التقارب المصرى الروسى واللعب بالتوازنات

تابعنا على:   16:31 2013-11-21

اياد صبري أبوجبر

خلال الساعات الأولى من عزل الرئيس محمد مرسى، أبدت روسيا استعدادها للتعاون العسكرى مع الجيش المصرى عوضاً عن الموقف الأمريكى الذى جمد جزء من مساعداتها العسكرية المستحقة وفقا لاتفاق "كامب ديفيد"، وهو ما استغلته القاهرة التى رحبت بالمبادرة الروسية التى من شأنها استعادة الدفء فى العلاقات بين البلدين، خاصة وأن حاجة القاهرة للدور الروسى باتت أكثر الحاحا من ذى قبل، فرفضها للمبادرة فى عهد الرئيس الأسبق مبارك كان مبرر فى ظل العلاقات الأمريكية المصرية الجيدة آنذاك، لذلك بمجرد موافقة القاهرة على مبادرة موسكو بدأت الوفود الروسية تستعيد ذكريات طريقها للقاهرة من خلال رئيس المخابرات الروسية ثم وزيرى الدفاع والخارجية.

صحيح أن ما يحدث بين القاهرة وموسكو يعد تطوراً نوعياً فى العلاقات بين البلدين، لكن الأمر لا يمكن بأى حال من الأحوال اعتباره بمثابة انقلاب إستراتيجى فى العلاقات الأمريكية المصرية، وهذا ما يقودنا الى التساؤل التالى: هل يمكن أن تشكل روسيا البديل المناسب عن الحليف الإستراتيجى الأمريكي؟ وما هى أهم المعوقات التى تحول دون ذلك؟

 لا شك أن هناك فارق هائل بين الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية في الواقع السياسي والاقتصادي المصري مقارنة بالدور الروسي، فالنفوذ الأمريكي على البنك الدولي وعلى الدول الخليجية وعلى مختلف المؤسسات الدائنة بالاضافه لإسرائيل، لا يمكن مقارنته بأى حال من الأحوال بالدور الروسي المضمحل لروسيا، كما أن حجم المعونات المالية والعسكرية السنوية التي تقدم لمصر بفعل القدرة الاقتصادية والعسكرية الهائلة للولايات المتحدة، تفوق طاقة روسيا، فالإدارة الأمريكية يمكنها شطب نسبه من ديون مصر الخارجية التى قدرها البنك المركزى المصرى بـ 43.2 مليار دولار فى يونيو الماضى، وقد سبق لها أن فعلت ذلك، فى المقابل هناك تخوف روسى - أشارت اليه العديد من المصادر الصحفية - من عدم قدرة القاهرة على تسديد ثمن الصفقة العسكرية التى جرى الاتفاق عليها بين الجانبين، لكن تغطية السعودية لقيمتها التى بلغت 2 مليار دولار قد يؤدى الى نجاحها فى نهاية المطاف، لكن ذلك لا يعنى ان القاهرة قادرة على تغيير عقيدتها العسكرية ذات الصناعة الأمريكية، التى يصعب تغييرها او استبدلاها خلال أشهر، فالخبراء فى هذا المجال يؤكدون على أن القاهرة بحاجة لسبع سنوات على الأقل لتغيير سلاحها وعقيدتها القتالية من الأمريكية الى الروسية. كما أن الولايات المتحدة بإمكانها أن تستخدم نفوذها للتخفيف من حالة العزلة التى تعانيها القاهرة منذ يوليو الماضى، وهو أمر قد يستعصى على روسيا.

لكن روسيا من جانبها تحاول استغلال حالة الارتباك الأمريكى العاجز عن تغيير المسار السورى، الذى انتقص من هيبتها العسكرية التى عولت عليها كثيراً دول الخليج للتخلص من نظام بشار، وما تلاه من محاولات التقارب الأمريكى الإيرانى الذى أزعج الحلفاء فى الخليج، بالإضافة لإسرائيل، وهو ما دفع بعض الدول الخليجية الداعمة للعسكر فى مصر للتوجه نحو روسيا للضغط على الإدارة الأمريكية، وهو ما يشكل مكاسب عدة للجانب الروسى أهمها:

 * مساعى روسيا لاستعادة موقعها فى المنطقة العربية نابعة من إدراكها حالة تراجع أهمية الشرق الأوسط فى الاستراتيجية الأمريكية، خاصة وان المعتدلين من حلفاؤها العرب لا يشكلون أى خطورة على مصالحها فى المنطقة، فتمكن روسيا مؤخرا من الاسهام فى صياغة المعادلات والتوازنات الجديدة فى الشرق الأوسط من خلال الملف السورى، جعلها أكثر تحفزا لنسج علاقات جديدة مع القاهرة التى تحظى بحضور فى الذاكرة الروسية يفوق الحضور السورى، الذى أعطى روسيا القدرة على لعب دور الظهير المهم لإيران.

 * الحديث عن لعب روسيا دور البديل للولايات المتحدة الأمريكية أمر سابق لأوانه، لكن المنافسة بين موسكو وواشنطن فى الشرق الأوسط، مسألة لا يمكن إغفالها لكنها تبقى فى حدود الممكن، بحيث لا ترتقى لمستوى إحداث التوتر فى العلاقات بين البلدين، وقد يصل الأمر فى بعض الاحيان لمستوى التعاون وهو ما ظهر جليا فى ما قدمته روسيا من خدمات للتدخل الأمريكى فى أفغانستان، فإمكانية النزاع بين الولايات المتحدة وروسيا على مصر أمر لا يمكن تصوره لان روسيا ليس بإمكانها تعويض القاهرة عن الدعم الأمريكى.

 * لم يستطع الرئيس المعزول محمد مرسى تحقيق أى تقدم فى العلاقات الروسية المصرية، فزيارته لموسكو أثناء وجوده فى منصب الرئاسة لم تضيف أى جديد فى علاقات البلدين، فروسيا من جانبها لم تسعى لطرح أى مبادرات فى عهد الرئيس المعزول، وهذا ما يقودنا الى حساسية الروس من التيارات الإسلامية، خاصة وأنها تخوض معارك داخلية مع المقاومة الاسلامية فى مناطق النفوذ فى القوقاز وداغستان وغيرها من مناطق النفوذ الروسى هناك، فالأمر قد يكون غير مناسب لفتح علاقات مع الإخوان المسلمين فى مصر بالتزامن مع حملتها على ما تسميه الارهاب الاسلامى فى مناطق نفوذها، فتقاربها مع النظام المصرى الذى يقوده العسكر قد يكون مقبول بالنسبة لموسكو على اعتبار ان الطرفين المصرى والروسى يخوضان معركة مماثلة ضد التيارات الاسلامية.

 * تبقى الاشارة فى هذا الصدد الى الدور السعودى المهم والساعى للضغط على الادارة الأمريكية التى نقضت وعودها فى سوريا، وأصبح تقاربها مع إيران يشكل تهديد للعالم السنى التى تقوده المملكة العربية السعودية، لذلك من المرجح ان استعدادها لتحمل تكاليف الصفقة العسكرية الروسية المصرية والحديث عن صفقات عسكرية مستقبلاً يأتى فى هذا السياق.

خلاصة القول

 بناءا على هذه التفسيرات لتطور العلاقات المصرية الروسية، يمكن التأكيد على انها ستشكل نوعاً من التوازن الجزئى فى علاقات مصر بالخارج، لكنها لا تشكل انقلاب فى علاقات مصر الخارجية، لأن القدرات المصرية الراهنة لا تتعدى أكثر من إجراء انقلاب فى الداخل.

فمسألة اللعب بالتوازنات فى منطقة الشرق الأوسط، أمر يفوق المؤهلات المصرية، وهو ما أكد عليه المتحدث باسم الخارجية المصرية فى 11 نوفمبر الماضى، عندما أكد على أن العلاقات المصرية مع موسكو ليس على حساب العلاقات المصرية بأى طرف، فالقاهرة تدرك جيداً حجم المغامرة بعلاقاتها مع واشنطن التى تراقب عن كثب التحرك الروسى على الساحة المصرية.