الشرطي الإسرائيلي

تابعنا على:   12:34 2015-02-01

معين الطاهر

مازال البعض يعتقد أن دور اسرائيل في المنطقة العربية , يتجسد في كونها شرطيا , يحمل هراوة غليظة , بما وفره لها الغرب من أسلحة حديثة ومتطورة , ليهدد بها أي اعتداء على مصالح الغرب , أو اي محاولة للتغيير في المنطقة . و يتوهم البعض أن هذا الكيان الغاصب قادر على حمايته , اذا ما أصبح طرفا فاعلا في المنطقة , وجزءا من نحالفاتها ومحاورها الاقليمية , معيدا بذلك لهذا الكيان دورا فقده عند الغرب الاستعماري ذاته.

ربما كانت هذه الفرضية صحيحه عندما قام الغرب بتأييد قيام اسرائيل باعتبارها شرطيا ينوب عنه في بلادنا العربية , ويساعده في الحفاظ على مصالحه الحيوية . واستمرت هذه المقولة في أعقاب الحرب العالمية الثانية , وتحققت حين شارك الجيش الاسرائيلي في العدوان الثلاثي على مصر , مع فرنسا وبريطانيا , سنة 1956, قبل أن ينسحب سريعا من سيناء بعد تدخل الرئيس الأمريكي ايزنهاور في ذلك الوقت .

على أن هذه المقولة بدأت في التراجع عمليا مع انحسار النفوذ الاستعماري الأوروبي , وزيادة النفوذ الأمريكي , وحلول الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية وأساطيلها , محل القوة العسكرية للإمبرطورية البريطانية التي غابت عنها الشمس .

ويلاحظ في تلك المرحلة أن مجمل الأحلاف العسكرية التي شكلتها الولايات المتحدة مثل حلف بغداد (الحلف المركزي أو السنتو) والذي ضم العراق وايران وباكستان وتركيا , وحتى حلف الناتو قد غابت عنها اسرائيل , رسميا على الأقل , في حين شاركت فيها بعض الدول العربية والاسلامية مثل تركيا والعراق وايران وباكستان .

ما بعد 1948 وباستثناء العدوان الثلاثي على مصر , لم تشهد المنطقة أي تدخل اسرائيلي مباشر لحماية المصالح الغربية , أو الأنظمة الموالية للغرب , مع الأخذ بعين الاعتبار تحليق الطيران الاسرائيلي فوق المدرعات السورية عندما دخلت الى الأردن في سنة 1970 , حيث اعتبر بمثابة انذار اسرائيلي , تم على اثره سحب تلك المدرعات من الأراضي الأردنية .

في حرب تشرين 1973 , اضطرت الولايات المتحدة إلى تسيير جسر جوي مباشر إلى المطارات في سيناء , لتعويض الجيش الاسرائيلي عن خسائره في المدرعات والذخائر , وتبين حينها أن على الغرب أن يساعد اسرائيل للبقاء , ونشطت الدبلوماسية الأمريكية لمساعدته في تقليص النتائج السياسية للهزيمة , وتحويلها الى نصر .

انهارت تماما نظرية أن اسرائيل هي شرطي المنطقة في حرب الخليج الأولى , إذ تبين أن اسرائيل هي عبء ثقيل على الغرب , لم يوافق التحالف الغربي على مشاركة الجيش الاسرائيلي في الحرب ضد العراق , بل وأطلق تعهدات كاذبه بأنه سيهتم بحل القضية الفلسطينية بعد الحرب . وطلب الرئيس بوش من اسحاق شامير عدم الرد على الصواريخ العراقية التي سقطت قوق الكيان الصهيوني , وأرسل بطاريات صواريخ باتريوت للتصدي لهذه الصواريخ . لم تستطع اسرائيل أن ترد بطلقة واحده نتيجة للضغط الأمريكي المباشر عليها , ولم تستخدم الولايات المتحدة حتى التسهيلات اللوجستية من اسرائيل تحسبا من أي حساسيات قد يسببها ذلك , وبدا واضحا في هذه الحرب أن هذا الشرطي المزعوم بحاجة إلى من يحميه , وأنه قد تحول عبئا حقيقيا على حماته والمدافعين عنه .

منذ مشاركة اسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر , وحتى اعلان الحرب ضد داعش , لم تتمكن اسرائيل أن تكون جزءا من أي تحالف علني في المنطقة , ودوما هرعت الجيوش والأساطيل والطائرات الغربية الى المنطقة لتدافع بنفسها عن مصالحها وحلفائها .

على أنه يجدر الانتباه إلى أن الكيان الصهيوني يبذل جهودا كبيرة من أجل استعادة دوره المفقود , وهو يدرك تمام الادراك أنه لن يستطيع العودة الى دور الشرطي في المنطقة , بالاعتماد على تفوقه العسكري فحسب , وانما يتوجب علية أن يكون جزءا من المنطقة التي ينبغي له أن يكون شرطيها .

في غمرة الحرب على غزة , صرح نتنياهو بأن أحد أبرز انجازات الحرب على حد زعمه , هو سعيه لبناء لعلاقات استراتيجية نمت وتطورت قبل وخلال الحرب مع أطراف عربيه . ولعل هنا بيت القصيد , إذ أن اسرائيل تسعي لأن تكون جزءا من الصراعات العربية في المنطقة , وأن يكون لها علاقات مع الوسط العربي المحيط بها , وعندها تسطيع أن تكون جزءا من المعادلة الاقليمية , ويسمح لها بأن تكون الشرطي والجلاد والحاكم بأمره , أذا أصبحت جزءا من نسيج المنطقة المتهالك , وطرفا في محاورها وصراعاتها .

على أن ذلك كله لا يمكن تحقيقه علنا الا عبر البوابة الفلسطينية , فلا يمكن للكيان الصهيوني اقتحام القلاع العربية , الا عبر حصان طروادة الفلسطيني , الذي قد يبرر بتنازلاته المتتالية , وتنسيقه الأمني للوضع العربي القيام بمثل ما يقوم به .

ومن هنا تنبع أهمية المقاومة بكل أشكالها في فلسطين , ليس دفاعا عن فلسطين فحسب, وانما دفاعا ومن الحندق الأمامي , عن الأمة العربية بأسرها وضد محاولات التطبيع والاعتراف والتعاون بأي صورة مع العدو .

ان عدم تمكين العدو من معاودة القيام بدور الشرطي في المنطقه , سيفسح المجال واسعا لهزيمته , بعد أن ينكشف زيف مشروعه الاستعماري , وهنا ينبغي خوض حرب شاملة تستخدم فيها كل أدوات الضغط العربية , الشعبية منها والرسمية , على الغرب , وفي الطليعة منه الولايات المتحدة الأمريكية , لوقف دعم هذا الكيان الذي استحال عبئا عليه , يحيث يبقي ورما غريبا يلفظه جسم الأمة , وعبئا لا حاجة لصانعيه به .

اخر الأخبار