تقرير: الشباب في قطاع غزه يغزوهم اليأس والإحباط وانعدام الأمل

تابعنا على:   10:37 2013-11-24

أمد/ غزة – تحقيق مجد غنيم: لم تعد حالة قطاع غزة عنوانا للحصار والفقر وقلق الناس اليومي فحسب، بل تعدت ذلك إلى ما هو اخطر وصولا للتأثير في مستوى إرادة الناس وحالتهم المعنوية، وبخاصة الفئة التي تشكل العصب الأساسي للمجتمع، ويعول عليها أن تكون مشعل العطاء والتضحية من اجل التحرر من براثن الاحتلال الإسرائيلي، ومن اجل المساهمة في معركة البناء التي ينشدها أبناء شعبنا الفلسطيني، هناك مشهد مرعب تُشكل تفاصيله معاناة الشباب الفلسطيني ، واقع ينذر بمصائب كارثية إن بقي الحال كما هو علية .. فالإحباط واليأس وفقدان الأمل وانسداد الأفق في شتى المجالات والبطالة وانتشار المخدرات وعدم الإحساس بالأمان ومحاصرة الحريات تشكل جميعها تفاصيل هذا المشهد المؤلم.

وإن كان الاحتلال الإسرائيلي سببا أساسيا فيما عليه قطاع غزة الآن، ليؤكد ذلك بأنه لم يتحرر بعد من قبضة وسياسة الاحتلال، برغم انهاء وجوده المباشر فيه، فالسؤال الأساس، هل استطاع من يحكمون قطاع غزة ان يديروا مقاليد الحكم بما يقدم نموذجا لحالة وطنية تمتاز بتمتين الجبهة الداخلية وتعزيز صمود الناس، وترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة ؟ هل استطاعوا تجنيب شعبنا مخاطر وسياسات الاحتلال الإسرائيلي بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وحماية شعبنا من نتائجها التدميرية؟ وهل تعاملوا مع حالة الناس وبخاصة الشباب بما يعكس بان هناك حالة حصار، ويجب أن لا تزيد الحكومة أعباء الناس المعيشية؟ هل استطاعوا بناء جيل شبابي قادر على النهوض بمتطلبات المرحلة، يعتز بذاته وبكرامته الوطنية، وبصلابة الإرادة والتحدي والتضحية ؟؟

من خلال هذا التقرير نحاول تسليط الضوء على أكثر الفئات الاجتماعية تضررا وهم الشباب، حيث تتعالى شكواهم في كل مكان، أحاديثهم يملؤها الأسف واليأس بسبب واقعهم المعيشي، ومن مستقبل لا يجدون بين تفاصيله بصيص أمل، حتى أن الكثير منهم بات يفكر بالهجرة خارج الوطن، بل ويحلم بها، مما اكسب الحالة القائمة بعدا سياسيا غاية في الخطورة، حيث أصبح حال قطاع غزة طاردا لأبنائه وليس جامعا وجاذبا لهم، كأساس على طريق تحقيق هدف العودة لكافة أبناء شعبنا الفلسطيني المهجرين في كافة بقاع العالم .

واقع الشباب ما بين التردي والانهيار

عن الحالة التي يعيشها الشباب في قطاع غزة يقول الدكتور طلال الشريف احد الشخصيات المستقلة البارزة في قطاع غزة " واقع الشباب يسير من سيئ إلى أسوأ، يتراجع كل ما كان يتعلق بمجتمع فتي، وكان من المؤمل أن يكون ناهضا حين بدأت السلطة الوطنية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني قبل الانقسام بوضع الخطط للنهوض به رغم محدودية ذلك، ولكنها كانت بدايات مبشرة في عملية تراكمية طويلة ضربها الانقسام في مقتل، وأوقف التنمية بكل أشكالها حين انحرفت قيادة حماس عن الهوية الوطنية وبدأت في تغيير شامل لمنظومة القيم والمفاهيم التي ترسخت عقودا في انتماء الشباب الفلسطيني للوطنية الفلسطينية واستبدلت البرامج الشبابية وفرص العمل والمشاركة في الفعاليات الداخلية والخارجية بالشباب الحمساوي لتغيير الهوية الوطنية إلى الهوية الحمساوية، وكان آخرها تغيير منهاج التربية الوطنية الذي أساسه الوحدة التي فُقدت بسبب الانقلاب " .

فيما عبر أبو نبيل شعت رئيس دائرة شئون العشائر في محافظة رفح عن أسفه للحال الذي وصل إليه الشباب اليوم في قطاع غزة، واصفا إياه بالضياع، وبأنهم ما دون الصفر، وبان غالبيتهم لم يعد يعنيهم القضية الوطنية بسبب الظروف الاجتماعية المحيطة وما يواجهونه من صعوبات على كافة الصعد .

من ناحيتها أشارت الطالبة " م ، س " التي فضلت وآخرين عدم ذكر أسمائهم، إلى أن واقع الشباب الفلسطيني في قطاع غزة يعاني مشاكل عديدة في مقدمتها انعدام الاهتمام بهم من قبل الجهات الرسمية المسئولة، وبسبب تفشي حالة البطالة، وشعور الكثير منهم بأنه مراقب وغير قادر على ممارسة قناعاته بصورة مطلقة، مؤكده بان سياسة الحكومة المقالة بغزة لا تساعد على خلق جيل شبابي قادر على النهوض بأعبائه، وبالأعباء التي يواجهها شعبنا، بل تخلق جيل منكسر تابع معطل العقل والإرادة، وبخاصة عندما يشعر غالبية الشباب بان هناك من يميز بين فئة وفئة، حيث تجني الفئة التابعة للحزب الحاكم كل الامتيازات، بينما يجرى تهميش الآخرين .

بينما قال احد الشباب " أن الحالة القائمة في قطاع غزة وبرغم صعوبتها إلا أن المساجد خرجت جيل مؤمن ومقاوم، وبان هناك المئات ممن حفظوا القران، وبان الله مع الفئة الصابرة المحتسبة، وبان النصر هو حليف المتوكلين على الله، وان هذا الجيل هو من سيحرر القدس ويهزم كل أعداء الله والدين والوطن " .

أسباب ودوافع

وعن أسباب حالة اليأس والإحباط المتنامية في أوساط الشباب في قطاع غزة يقول الشريف "يعاني الشباب من حالة اليأس والإحباط وتنعكس على سلوكهم، أولا بفضل إضعاف القضية الوطنية بعد الانقسام، وثانيا منع الحريات العامة من سلطة حماس، والبطالة وندرة فرص المشاركة أو العمل في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وصعوبة الحركة والسفر وتراجع اهتمام سلطة رام الله بالشباب والوظائف في غزة، وتراجع الخدمات في المجتمع الغزي أدت بالشباب إلى حالة من فقدان الأمل، ودفعت الكثيرين للانحراف والإدمان وتأخر الزواج لعدم توفر فرص العمل للجنسين، وارتفاع أسعار العقارات، وفقدان الأمل في تكوين أسر جديدة وما ينتج عنها من ظواهر التفريغ غير السوي النفسي والجنسي "

فيما أشار شعت إلى أن عدم توفر فرص العمل والكبت والفراغ، وغياب العدالة والمصداقية في التعامل مع قضايا الشباب ارتباطا بالانتماء التنظيمي او العائلي، هو ما دفع الكثير من الشباب للوصول إلى هذه الحالة المأساوية .

وتعتبر الناشطة "ف،م" أن ظواهر الإحباط واليأس لدى الشباب في قطاع غزة هي نتاج لحالة متداخلة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، مشيرة إلى أن علاج المشاكل المتصاعدة بطرق سطحية ليس هو المهم، ولا كذلك التباهي من قبل السلطة الحاكمة بأنها تعالج ظواهر "ما" كظاهرة الانحراف مثلا، فلا يكفي أن تقتصر هذه المعالجة بالتعامل مع نتائجها فقط ، بل أن الأساس يكمن في علاج الأسباب والدوافع التي شكلت مفرخة كل هذه الانحرافات، وولدت تعبيراتها الكارثية .

داخليا .. حركة حماس وحكومتها في بؤرة الاتهام

وعن تفشي العديد من الآفات الاجتماعية يقول الشريف" مثلا المسئول عن تفشي ظاهرة "التريمال" بين الشباب في قطاع غزة، هي حالة الضياع التي يحس بها الشباب والانزواء والشللية الناتجة عن الفراغ لعدم وجود فرص عمل والحالة الاقتصادية الصعبة التي يواجهها الشباب، بالإضافة للحروب والقلق والقمع، ومسؤولية الانتشار له علاقة بسهولة التهريب والبيع وهذه من مهمات رجل الأمن أولا والسلطة الحاكمة في غزة، وجشع المفاهيم التي اتسعت دائرته للتجارة والكسب غير المشروع والنهم المادي العنيف" .

وبرغم تحمل شعت الاحتلال الإسرائيلي سبب المصائب التي يعيشها شعبنا، إلا انه أشار إلى أن حكومة حماس تتحمل مسئولية مباشرة عن حال الناس في قطاع غزة لأنها من يدير شئونهم، وهي المسئولة عن علاج مشاكلهم المعيشية المختلفة، ولأنها طرف في حالة الانقسام الداخلي، كما حمل المسئولية لحالة المناكفات السياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية التي هي طرف فيها، كما لحركة فتح دور في حالة الانقسام .

فيما قال احد الشباب ويدعى " و، ب " "لم أكن أتوقع هذا التفشي الخطير لتعاطي هذا لمخدر "التريمال"، فغالبية من اعرفهم يتعاطون ذلك، وقد بدأ غالبيتهم التعاطي خلال السنتان الأخيرتان، حتى أنني أصبحت أخشى على نفسي، والمصيبة أن هناك عشرات القصص الخطيرة يعيشها من يتعاطون هذه المخدرات، لقد نصحت البعض منهم للتوقف عن ذلك، لكنهم يعتبرون أنهم بذلك يهربون من الواقع السيئ الذي يعيشونه، والخطير في الأمر أن ظاهرة تناول " التريمال " تحولت إلى حد كبير إلى "ثقافة" بين أوساط الشباب، ويتسال " و، ب " أين حكومة غزة من كل ذلك ؟ ولماذا لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بمنع دخول هذه المواد عبر الأنفاق التي تعرف كل صغيرة وكبيره مما تدخله ؟ ولماذا لم يتم ردع كل المتاجرين بها؟" ويضيف "هناك قصص يندى لها الجبين في كيفية معالجة هذه الأمر مع تجار هذا العقار" وتسال مرة أخرى "وإذا ما تقوم حكومة غزة بمسئولياتها تجاه هذا الأمر، لماذا هذه الزيادة المطردة لمن يتعاطون ذلك ؟ " .

تراجع في القيم والاخلاق

وعن انعكاس الحالة العامة على القيم الاجتماعية في أوساط الشباب، والتي شكلت صمام الأمان للنسيج المجتمعي على مدار مراحل شعبنا، قال الشريف " إن سياسة حكومة حماس أطاحت بآمال الشباب وسببت لهم الإحباط والانحراف والجريمة، وأغلقت أمامهم فرص العمل وحرية الحركة وحرية التعبير، فلجأ الكثيرين منهم للمقاهي والإدمان، وتبع ذلك ابتعادهم عن الثقافة الوطنية، وانتشار الجهل بحقوقهم وابتعادهم عن العمل الوطني الذي يقوي شخصياتهم وفخرهم واعتدادهم بذاتهم.

كما عبر شعت عن قلقه الشديد لمستوى انحدار القيم المجتمعية خلال هذه المرحلة، قائلا " إذا دُمرت القيم والأخلاق، فلا احد يتحدث عن انتماء او صمود او مقاومة .

فيما اعتبر أبو محمد وهو أب لخمسة أبناء، أن ما يلمسه في المجتمع داخل قطاع غزة، يعكس حالة من الانهيار الخلقي لم يسبق لها مثيل، مشيرا إلى العلاقة الغير سوية بين الأب وابنه، والطالب ومعلمه، والزوج وزوجته، والصديق وصديقة، وبان مستوى العنف تصاعد في السنوات الأخيرة كذلك حالات الطلاق، وقال " أنا أخشى على أبنائي من المفاهيم والثقافة السلبية التي باتت تغزو الشارع، أحاول المحافظة عليهم لكن الواقع الذي نعيشه صعب وهو أقوى من قدرتي كولي أمر يُفترض أن يحمي أبنائه من تلك المفاهيم الغريبة التي لم نعشها من قبل "، مشيرا إلى تنامي روح الحقد والانتقام والكراهية واستسهال تشويه الأخر والطعن بشرفه، والنميمة بين مختلف الأوساط الاجتماعية .

وبعد .. ؟

أمام هذا الواقع الأسود الذي يعانيه الشباب في قطاع غزة والمتعدد الأسباب والدوافع، يضع المواطنين أيديهم على قلوبهم، بان تعصف تلك الظواهر بما تبقى من مظاهر ايجابية تحفظ ماء وجه مجتمعنا الفلسطيني، ويجتهدون في تقديراتهم لعلاج الأمر برؤى متباينة، حيث يقول الشريف " الخروج من المأزق هو سياسي بمعالجة كل مناحي الحياة الفلسطينية، وهو استرجاع الحالة الديمقراطية الناشئة في فلسطين، والتي تبدأ بالمصالحة وإنهاء الانقسام و الانتخابات الديمقراطية، لفرز قيادة جديدة تضع البرامج للنهوض بالشباب وغيرهم، وإذا ما تعذر ذلك فإسقاط السلطتين والانتفاضة على الاحتلال هو المخرج " .

فيما رأى شعت بان علاج واقع الشباب في قطاع غزة يكمن في الاهتمام بقضاياهم، وإشعارهم بالأمان، وعدم الضغط عليهم، وتحسيسهم بان من يحكمونهم أي كانوا، يهتمون لأمرهم ولا يتعاملون معهم باستخفاف أو تمييز، معتبرا أن الأمر يحتاج لنهوض وطني عام، وفي مقدمة ذلك إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، لان ذلك يعيد الثقة لدى الشباب والشعب بقيادته، والثقة كذلك بالمستقبل، مضيفا " إذا وجد الأمل وجد الانتماء، ووجدت الإرادة، ووجدت المقاومة والاستعداد الواسع للتضحية " . وأضاف بان الهروب من المشكلة او الادعاء بأنها غير موجودة لا يساعد على علاجها، مطلوب مواقف جريئة ومسئولة وشجاعة من الجميع .

ويؤكد الطبيب الشاب : "ص ، ي" أن العمل على انتشال حالة الشباب من الغرق في المستنقع الذي يغوصون به يكمن في إعادة الاعتبار لنظام سياسي فلسطيني قائم على الوحدة ، واعتماد سياسات طارئة لمعالجة ما أفسدته المرحلة الأخيرة، والعمل على توفير البرامج وفرص العمل والتعليم القادرة على النهوض بواقع الشباب، وأضاف قائلا " إلى أن يتحقق ذلك، فإنني أتوجه إلى الأخوة في حركة حماس بقطاع غزة وادعوهم لضرورة إعادة النظر في طريقة تعاملهم مع فئة الشباب، والنظر بمسئولية إلى الأسباب التي أوصلتهم إلى هذه الحالة الصعبة، وان تحرص على وضع الإنسان الفلسطيني ومصلحته في سلم أولوياتها بعيدا عن التعصب الفئوي ، والتوقف عن تفضيل طرف على أخر، وعليها أن لا تنسى بأنها هي المسئولة عن كل تفاصيل الحياة في قطاع غزة"، مشيرا إلى أن هناك أيضا مؤثرات أخرى داخلية وخارجية من غير حركة حماس وحكومتها، تصعب الحياة على أبناء شعبنا في قطاع غزة .

اخر الأخبار