المبادرة الاقتصادية الدولية ومتطلبات التنمية في فلسطين

تابعنا على:   13:09 2013-11-24

د. محمد مصطفى

بعد ان نجحت القيادة الفلسطينية في إنجاز الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية كعضو في الامم المتحدة في 29 نوفمبر 2012، كان لابد من الاستمرار بجهد وطني شامل لتجسيد الدولة على الأرض على مختلف المستويات بما في ذلك المستوى الاقتصادي. وقد يشكل استئناف مفاوضات الوضع النهائي في بداية آب 2013 فرصة لتسريع وتيرة هذا الجهد والمضي فيه إلى الامام. فقد ظهر مع  بداية المفاوضات السياسية عدد من المبادرات الاقتصادية الايجابية التي تهدف الى تمكين الاقتصاد الفلسطيني ضمن برنامج تجسيد الدولة وتحقيق الاستقلال.

وبغض النظر عن احتمالات نجاح أو فشل المفاوضات، لم يعد ممكناً سلوك نفس المسار الذي سرنا عليه منذ عشرين عاماً. وليس مقبولاً أن يكون سقف المبادرات الاقتصادية هو التعايش مع أو اجراء تحسين جزئي على الوضع القائم. فإذا ما انطلق القطار السياسي فإنه سيفتح الباب أمام استحقاقات عديدة، من أهمّها الحاجة لبناء القاعدة الاقتصادية للدولة القادرة على توفير حياة اقتصادية كريمة لمواطنيها ومناخ مواتي للتقدم والازدهار. وفي حالة فشل المفاوضات، فستكون هناك حاجة ماسة لانتزاع حقوقنا الاقتصادية وتبني برامج تواجه ما يعاني منه الاقتصاد الوطني من تراجع واضح وتبعية مقلقة تضعف مقومات شعبنا على الصمود.

تتجلى صعوبة الوضع الاقتصادي الراهن من خلال مؤشرات عديدة وفي مقدمتها تباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة والفقر واستمرار العجز في الموازنة العامة وارتفاع العجز التجاري. ولعل أكثر هذه المؤشرات اثارة للقلق هو ارتفاع معدلات البطالة التي سجلت معدلات قياسية حيث لا يستطيع واحد من بين أربعة فلسطينيين باحثين عن فرصة عمل الحصول على وظيفة. وفي ضوء هذا الواقع، فإن الاقتصاد الفلسطيني مُطالب بإيجاد أكثر من 600,000 فرصة عمل إضافية خلال العقد المقبل، الأمر الذي يتطلّب نمواً سنوياً للناتج المحلي الإجمالي بمعدل 10% على مدى الفترة المذكورة، أي ضعف المعدل الحالي.

من هنا، فإنه في نفس الوقت الذي تعمل فيه القيادة السياسية على تحقيق الحرية والاستقلال السياسي، لا بد لنا من العمل على تأسيس قواعد أكثر متانة لاقتصاد وطني مستقل يتحدى الوضع الراهن الذي خلقه الاحتلال، وينتزع حقوقنا الاقتصادية، ويعالج الخلل الهيكلي الذي نخر في جسم الاقتصاد، ويوفر فرص عمل كريمة للمواطن ويحسن من انتاجيته ويخرجه من حالة الضغط المعيشي التي يعاني منها. ولتحقيق ذلك، لا بد من إحداث تغييرات جذرية على أرض الواقع تأتي ضمن برنامج وطني شامل للتحوّل الاقتصادي يشكل نواة للخطة الوطنية للتنمية للفترة 2014-2016 والتي ستشكل إطار عملنا في تلك الفترة لتحقيق النمو الاقتصادي بما يضمن العدالة الاجتماعية وبما يؤسس لاستقطاب المستثمرين من ناحية ودعم المانحين من ناحية اخرى.

وقد تم الإعلان مؤخراً عن عدد من المبادرات الهادفة لاستقطاب المستثمرين للمساهمة في احداث مثل هذا التغيير المنشود وتنشيط الاقتصاد. ولعل من أبرزها "المبادرة الاقتصادية" الدولية التي أعلن عنها وزير الخارجية الأمريكي السيد جون كيري في شهر ايار الماضي.

تعتبر "المبادرة الاقتصادية"  في جوهرها برنامج استثماري برعاية الرباعية الدولية وليس خطة اقتصادية للحكومة الفلسطينية؛ من وجهة نظر الحكومة الفلسطينية فان الخطة الرئيسية لعمل للحكومة هي الخطة الوطنية للتنمية.  تهدف المبادرة الاقتصادية الدولية في الأساس إلى تحفيز وتمكين المستثمرين الأجانب والعرب والفلسطينيين إلى ضخّ استثمارات بما يقارب خمسة مليارات دولار يتم مضاعفتها من خلال توفير الضمانات اللازمة لتامين مبلغ مماثل من البنوك ومؤسسات الاقراض لتمويل حزمة كبيرة من المشروعات الاستثمارية.  وقد قام على اعداد هذه الحزمة من المشاريع، والتي كان قد تم الاعلان عن جزء منها سابقا من قبل مؤسسات فلسطينية، فريق من الخبراء الدوليين بناء على دراسة معمقة قاموا بها لخطط التنمية الفلسطينية وللاستراتيجيات الوطنية لثمانية قطاعات حيوية، وهي: الإنشاءات، مواد البناء، المياه، الزراعة، الصناعة، السياحة، الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والطاقة. 

وفي حال تنفيذ هذه المشاريع فمن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى المساهمة في رفع معدلات النمو الاقتصادي وخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، الأمر الذي نرحّب به كونه يُساهِم في خدمة الأهداف ذاتها التي نسعى إلى تحقيقها. لكننا ندرك من خلال تجاربنا السابقة ان تنفيذ مثل هذا البرنامج بشكل كامل لن يكون ممكنا ما لم يقدم الجانب الاسرائيلي على احداث تغيير جوهري على سياساته التي تضع قيودا كبيرة على قدرتنا على استغلال الجزء الاكبر من أرضنا ومياهنا وشواطئنا واجوائنا ومصادر الطاقة والثروة المعدنية اللازمة للتنمية الشاملة.

بالرغم من ادراكنا لحجم المعوقات فإننا مصممون على انتزاع حقوقنا الاقتصادية، مثلها مثل حقوقنا السياسية، وعمل كل ما نستطيع لتمكين الاستثمار الجاد في اقتصادنا.  لذلك، فستقوم الحكومة بتوفير كل التسهيلات واتخاذ الاجراءات الاصلاحية اللازمة لدعم تنفيذ هذه الحزمة من المشاريع. كما سنعمل على تنفيذ الاستثمارات العامة اللازمة وخاصة في مجال البنية التحتية الاساسية التي  تمكن وتكمل الاستثمارات الخاصة، بالتنسيق مع الاطراف المانحة.

وقد يكون من أهم ما يميز "المبادرة الاقتصادية" أنها تأتي بدعم أمريكي ودولي قويين، الأمر الذي نفترض انه سيحسّن من فرص التزام الجانب الإسرائيلي بتمكين تنفيذها. كما انه من المتوقع أن يقوم المانحون بتمويل بعض المكونات الضرورية لتقليل المخاطر وتأمين الجدوى الاستثمارية للمشاريع المشمولة في المبادرة.

 

لكن "المبادرة الاقتصادية"، وبالرغم من اهميتها، فإنها لن تكون كافية لإنجاز برنامج وطني شامل للتحول الاقتصادي. هناك حاجة لتغييرات جذرية اخرى وعلى عدة محاور رئيسية من أجل ضمان البيئة المواتية  لتحقيق التحول الاقتصادي المطلوب. سأركز فيما يلي على خمسة محاور:

الأول: توحيد الأراضي الفلسطينية واقتصادها والاستغلال الأمثل لمواردها، ويتطلب هذا التعامل مع الضفة الغربية، وتشمل القدس الشرقية، وقطاع غزة كوحدة إقليمية واقتصادية واحدة، وإزالة كافة عوامل وتبعات الحصار والانقسام، والعمل على إعادة دمج القدس الشرقية والأراضي المصنفة "ج" بما فيها الأغوار الفلسطينية وحصة فلسطين من شواطئ البحر المتوسط والبحر الميت في هذه الوحدة الاقتصادية الواحدة. كما يجب العمل على تحقيق السيطرة الفلسطينية على الموارد الطبيعية مثل المياه والنفط والغاز الطبيعي والبوتاس بما يمكننا من تنميتها وتطويرها.

الثاني: تغيير الإطار الذي يحكم العلاقات الاقتصادية بين  فلسطين وإسرائيل (بروتوكول باريس)، وهو الإطار الذي كان من المفترض أن يستمر لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات فقط، ولكنه امتد لعقدين كاملين وهو مستمر لغاية الآن . الهدف الرئيسي للاطار الجديد هو ازالة التبعية للاقتصاد الاسرائيلي التي تسبب بها هذا البروتوكول وطريقة تطبيقه بما يؤسس لتحقيق الاستقلال الاقتصادي للدولة الفلسطينية.

الثالث: تحقيق الاستقرار لخزينة الدولة. يعتبر تحقيق الاستقرار المالي أمر ضروري لإعادة ترتيب الوضع الاقتصادي والتحضير لانطلاقة جديدة للاستثمار الخاص. من أجل ذلك، لا بد من توفير دعم دولي مالي سريع لسد الاحتياجات المستعجلة للخزينة وفي مقدمتها سداد جزء من ديون الحكومة للبنوك والقطاع الخاص وهيئة التقاعد، وإعادة هيكلة ما يتبقى منها من خلال السندات وغيرها من الادوات المالية. إلى جانب هذا، يجب أن يصاحب ذلك جهد وطني جاد لتوضيح الرؤيا بالنسبة لمنظومة الضرائب والشروع في تنفيذ برنامج زيادة الايرادات من خلال توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز آليات الجباية (قطاعي الكهرباء والماء مثلا)، وترشيد النفقات العامة (التحويلات الخارجية في قطاع الصحة مثلا) وتفعيل نظام الخدمة المدنية ليشكل رافعة لقطاع عام فعال دون ان يشكل عبئا ماليا على النظام السياسي.

الرابع: تطوير البنية الوطنية التحتية المادية والبشرية. يشمل ذلك تطوير البنية التحتية البنية المادية  في مجالات الإسكان والمواصلات والطاقة وشبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات والمرافق السياحية ومعابر التجارة الدولية؛ وتطوير البنية الاجتماعية في مجالات التعليم والرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية، مما يساهم في تنمية الموارد الوطنية وتسريع النمو الاقتصادي وخلق عدد كبير من فرص العمل. ولا بد من  الاستفادة القصوى من المبادرات الوطنية والدولية التي تمت الإشارة إليها سابقا في تحقيق ذلك.

الخامس: رفع القدرة التنافسية للشركات الفلسطينية والمنتج الوطني. ويشمل ذلك زيادة مخصصات الاستثمار الرأسمالي في القطاعات الإنتاجية، خاصة في قطاعي الزراعة (بشقيه النباتي والحيواني) والصناعات الخفيفة، وزيادة قدرة الشركات الفلسطينية خاصة الصغيرة منها على الحصول على التمويل اللازم، وتسريع عمليات تسجيل الأراضي، وتطوير البيئة التشريعية العادلة والمستقرة وتعزيز قدرات المؤسسات القضائية القادرة على تطبيقها، ودعم المنتج الوطني ورفع مستوى جودته من خلال تفعيل نظام المواصفات والمقاييس وتسهيل عمليات التصدير، ورفع مستوى إنتاجية العامل الفلسطيني من خلال التدريب الفني والتعليم النوعي وتطوير رأس المال البشري الفلسطيني.

اعتقد ان التنفيذ الناجح لبرنامج يجمع ما بين التغييرات المبينة في هذه المحاور الخمسة ، والاستثمارات المقترحة تحت مظلة "المبادرة الاقتصادية" سيكون  قادرا على ايقاد شعلة التحول الاقتصادي المطلوب بما يساهم في حل المعضلة الاقتصادية التي يعاني منها مجتمعنا ويؤسس لبرنامج تنموي شامل يدعم ويمكن  قيام دولة مستقلة قوية الأركان