ماذا حققت زيارة هولاند لفلسطين؟

تابعنا على:   10:08 2013-11-25

غسان العزي

خلال معركة الانتخابات الرئاسية في ربيع العام الماضي أرسل فرانسوا هولاند مبعوثاً له إلى القدس، هو لوران فابيوس المقرب من "الإسرائيليين"، لطمأنتهم بأن شيئاً لن يتغير في السياسة الخارجية الفرنسية المتعلقة بالشرق الأوسط في حال انتخابه رئيساً للجمهورية . ففي "إسرائيل" مئة ألف فرنسي كانوا يميلون للرئيس ساركوزي، وقد صوتوا بالفعل، بنسبة تسعين في المئة، لهذا الأخير في الانتخابات الرئاسية في مايو/ أيار 2012 . وعندما وصل هولاند إلى الإليزيه التزم بوعده الاستمرار في السياسة الساركوزية نفسها حيال الصراع الفلسطيني - "الإسرائيلي" والملف النووي الإيراني والأزمة السورية وغيرها .
وعملاً بما بات عرفاً في الدبلوماسية الفرنسية قام الرئيس هولاند بزيارة إلى "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية ليؤكد الاستمرار في "السياسة العربية" نفسها التي أسسها الجنرال ديغول بعيد حرب العام 1967 . والحقيقة أن هذا المسمى "السياسة العربية لفرنسا" ليس إلا وهماً أو خطأ بات شائعاً يردده المعلقون من دون تمحيص ولا تدقيق . ففي ظل هذه السياسة حصلت "إسرائيل" على أكثر أسلحتها فتكاً وتطوراً من فرنسا الجمهورية الخامسة ومن ضمنها السلاح النووي من خلال مساهمة باريس في بناء مفاعل ديمونا وغيره، ومن خلال تزويدها الدولة العبرية بالمعرفة النووية . ثم ماذا قدمت أو أخرت كل التصريحات الفرنسية المنددة بالسياسات "الإسرائيلية"؟ هل منعت تهويد القدس أو قضم الضفة الغربية أو التنكيل المستمر بالسكان الفلسطينيين لدفعهم إلى الهجرة والتخلي عن قضيتهم العادلة وحقوقهم المشروعة؟ الأسئلة كثيرة وكثيرة .
المهم أن زيارة هولاند ل"إسرائيل" أتت بين جولتين تفاوضيتين في جنيف بين إيران وما بات يعرف ب"5+1"، نجح وزير الخارجية لوران فابيوس في إعاقة تقدم الأولى نحو الحل، لكنه لم يتمكن من العرقلة طويلاً، إذ تم التوصل إلى اتفاق في نهاية الأمر . وهذا الموقف الفرنسي المتشدد حيال إيران في المفاوضات، الذي يلتقي مع الموقف "الإسرائيلي" دفع المراقبين لوضع الزيارة الرئاسية الفرنسية تحت العنوان النووي الإيراني، وكأنَّ المفاوضات الفلسطينية -"الإسرائيلية" لم تعد عنواناً مهماً لزيارات ومباحثات .
وكما كان منتظراً أكّد هولاند أن فرنسا لن تتهاون في الملف النووي، وكأنه كان يتهم الغربيين الآخرين بالتهاون . وهذا ما أرضى رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الذي يبحث عن دعم لموقفه المتشدد في هذا الملف، وقد جاءه الدعم من دولة تملك حق النقض الفيتو في مجلس الامن . وهذا الموقف غطى على تصريحات هولاند التي ذكرت بالموقف الرسمي الفرنسي الذي بات معروفاً حيال قضايا الصراع الفلسطيني - "الإسرائيلي" . فالمستوطنات ليست شرعية ولا قانونية وهي تضر بالسلام وبالمفاوضات، والحل يقوم على دولتين مستقلتين وشعبين يعيشان جنباً إلى جنب بسلام والقدس عاصمة للدولتين "إذا أفضت المفاوضات إلى حل وإذا تم العثور على السلام المنشود"، كما أعلن هولاند .
والمعروف أن "إذا" شرطية ما يعني أنها تضع الاتفاق على تسوية من خلال المفاوضات شرطاً لحصول الفلسطينيين على حقوقهم . ومن دون هذا الاتفاق المتفاوض عليه لا حقوق للفلسطينيين . هكذا يقول منطق اللغة التي استخدمها هولاند، على الأرجح بغية إرضاء مضيفه نتنياهو . وبالطبع قدم إشارات بروتوكولية عديدة لتأكيد صداقته، التي ما انفك يتبجح بها للكيان، مثل زيارة نصب المحرقة وقبر رابين وخطابه أمام الكنيست الذي اضطر لإلقائه بعد ضغوط تلقاها عشية زيارته التي كادت تلغى لولا موافقته المتأخرة على المثول أمام الكنيست وإلقاء الخطاب .
وكان الهدف التجاري من الزيارة واضحاً لا لبس فيه . فقد أعلن هولاند أن العلاقات التجارية بين البلدين لا ترقى إلى مستوى العلاقات السياسية المتطورة . فالتبادل التجاري بين البلدين يبلغ 4،2 مليار يورو سنوياً وفرنسا تستحوذ فقط على اثنين في المئة من السوق "الإسرائيلي" في مقابل تسعة في المئة لألمانيا . وهي تحتل المرتبة الحادية عشرة في لائحة الدول التي تستورد منها "إسرائيل" . لذلك ضم الوفد الزائر حوالي أربعين مديراً لشركات فرنسية كبرى جاؤوا يبحثون عن عقود على خلفية تصريحات فرنسية تمجد الصداقة بين البلدين وتبدي إعجاباً "بالتكنولوجيا "الإسرائيلية" التي استحوذت على إعجاب العالم بأسره"، حسب ما صرّح هولاند بكلام فيه الكثير من المحاباة والمبالغة .
في رام الله كان كلام هولاند أكثر وضوحاً بالنسبة لرفض الاستيطان ودعم حقوق الفلسطينيين . وقام بزيارة ضريح عرفات وتلفظ بجملة عربية في خطابه (تحيا الصداقة الفرنسية - الفلسطينية) تماماً كما فعل بالعبرية أمام الكنيست، في محاولة يائسة لتحقيق توازن شكلي حاول نفيه بالقول: "ما أفعله في فلسطين اليوم وما فعلته في "إسرائيل" أمس هو أن أكون نافعاً . لم أسعَ لأفعل أكثر أو أقل لهذا الطرف أو ذاك، بل لأفعل أكثر من أجل السلام" .
هولاند لا يملك أن يفعل أكثر أو أقل من أجل السلام، فهو كرر ما بات ممجوجاً من كثر تكراره في الخطاب الدبلوماسي الفرنسي . وهذا التكرار لا يقدم شيئاً ولا يؤخر لأن المطلوب هو الأفعال وليس التصريحات . وقد برهنت فرنسا على أنها لا تملك القدرة على الخروج عن الإرادة الأمريكية في المواضيع الأساسية لا سيما تلك المرتبطة بالدولة الصهيونية .
عن الخليج الاماراتية