فجرُ جنيف النووي يهزّ توازنات المنطقة

تابعنا على:   09:56 2013-11-25

أمد / بيروت / النهار : بعد أربعة أيام من المفاوضات الشاقة التي وصلت الليل بالنهار (20 ساعة عمل يوم السبت وحده)، تمكنت مجموعة 5 + 1 للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن (الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين الى المانيا، وايران فجر أمس، من التوصل الى اتفاق تاريخي لاحتواء البرنامج النووي الايراني في مقابل رفع جزئي للعقوبات المفروضة على الجمهورية الاسلامية. ويحمل الاتفاق (النص الحرفي ص11) أملا في الخروج من ازمة مستمرة منذ أكثر من عشر سنين، مع التأكيد انه"خطوة أولى" تم اجتيازها. ومن المرجح ان يؤسس الاتفاق المؤقت لاتفاق شامل في غضون سنة، فضلاً عن انه يفتح صفحة جديدة من التعاون بين ايران والغرب وربما مهد الطريق لاعادة صوغ التحالفات اقليمياً ودولياً.

وقال الرئيس الاميركي باراك أوباما في كلمة القاها في البيت الابيض إن هذا الاتفاق "يقفل الطريق الاوضح" أمام طهران لتصنيع قنبلة نووية، مجدداً دعوة الكونغرس الى عدم التصويت على عقوبات جديدة على ايران. واعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان "اختراقاً تحقق، الا انه يبقى خطوة أولى في طريق طويلة وصعبة". ورأى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في الاتفاق "مرحلة نحو وقف البرنامج النووي الايراني".

ورحب مرشد الجمهورية الاسلامية آية الله علي خامنئي بالاتفاق قائلاً :"لا بد من شكر فريق المفاوضين النوويين على هذا الانجاز ... ويعود هذا النجاح أيضاً الى الرعاية الالهية والصلوات ودعم الشعب"، مضيفا في رسالة الى الرئيس حسن روحاني انه ينبغي"دوما الصمود أمام المطالب المبالغ فيها" من الدول الاخرى في المجال النووي. ورحبت مصر وسوريا ودولة الامارات العربية المتحدة والبحرين بالاتفاق. أما رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو فوصفه بانه "خطأ تاريخي".

وتوصل المفاوضون بدعم من وزراء الخارجية لمجموعة 5+1 الى اتفاق متوازن تتسم أكثر بنوده بصياغة ملتبسة مبهمة غير مباشرة، انما تفي بالغرض بالنسبة الى الطرفين، وتفتح الطريق أمام الانتقال في المفاوضات المقرر ان تدوم سنة كاملة الى المرحلة الثانية. فهذا النص، وهو مقدمة للاتفاق النهائي، لم يشر مباشرة الى حق ايران في تخصيب الاورانيوم، لكن هذا "الحق" واضح وموجود في أكثر البنود والتفاصيل، على رغم تأكيد البيت الأبيض ان "الاتفاق لا يعترف بحق التخصيب". وقد وردت الاشارة الأكثر وضوحاً في مقدمة الاتفاق الذي يتحدث عن حيثيات البرنامج النووي الايراني في المرحلة النهائية من المفاوضات، ووردت ايضاً في بندي منع التخصيب بنسبة 20%، ومنع ايران من زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي عن العدد الحالي (15 الف جهاز).

في المقابل، من شأن البنود المبهمة عينها ان تطوق امكان تحول البرنامج الايراني برنامجاً عسكرياً تماماً، وتترك له ممراً وحيداً نحو الاستخدام المدني، وهذا التطويق يبدأ من منشأة "أراك" التي جرت عملية التفاف على مصيرها تقضي بوضع حدٍ نهائي لنشاطها من دون قول ذلك صراحة. أما التطويق الثاني فموجود في البند المتعلق بمنع التخصيب بنسب عالية، وفي البند المتعلق بالمراقبة المفاجئة التي ستقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية لكل المنشآت النووية.

وبعد ساعات من توقيع الاتفاق، كان الأميركيون أول المبادرين الى اظهار حسن النية، بالافراج عن ثمانية مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة لديها منذ ثلاثة عقود. كما حصلت ايران ضمن بنود الاتفاق على خفض جزئي لرزمة العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات عدة وتحديداً منذ عام 2009. وهذا التطور سيفتح لايران آفاقاً جديدة لضخ الحياة في عروق اقتصاد شبه مشلول، ويعيد الحركة الاقتصادية الى الدوران وان ببطء، في انتظار الرفع الكامل للحظر المنتظر في نهاية المفاوضات أي بعد سنة من الآن.

ماذا بعد الاتفاق

وبموجب الخطة الايرانية التي اقترحها وزير الخارجية محمد جواد ظريف في الجولة الأولى (15 - 16 تشرين الاول الماضي) للمفاوضات مراحل ثلاث: المرحلة الاولى التي انتهت أمس، وهي مرحلة بناء الثقة. أما المرحلة الثانية، والتي ستبدأ بموازاة تطبيق بنود الاتفاق المرحلي خلال الأشهر الستة المقبلة، فستكون المرحلة الاصعب فيها ستحدد المفاوضات معالم المشروع النووي الإيراني المستقبلي، وستمهد لمرحلة الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية عن ايران وعودة دوران الحركة الاقتصادية بكامل قوتها وامكاناتها الضخمة.

جنيف الايراني - السوري

وستترتب على نجاح المفاوضات الايرانية - الدولية في الوصول الى اتفاق، انعكاسات مباشرة على الملف السوري. وهذا ما أكده مسئول دبلوماسي رفيع في الأمم المتحدة في جنيف يشارك في التحضيرات لجنيف - 2. وقال إن الممثل الخاص المشترك للامم المتحدة وجامعة الدول العربية في سوريا الاخضر الابراهيمي كان التقى على هامش مفاوضات جنيف الايرانية وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف السبت الماضي للبحث في التحضيرات للمؤتمر حول سوريا.