسكرية أو مدنية ، لكنها ، في الواقع ، هي التى قامت باكتشاف البترول ومشتقاته وجعلته المادة ، المحصورة ، بتشغيل صناعاتها التى تتوزع داخل كل بيت وبات كل فرد من هذا الكوكب مرتبط أو بالأحرى مرتهن لها وبها ، كلّ الارتباط ، بالإضافة للقواسم العامة المشتركة بين الشعوب ، مع التحفظ بالقواطع الحادة بين الطبقات المجتمعية ، إلا أن ، الكهرباء والماء يبقيان العنصرين الأهم لهم ، ودنهما ، يصبح العيش خارج العصر الحالي ، لهذا لم تكن المسألة هنا مختلفة كثيراً عن ما بدأت منذ زمن بعيد ، حوّل ، تحويل الغذاء إلي سلع احتكارية ، تتحكم قلة في تصنيعها ، تماماً ، هي اشارة راسخة ، واضحة ، تكشف عن ما رغبت ، أيضاً ، في احتكاره ثم اعادة انتاجه والسيطرة على مصادر تدفق البترول ، لكي تقبض قبضتها على الطاقة العالمية ، فكانت ، العقلية ، هي ذاتها ، لكنها ، سرعان ما تعرضت كما تعرض الغذاء إلى نكسات متعددة ، أو كما يرى الآخرين تحرراً من القيود ، سببها أنها ، نبتة حول الإمبراطورية الأمريكية مجموعة بلدان منافسة في الإنتاج الغذائي ، ولاحقاً ، زاحمت بقوة بالإنتاج البترولي والطاقة ، وبالرغم للحروب القاسية التى خاضتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة ، معتقدةً بأنها تستطيع تأمين ابار النفط مما يتيح تحديد اسعاره عالمياً ، قد حصل هذا بالفعل الذي كان السبب الرئيسي في نكبات دول عريقة اقتصادياً ، وأخرى أقل ، لم تعد قادرة على توفير الدعم البترولي ومشتقاته ، مما هيأها أن تقف على حافت الانهيار ، ولكي يتواصل هذا التوحش العصري ، يُقابله تضخم قسري غير محسوب في منطقة الخليج بأكملها دون استثناء ، يوازيها روسي ، ثم ، يقابلها ، في أماكن اخرى متراخية ، ليس بذات الأهمية ، ولعل ابرز الانتكاسات التى كما يبدو لم تكن في حسّبان الإدارة الأمريكية ، ذلك الخلل الذي أرهق الموازنة العامة وجعلها تبحث عن حلول شتى ، من أهمها الاستغناء عن مشغل الطاقة التقليدي ، بشكل تدريجي وغير ملفت ، لكنه يتضح ، كون دأب الرئيس اوباما من خلال خطاباته بضرورة الافساح للعلم أن يأخذ دوره بتطوير ما لديه من أفكار التى تؤدي إلى خلاصة ، الّخلاص من التكاليف الباهظة وشعور بالتفوق .

يرتفع منسوب التحدي أمام الولايات المتحدة ، لأن الأوضاع لم تعد كما كانت بعد انهيار الإتحاد السوفيتي أو في مرحلة الحرب الباردة ، حيث نشطت كثير من الدول العالمية وأصبحت مصدر توتر يتصاعد حدته يوم بعد الآخر ، لهذا ، أوجب على مركز القرار أن يحيل مصير الإمبراطورية إلى دوائر البحث العلمي لإيجاد طاقة بديلة للبترول ، خصوصاً ، عندما فقأ الدبوس الدمل ، وتكشفت قدرات الجيوش الأمريكية في الميدانيين ، افغانستان والعراق ، التى أجهدة الاقتصاد وتراكمت الديون ، إذاً ، هناك تغيرات استراتيجية ، انبثقت من القواعد العلمية بعد ما ترسخت قناعات لدى العلماء ، على أقل في المنظور الحالي ، بأن الاستمرار في القفز خارج الغلاف الجوي للأرض ما هو في الوقت الحالي ، إلا ، إهدار للمال والطاقات ، لأن كما تبينّ ، أن المسألة أكثر تعقيداً كونها لم تخرج من نطاق الزيارات المتكررة دون امكانية العيش الطبيعي للإنسان ، من هنا ، تقدم الالحاح الأمريكي بالرغبة والإنفكاك ، وأيضاً ، الرحيل إلى ما يمكن أن يجعلهم أكثر تحرراً من قيود اسعار النفط رغم سيطرتهم عليه طيلة المدة السابقة حتى الآن ، فالمسألة تكمن في سعيهم الدؤوب لاختراع طاقة بديلة تعتمد على مواد ليست محتكرة جغرافياً بقدر ما هي معقدة تِقنياً ، لكنها ، تلبي المطلوب بذات القدرة والمهنية ، طبعاً ، ذلك يستدعي استحضار الحليف الياباني ذو العقل الرشق ، حيث القضية لم تقتصر في حقيقتها عند انفلات اسعار البترول أو التدهور الاقتصادي بقدر حاجت الولايات المتحدة الاصطياد التوقيت بالقفز عن الموجود والسائد الذي بات متاح للجميع استخدامه بسهولة وأحياناً ، بتنافس يصل إلى مؤشرات التخطي ، لهذا قامت بمحاصرة النفقات والأموال المهدورة بين هنا وهناك ، بقرار قومي وتراجعت عن الأهداف السياسية الإستراتيجية إلى حين ، من أجل اعادة المسافة التى كانت تحظى على مدار العقود بين ابتكارات وصناعات هيمنة الولايات المتحدة بها على السوق العالمي ، خصوصاً تلك العسكرية الضخمة وبين العالم بأسره ، حيث ، انتبهت بأن التقلص مستمر ، لا ، بل ، على العكس هناك تسابق أممي سيؤدي إلى تحجيم الامبراطورية مادام الفارق يضيق مع حفظ القوة الهائلة العسكرية التى تتمتع بها .

تعتمد الآن ، الإدارة الأمريكية سياسة الابتعاد والمراقبة عن بعد لما يجري في منطقة الشرق الأوسط ، وهذا ، فعلاً حصل تماماً ، في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق توماس جيفرسون ، عندما خفض النفقات العسكرية والميزانية العامة للبلاد بهدف تقليص الديون ومعالجتها بمعدل الثلث ، حيث يعتقد اوباما كما اعتقد جيفرسون من قبل ، بأن المرحلة تحتاج العودة إلى الوراء ، بل ، هو مطلب ملح كي يستطيع نقل النفقات العامة نحو قنوات تختص بالبحث العلمي ، دون قطع الصلة في أماكن متراخية أو تلك التى تشهد سخونة دامية مستحضراً من تاريخها الممتلئ البراغماتيات ، تبتعد نعم ، لكن ، مع الاحتفاظ بما يطلق عليه بالمحايدة ، لكنه ، يلاصق ذلك الحياد للحرب الفرنسية البريطانية التى عرفت بحرب المائة عام ، رغم أن التاريخ يسجل مرحلة خطرة ، السير فيها بات على زجاج متكسر ، بأن الاستراحة المقصودة لم تأتي إلا بعد ما تركت المنطقة في حالة سعار ، أمنت حدود الدولة العبرية لأعوام من أي حروب كاملة ، باستثناء عمليات متفرقة هامشية ، بالإضافة أن هناك يقين نابع من استقراءات ، بعدم بروز أي مشروع نهضوي عربي متكامل يُصوب للأمّة أمورها بين الأمم وينفض جغرافيتها المتنافرة لتحقيق ما لم يحقق في المراحل السابقة ، وهذا ما يتيح للمنطقة برمتها ضمن تشابك جديد في حلقات دول تقدمت لملء الفراغ المؤقت مثل الروس والصينيون ، الذين تحولوا من مشاريع تبشيرية شيوعية إلى اقتصاديات رأسمالية ، تُنافس بمحيط الرأسمالية الأولى في العالم ، وعلى الرغم ، من نظرة العربي المتورطة التى ترى الدولتين كما هما في الماضي ، لا بحقيقتهما اليوم ، ولا بنظرة التغيرات الجوهرية الجذرية التى تقبلان من منطلق التنافس المتوحش الرأسمالي أن تلعبان الدور القائم في سوريا بكل تفاصيله المتدنيّ أخلاقيا ، حيث يعاد سيناريوهات الماضي وبدفع عوامل المصلحة لتفجير الاحتقانات الأهلية في ذروة التشابك ، لكنه ، بهزلية مقيتة ، حيث ورط الاتحاد السوفياتي ، الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام مقابل توريط مشابه أمريكي للسوفيت في افغانستان الذي انهك اتحادها ودفعها إلى هاوية التفكيك والانهيار ، بعودة أمريكية باستخدام اجزاء من التاريخ ، لكن بهزليته ، وبشكل سلس توريط الصين وروسيا الاتحادية في المنطقة بعد ما ذاقت الويلات في العراق وأفغانستان ، بواقع بات الانسحاب يحتاج إلى معجزة لا يملكها المتورطين ، لأن دماء الضحايا من جنسيات آخرى .

اصطياد الأوقات في ذروة اشتعال النار ليس أبداً بالأمر اليُسّر ، كما يظن البعض ، بل ، هو قمة الاحتراف السياسي ، فالتكنولوجيا المنشودة تتطلب إلى فسحة وهدنة وأيضاً تجنب الانخراط ، في وقت اشغال الآخرين عنها في سعار لا ينتهي إلا باستنفاذ منَّ فيه من طاقات بشرية ومادية ستصبح بالية أمام طاقة بديلة قادمة .

اخر الأخبار